الجغرافيا كأداة ردع: كيف هزم الإغلاق حسابات التفوق العسكري الأمريكي؟
بعد اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، ورداً على الضربات التي استهدفت منشآتها النووية للمرة الثانية، واغتيال قيادتها السياسية والعسكرية، لجأت طهران إلى مختلف وسائل الرد على العدوان، وبدا النظام أكثر تماسكاً، مما توقعت واشنطن وتل أبيب، رغم مراهناتهما على انهياره السريع، استناداً إلى أزمات داخلية، شملت تكرار الاحتجاجات، ووضعاً اقتصادياً حاداً، من أبرز مؤشراته ارتفاع التضخم إلى 68% في ديسمبر 2025، وتراجع قيمة الريال وتباطؤ النمو.

لكن رهان إسقاط النظام لم تثبت صحته في دلالة على أخطاء فادحة في التقدير؛ فقد قلّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شأن صمود الإيرانيين الذي عززه فخرٌ ببلادهم، يفوق كراهية الكثير منهم للنظام..
ومع تصاعد الحرب، تحوّل التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى واقع فعلي، ومنح الممر الواقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان، طهران قدرة قانونية وجغرافية على فرض قيود على الملاحة، وهي تواجه ضربات عسكرية، وبذلك أصبح الإغلاق أداة ضغط ذات تأثير عالمي، وجعل الحلول الدبلوماسية الخيار الأكثر احتمالاً مقارنة بمحاولات فتحه عسكرياً.
عملياً، حد الإغلاق من قدرة حلفاء واشنطن على الانضمام للعدوان، ووضع معظم دول أوروبا في أزمة كبيرة، ودفع الأطراف المتضررة خارجها إلى البحث عن حلول تتجنب التدخل العسكري، وما قد يترتب عليه من نتائج غير مضمونة أو تفاقم التداعيات الاقتصادية.
هذا الوضع سمح لإيران بتحويل تهديد الملاحة إلى تطبيق عبر استراتيجية الإغلاق الكلي للمضيق، مستخدمةً إياه كأداة ردع غير تقليدية ضمن استراتيجية “منع الوصول”، فارضة حالة حصار بحري شامل، تلا ذلك إعلان باستهداف حلفاء واشنطن فقط، ضمن أدوات الحرب غير المتماثلة.
وبذلك تحول المضيق من مساحة تهديد محتملة إلى أداة هجومية فعالة، انعكست آثارها على أسواق الطاقة والملاحة عالمياً، كما فتحت هذه الوضعية احتمال تحقيق مكاسب اقتصادية مستقبلية في حال التوصل إلى تسوية تنظم المرور عبره مقابل رسوم، ما يغير من طبيعتيه كممر دولي.
كيف أغلقت إيران المضيق وفشلت واشنطن في بناء تحالف
عملية الإغلاق:
وظفت إيران المضيق بعدة صور عسكرياً واقتصادياً؛ ليكون أداة حرب، ووفق تقارير، استخدمت طهران الطبيعة الجغرافية للمضيق لنشر الألغام، ويقدر أن في حيازتها مخزون يجاوز 5000، تشمل الألغام الأرضية، وأخرى ذات التفعيل الصوتي، وثالثة يمكن التحكم بها عن بُعد.
وأتاح الجمع بين قدرات الغواصات والسفن السطحية إمكانية زرع حقول ألغام في الممرات الحيوية، مدعومة بأسطول يضم حوالي 14 غواصة، ورغم أن الولايات المتحدة دمرت جزءاً كبيراً من القدرات البحرية الإيرانية، لا تزال الزوارق منخفضة التقنية باقية، وبعدد كبير وقادرة على تهديد السفن وتعطيل عبورها.
وتشير تقارير، أن عملية إعداد الإغلاق التكتيكي تستغرق ما بين 4 إلى 7 أيام، وهو ما يمكن اعتباره السيناريو الذي جري تطبيقه، بهدف الإغلاق الكامل، وإحكام السيطرة، من أجل تخفيف الضغط الدولي؛ ونتيجة تقييد الملاحة طبقت طهران استراتيجية “الإغلاق الانتقائي”، فسمحت بمرور شحنات القوى غير المشاركة في النزاع بشرط الإذن المسبق.

