كشفت الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد 2026/2027 عن وصول حجم القروض والتسهيلات المضمونة من الخزانة العامة لصالح عدد من الهيئات الاقتصادية والخدمية لـ 5.29 تريليونات جنيه، يما يزيد على ربع الناتج المحلي للاقتصاد المصري.
تصدر وزارة المالية خطابات ضمان عامة أو خاصة للهيئات العامة، لكي تتمكن من الحصول على تسهيلات ائتمانية وقروض خارجية أو محلية لتنفيذ استثماراتها، كآلية لتمويل تلك الكيانات وتوفير موارد مالية لها، فوجود ضمانة وزارة المالية يمنح تلك الهيئات قوة في التفاوض على العائد ومصداقية أكبر.
رغم ارتفاع رصيد الضمانات المُصدرة من قبل المالية لـ 5.29 تريليونات جنيه في العام المالي الجديد، مقابل 5.250 تريليونات جنيه في العام المالي الحالي، لكن نسبتها تراجعت للناتج المحلي إلى 25.3%، مقابل 30.1% في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2027/2026.
يأتي ذلك؛ بسبب رفع وزارتيّ المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية توقعاتها للناتج المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 24.5 تريليون جنيه، وكلما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي تراجعت أي نسبة يتم حسابها وفقًا له، فهو “المازورة” أو المسطرة التي يتم بناء عليها حساب كل أرقام الموازنة العامة.
من الذي يلتهم ضمانات الدولة؟
بتحليل أكبر القطاعات المستفيدة من خطابات الضمات، يلاحظ تركز نسبة كبيرة من ضمانات الاقتراض في عدد محدد من الجهات، وعلى رأسها هيئة البترول، ما يزيد من حساسية الموازنة العامة للصدمات القطاعية.
يُلاحظ استحواذ قطاع الطاقة المتمثل في كل من الهيئة المصرية للبترول وشركات الكهرباء على نسبة 65% من رصيد الضمانات المصدرة في 30 سبتمبر 2025.
جاء في المرتبة الثانية، قطاع النقل المتمثل في الهيئة القومية للأنفاق والهيئة القومية لسكك حديد مصر بنحو 13%، ثم قطاع الإسكان المتمثل بهيئة المجتمعات العمرانية بنسبة 7%.
الهيئة العامة للبترول.. تريليونات من الضمانات
بلغت الهيئة المصرية للبترول 3.1 تريليونات جنيه تعادل 59.1% من رصيد الضمانات، وبما يعادل 14.9 % من الناتج المحلي، تليها شركات الكهرباء بنحو 307.4 مليارات جنيه بما يعادل 5.8% من الضمانات و1.4% من الناتج المحلي.
الهيئة القومية للأنفاق حصلت نحو 540.1 مليار جنيه بما يعادل 10.2% من الضمانات تعادل 2.5% من الناتج المحلي والهيئة القومية لسكك حديد مصر 135.3 مليار جنيه بنسبة 2.5% من رصيد الضمانات ما يعادل 0.65% من الناتج المحلي. أما هيئة المجتمعات العمرانية 381.07 مليار جنيه تعادل 15.04% من رصيد الضمانات وكذلك نحو 3.8% من الناتج المحلي.
التدخل الحكومي.. هل ينهي التركز؟
أمام مشكلة زيادة الضمانات، قرر مجلس الوزراء وضع حد سنوي للضمانات، على أن يتم توجيه الجزء الأكبر لقطاع الطاقة، نظرًا للأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع وذلك في ضوء خطة الدولة لتحسين الأداء المالي لقطاع الطاقة وخفض احتياجاته التمويلية وحاجته إلى الضمانات.