ووفق تصريحات دبلوماسية متكررة، لعباس عراقجي وزير الخارجية، جرى استهداف الشحنات المرتبطة بالدول الداعمة لواشنطن وإسرائيل، بينما استمر تدفق النفط إلى أطراف أخرى، فمثلاً، عبرت السفن الصينية بانسيابية نسبية، باعتبارها المتلقي الرئيسي من الإنتاج الإيراني، في حين لجأت دول أخرى إلى التفاوض المباشر مع طهران لتأمين مرورها، في إطار نهج “الحماية الذاتية” والتحرك الفردي.
وتظهر تصريحات وزير الخارجية الهندي “إس. جايشانكار”، الذي أكد إجراء مفاوضات مع طهران، أمنت عبور ناقلتي غاز، هذا النهج المنفرد، والذي تجاوز الارتباطات مع الحليف الأمريكي والإسرائيلي، وقد دفعت نيودلهي أزمة البضائع وحرصها على العلاقات الاقتصادية مع إيران إلى تبني هذا المسار الذي اتخذته أيضا دول أخرى، بما في ذلك أعضاء في الاتحاد الأوروبي.
الصدمة الاقتصادية العالمية

انعكس إغلاق المضيق مباشرة على الاقتصاد العالمي، مُحدثاً صدمة حادة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، إذ يمر عبره نحو 21.3 مليون برميل يومياً، بما يعادل 21% من المنتجات البترولية، إلى جانب صادرات الغاز الطبيعي المسال.
ومع الإغلاق والتهديد المستمر، تحولت الملاحة من انسيابية كاملة إلى شلل شبه تام؛ إذ تراجعت الحركة بنحو 90%.
ولم تعبر منذ الأول من مارس حتى مطلع إبريل سوى 150 سفينة، وهو ما يعادل تقريباً حركة يوم واحد قبل الحرب، بينما أظهرت بيانات شركة “كيبلر” تراجع عبور الناقلات بنسبة 93%، بمرور نحو 225 ناقلة فقط منذ بدء الأزمة، وإن اختلفت البيانات فإن كليهما يتفق على حجم الضرر الكبير، وتقلص حركة المرور .
وقفزت أسعار خام برنت من حوالي 70 دولارًا، قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتها العسكرية ليصل إلى 100 دولار ثم 126 دولاراً للبرميل، وتراجع بعدها إلى 100 دولار، وهو في حالة تذبذب، لكن بشكل عام هناك حركة ارتفاع تجاوز الثلث، وتذكير بأزمة العام 2008 وحرب أوكرانيا وروسيا، كما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا، وكان من شأن التعقيدات الإجمالية التي اسفرت عنها الأزمة أن تزيد من مخاوف انخفاض إضافي لمخزونات القارة، والتي هي في حدود 46 مليار متر مكعب مقارنة بـ77 مليار متر مكعب قبل عامين.
وأدى مشهد الإغلاق والهجمات على منشآت البترول، إلى إعلان حالات “القوة القاهرة” وتعقيد التوريد؛ وكمثال اضطرت شركة “قطر للطاقة” للتراجع عن التزامات تصدير طويلة الأجل لدول مثل بلجيكا وكوريا الجنوبية وإيطاليا؛ إثر تضرر منشأة “رأس لفان” العملاقة.
وضع الإغلاق والهجمات في الشرق الأوسط، وتعطل الامدادات وارتفاع أسعار الشحن والتأمين، وضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة تضغط بشدة على أوروبا كمنطقة صناعية، والدول المستوردة للنفط بنسب عالية، مهدداً بتأثيرات حادة على الأمن الغذائي للدول الأقل اكتفاءً والمعتمدة على الاستيراد.
وتبرز هنا إشكاليتان رئيسيتان: الأولى، هشاشة الممرات البحرية بوصفها شرايين حيوية لتدفق السلع، خاصة للدول كثيفة الاستيراد؛ والثانية، اعتماد الدول المصدّرة للنفط على تدفقات الطاقة كمحرك اقتصادي أساسي، كما في حالة دول الخليج.
في المقابل، تبدو الصين مستفيدة نسبياً من حالة التعثر، رغم اعتمادها على المضيق بنسبة تقارب 40% من وارداتها النفطية و30% من الغاز المسال، فقد عززت موقفها باحتياطي، يُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل، وتجنبت الانخراط العسكري، بما يتيح استمرار انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما أسهمت الحرب في إعادة توجيه الموارد العسكرية بعيدا عن محيطها الحيوي، وهو ما يصب أيضاً في مصلحة روسيا في سياق مواجهتها مع أوكرانيا.
التسلسل الزمني للأزمة
اتسمت تفاعلات الأزمة بتسارع لافت، بالتوازي مع تراجع قدرة المؤسسات الدولية والتحالفات على احتواء الصراع وإدارته.
في منتصف مارس، وبعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، دخل التصعيد مرحلة أكثر حدة؛ إذ جرى استهداف ناقلات نفط في المياه الإقليمية للإمارات والكويت، ما أدى إلى شلل في حركة الشحن الإقليمي ورفع مستوى المخاطر القائمة.
انعكس هذا التصعيد وتمدد الحرب على الأسواق المالية العالمية، فبحسب تحليل للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، بدأت سوق سندات الخزانة الأمريكية في إرسال إشارات توتر واضحة، ويُظهر ذلك مؤشر تقلبات السوق لسندات الخزانة الأمريكية، والذي ارتفع من مستوياته الطبيعية (60– 80) بنسبة 28% ليصل إلى 108 في 20 مارس، ثم إلى 115 في 26 مارس، مقترباً من مستويات ارتبطت بأزمات كبرى مثل الأزمة المالية 2008 والحرب الروسية– الأوكرانية.
وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت تكلفة العمليات العسكرية؛ إذ تكبدت وزارة الحرب الأمريكية “البنتاجون” نحو 11 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى من الحرب، في مؤشر على الانفاق المالي المرتفع.
ومع مطلع إبريل، سعت واشنطن إلى تعويض إخفاقها في ملف المضيق عبر التهديد والردع، واتخاذ خطوات تمهيدية، كتعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بنشر قوات إضافية، من بينها نحو 2500 من مشاة البحرية، وتجهيز الفرقة 82 المحمولة جواً، إلى جانب إرسال سفينة الهجوم البرمائي “طرابلس”؛ لتضيف إلى التحشيد الممتد من البحر الأحمر إلى الخليج، وشمالا في البحر المتوسط.
وجري التمهيد لاتخاذ مرحلة من التصعيد، بهدف السيطرة على منشآت استراتيجية، وفتح الممر الذي تحول إلى تحدٍ معقد بلا خيارات عسكرية منخفضة التكلفة، يمكن أن تحظى بدعم الحلفاء، وهدد ترامب طهران، أنها ستشهد جحيما، أن استمرت في إغلاق ممر هرمز، ومنحها مهلة قبل هجوم مكثف.
وقد واجهت واشنطن عقبات منذ الأسبوع الأول لمارس، منعت تشكيل تحالف بحري عسكري لفتح الممر، مع بروز انقسام أطلسي في مواقف قادة حلف شمال الأطلنطي “الناتو”، ويعكس ذلك فجوة متزايدة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وظهر ذلك في توجهاتها، وردود الفعل الدولية، التي اتسمت بدرجة من التحفظ وعدم الاستعداد للانخراط العسكري المباشر ضد إيران في محاولات فتح المضيق بالقوة.
توجهات واشنطن ومحاولة فرض السيطرة

اعتمدت إدارة الرئيس دونالد ترامب فلسفة “الحسم المنفرد”، وهو ما لخصه تصريحه: “بصفتي رئيس الولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم بفارق كبير، أقول إننا لا نحتاج إلى مساعدة أي أحد”.
إلا أن هذا الخطاب الجازم يتصادم عمليا مع حسابات منها: معدل التكلفة المالية والعسكرية، فقد جرى استهلاك صواريخ “توما هوك”، بما يعادل إنتاج ثلاث سنوات، وتتراوح تكلفة نظام باتريوت الاعتراضية بين 3 و4 ملايين دولار.
غير أن مستشارين عسكريين أشاروا بداية الحرب، أنه بهذا المعدل لن تكون الاحتياطيات الاستراتيجية كافية لمسرح عمليات المحيط الهادئ، وقد جرى فعليا تحريك قوات منها وأصول أول مارس تجاه الشرق الأوسط.
وفى الوقت الذي تزداد فيه تكلفة الحرب، رفض الكونجرس تمرير ميزانية بـ200 مليار دولار، ورغم ذلك، حركت البنتاجون قوات إضافية، في محاولة للسيطرة على الموارد النفطية لإيران أو تعطيلها، مع هجمات على منشآت اليورانيوم، والحصول على الكميات المخصبة كسيناريو ينهي الحرب التي مثلت ذروة الصراع الممتد بين الولايات المتحدة وإيران منذ 45 عاما (1980- 2025) .
مضيق هرمز: أربك التحالفات وكشف هشاشتها
المقاربة الأوروبية: الاستقلال النسبي ورفض الانخراط الهجومي
سعت واشنطن لتشكيل تحالف بحري دولي، لكن هذه الجهود اصطدمت برفض من شركائها؛ كمثال أعلنت أستراليا واليابان عدم المشاركة.

بينما تبنت أوروبا موقف “ليست حربنا”، حيث أكد قادة عدة دول، هذا المضمون، في إظهار الرفض لدعوات التدخل العسكري الهجومي، ويرتبط هذا الموقف بصدمات اقتصادية مباشرة، دفعت بعض الدول الأوروبية إلى فتح قنوات اتصال مع طهران لتأمين احتياجاتها، ما يعكس صورة التحالف الغربي الذي يبدو هشا أمام الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية المتشابكة عالية الكلفة.
بالمقابل وضمن تكتيك تحييد مواقف بعض الدول وبقاء موقفها رافضا للتصعيد، سمحت إيران خلال شهر إبريل، بمرور سفن عدة دول، منها ناقلات فرنسية ويابانية، ساهم في هذه الخطوة تدخلات الدبلوماسية العمانية؛ لتسهيل حركة الملاحة، ذلك مع الاعتبار، أن كل من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من بين أكبر مستوردي النفط الخام الذي يمر عبر المضيق.
التحالف الدبلوماسي البديل

مع ظهور حدود الخيار العسكري، الذي نادى به طرفا الحرب، ترامب، وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، برزت محاولات دبلوماسية متعددة الأطراف لتأمين سلاسل الإمداد، وقادت بريطانيا هذا المسار عبر قمة افتراضية ضمت نحو 40 دولة، لبحث جميع التدابير الممكنة لإعادة فتح مضيق هرمز. وحذرت القمة من تداعيات إنسانية خطيرة، من بينها انعدام الأمن الغذائي لملايين الأشخاص.
وفعليا استجابت إيران جزئيا لهذا الطلب يوم 4 إبريل معلنة السماح بمرور سفن، تحمل مواد الغذاء. وأجرت مباحثات مع عمان بهذا الشأن يوم 5 إبريل؛ لبحث سبل التنفيذ بحكم وقوع المضيق في المياه الإقليمية للبلدين.
وبالتوازي مع ذلك، وبشكل مكمل للبحث عن حلول، برزت مسارات مثل المفاوضات الثنائية المباشرة مع طهران، إلى جانب دور الوساطة، وهذا سهيل مرور سفن بعض الدول، وهو ما يعد مكسبا لإيران ومفاوضيها، لأنه يحد من فرص التصعيد، ويقلل احتمالات جذب واشنطن لأطراف أخرى للانخراط العسكري ضد طهران.
محطة الأمم المتحدة: توازنات دولية تعطل تمرير صك أممي لهجوم عسكري
انتقلت الأزمة إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث برز شلل في الاتفاق على مشروع قرار بالتدخل العسكري، عكس التوازنات الجيو سياسية، وموقف الصين وروسيا الرافض استخدام البند السابع من الميثاق أو التصريح باستخدام القوة وفتح الممر بشكل قسري.
وقدمت البحرين، بصفتها رئيسة المجلس لشهر إبريل، وإحدى دول الخليج التي تتخذ موقفاً أقرب للانخراط العسكري، مشروع قرار يهدف إلى وضع حد للاستنزاف البحري.
وفق تصريحات المندوب البحريني “جمال الرويعي”، فإن المشروع يسعى لإيجاد “حل مستدام” لتهديدات الملاحة، كما دعا مجلس “التعاون الخليجي” مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار، يسمح باستخدام “جميع الوسائل اللازمة” لضمان حرية الملاحة في المضيق.
غير أن المشروع واجه اصطداماً مع الفيتو المحتمل؛ حيث اعتبر المندوب الصيني “فو كونج”، أن السماح باستخدام القوة سيؤدي إلى مزيد من التصعيد وعواقب وخيمة. وبضغط من موسكو وبكين، أُجبرت الدول الراعية على حذف عبارة “الوسائل اللازمة” واستبدالها بـ”الوسائل الدفاعية اللازمة” لمدة ستة أشهر، ما قيد فرص تحرك عسكري واسع، وأبقى الحل في الإطار الدفاعي.
ويعكس التعديل موقف توازن صيني روسي ضاغط على إيران لعدم استمرار الأزمة، وفي نفس الوقت لا يسمح بتكون تحالف عسكري ضدها، وكلا البلدين حققت الحرب لهما استفادة متعددة الأوجه، منها ما يتعلق بصراعات عسكرية (تايوان وأوكرانيا)، بالإضافة إلى أرباح روسيا من النفط، وهي توصف بأنها الرابح الأكبر من الحرب حاليا.
الوضع الراهن

بعد مرور أكثر من 37 يوماً على اندلاع الحرب، دخل الاقتصاد العالمي حالة من أزمة، مدفوعة بالتضخم، ساهم فيها الشلل الذي أصاب حركة الملاحة فى مضيق هرمز.
اقتصادياً، ومع تراجع حركة الملاحة بنحو 93%، تعطلت تدفقات الطاقة العالمية، ودفعت الأسعار للارتفاع، ومتوقع أن تتأثر الحبوب ومنتجات الغذاء ومستلزمات الزراعة كما الأسمدة.
عسكرياً، تستمر حالة الاستنزاف، مع عجز الولايات المتحدة عن فرض سيطرة كاملة، رغم التعزيزات العسكرية الواسعة حول إيران، واستمرار التهديد بخيارات تصعيد بري وبحري.
دبلوماسياً، تتزايد المبادرات دون تحقيق اختراق ملموس، يحقق تسوية وينهي الأزمة، في ظل استمرار التباينات بين القوى الكبرى، واتجاه عدد من الدول إلى البحث عن ترتيبات فردية لتأمين مرور سفنها، ورغم تعدد محاولات واشنطن للضغط على حلفائها ودفعهم للمشاركة في تحالف عسكري ضد إيران ولفتح المضيق خصوصا، فإن ذلك لم يتحقق.
وفي السياق، أخفقت محاولات الالتفاف على واقع الإغلاق، بما في ذلك مبادرات البنتاجون لتأمين الملاحة ورحلات السفن، نتيجة رفض الشركات العمل في بيئة عالية المخاطر، ما رسّخ حالة الجمود.

ولم يبقَ من حلول في مواجهة سلاح الإغلاق سوى التدخل العسكري أو الوصول إلى تسوية، تبدو صعبة في الوقت الراهن، في ظل إصرار الولايات المتحدة على إخضاع إيران وتدمير مقدراتها، وضمن إطار أوسع، يستهدف عقاب الشعب الإيراني، ويتجاوز الهدف المباشر المتمثل في إضعاف النظام أو إسقاطه إلى استهداف بُنى المجتمع ومؤسساته.
يقترب العدوان على إيران من نهج استعماري صهيوني، جرى تجريبه في غزة، وتحاول تكراره في لبنان، وتظهر عمليات هجومية على إيران، تستهدف مؤسسات مدنية وخدمية، أن إسرائيل والولايات المتحدة مجتمعان على هدف قطع سبل العيش وتعطيل الحياة حاضراً ومستقبلاً، سواء ببقاء النظام الحاكم أو دونه، عبر استهداف المدارس والجامعات والمستشفيات، والمصانع والكباري والطرق، وهجمات أضرت محطات الكهرباء والمياه، ضمن خطوات شلّ المجتمع والنيل من قدرته على الاستمرار، إلى جانب استهداف هويته عبر تدمير مواقع تراثية وتاريخية وثقافية.
سيناريوهات مسار الأزمة
في ضوء المعطيات العسكرية والجيو سياسية، تتأرجح تطورات الأزمة، فيما يخص مضيق هرمز بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
تدويل دفاعي محدود

في هذا السيناريو يُفتح المضيق جزئياً عبر قوة بحرية بمهام دفاعية، ترافق السفن بما فيها التي سمحت لها إيران بالعبور، ويُقدم ذلك أمريكيا لوصفه فرض للإرادة الأمريكية، واستجابة للتهديدات، وضمن تفاعلات أخرى، كما التحالف الأوروبي الدبلوماسي وخطوة طرح الأزمة في مجلس الأمن.
المؤشرات على التحقق، كما أوضحنا في التقرير، تشمل حركة الملاحة الجزئية، والتمركز البحري الأمريكي، أما النتائج المتوقعة، فتشمل فرض سيطرة محدودة على الممر، مع خفض المواجهة العسكرية.
لكن يمكن أن يتطور هذا السيناريو بتصعيد أمريكي إسرائيلي، وتتحول العمليات الدفاعية إلى هجوم شامل، يطال منشآت النفط والطاقة، مع مواجهة طويلة وغير قابلة للتحكم في مدتها، ما يعرض بالتبعية دول الخليج لمخاطر مباشرة، كاستهداف السفن والمطارات وشركات إنتاج النفط وتبادل استهداف محطات المياه والكهرباء، وحتى لو ظهرت بوادر انهيار النظام الإيراني، فإن توسع الهجمات والرد عليها، سيكون محتملا، نظرا إلى تعدد الأجهزة القتالية في إيران والحلفاء، وصعوبة السيطرة الكاملة.
ومع ذلك، يتطلب تأمين الممر والعبور فيه رغم عن إرادة طهران، توفر إمكانيات إزالة الألغام، والحصول على خرائط دقيقة ونفاذ هذه المهمة قد تتأخر لأشهر.
استمرار الإغلاق الجزئي
يتحقق هذا السيناريو، إذا استمرت إيران في تطبيق الإغلاق الانتقائي، مع السماح بمرور ناقلات محددة وفق تفاهمات ثنائية، واستجابة لمطالب دبلوماسية حول إمدادات ضرورية يجب مرورها كما الغذاء والدواء والأسمدة، واستمرار هذا المسار في التوسع لتقليل حدة الأزمة، وهو ما ظهر يوم 5 إبريل من اجتماع مشترك بين إيران وعُمان لتسيير المرور، وهو ما يشكل استجابة جزئية.
لكن مع ذلك، تبقى مؤشرات انخفاض أعداد السفن العابرة، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، في ظل تراجع الاحتياطيات الاستراتيجية للدول المستوردة، وستكون هناك نتائج إذ استمر العبور متعثرا، كما تغذيه عوامل اضطراب اجتماعي وسياسي، خاصة في الدول الهشة، التي تعاني أزمات حاليا، نظرا لأن تداعيات الإغلاق ستستمر لفترة طويلة، حتى بعد إعادة التشغيل.
تسوية تفاوضية إقليمية
يقوم هذا السيناريو على وساطات إقليمية ودولية لإنشاء تحالف أو آلية مشتركة لإدارة الملاحة في المضيق، بأن تتحقق التسوية في حال توقفت العمليات العسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا وافقت إيران على شكل التحالف وطبيعة مهامه، ونجحت الوساطات في بناء أرضية تفاهم. مشتركة بين الأطراف المختلفة.
المؤشرات تشمل إطلاق مفاوضات مباشرة، ومرور تدريجي للسفن، وإشراف دولي على التدفقات.
والنتائج المرجوة تشمل إعادة فتح المضيق تدريجياً ضمن ترتيبات قانونية وتنظيمية، مع إمكانية فرض رسوم على المرور، وتحويل المضيق إلى مركز تفاوضي، يوازن بين القوى الإقليمية والدولية، ويحقق لطهران مكسب سياسي واقتصادي.
وقد تتحول الأزمة إلى تنفيذ مقترحات، قُدمت إلى البرلمان الإيراني، ولم تمرر سابقا، مثل فرض رسوم عبور، وتحويل المضيق إلى سيطرة مقننة قانونيا وباعتراف دولي، وتغيير وضعه من ممر دولي، حسب اتفاقية الأمم المتحدة للبحار، وهذا السيناريو يعني نجاح ترامب على تغيير النظام فعليا، لكن في ممر هرمز، وهي عبارة تبدو ساخرة، لكن ممكن أن تشكل واقعا، حال تراجع خيار التدخل العسكري والتوصل لتسوية.
استخلاصات:

بعد أسابيع من اندلاع الحرب، أظهرت أزمة مضيق هرمز فشل الرهان على الهيمنة الأمريكية المطلقة وتراجع قدرتها على حشد التحالفات وفرض السيطرة، حيث لم تكفِ القوة البحرية الهائلة بمفردها أمام إرادة سياسية إقليمية مستعدة للمخاطرة والتحدي.
استثمرت إيران الجغرافيا المعقدة للمضيق كأداة ردع مالي واقتصادي، مؤكدة فعالية استراتيجية منع الوصول.
وقلصت الملاحة البحرية إلى أقل من 10% من المعدل الطبيعي، وأدت القيود إلى تعطيل أسواق الطاقة، ما أعاق حلفاء واشنطن عن الانخراط الهجومي المباشر.
وتكشف الأزمة عن نهج السياسات المنفردة، وحدود قدرة الولايات المتحدة على فرض التحالفات في ظل ميل الدول لتأمين مصالحها عبر تفاهمات ثنائية.
وتؤشر المعطيات إلى احتمال تحول المضيق إلى إطار قانوني وتنظيمي، عبر فرض رسوم أو آليات مراقبة مشتركة، ما يعكس قدرة إيران على استثمار موقعها الاستراتيجي اقتصادياً والحفاظ على مركز قوة إقليمياً ودولياً بعد انتهاء الحرب وبقاء النظام، وحينها ورغم حالة الضعف وحاجته للتعافي، قد يتخذ نهجا من السياسية الخارجية المتحفظة من حيث التدخل، والأكثر ميلا للتعاون مع قوي الشرق الأوسط، خاصة مصر وتركيا، مع تعقد علاقاته مع دول الخليج، وإن لم تكن كتلة واحدة بطبيعة الحال، وسوف تشهد على عكس المتوقع العلاقات بين دولها تباينات أكبر.
أخيرا، تظهر الأزمة الإيرانية، ورغم عدم اليقين حول النتيجة النهائية، أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لقياس وزن الدول وتأثيرها الإقليمي والدولي وقدرتها على التفاوض وإدارة الصراع، ورغم محدودية الإمكانيات لم تستسلم طهران خلال أسبوع أو أسبوعين، كما كان البعض يتوقع، لكن واجهت الضغوط العسكرية ضمن حدود قدراتها، رغم الفرق الهائل في القدرات العسكرية. وأظهرت قوة دبلوماسية، بما يجعل محطة الصراع الحالية إطارا للخبرة حول حدود القوة والهيمنة والتكيف مع التهديدات ومجابهتها بمنظور متعدد الأبعاد.






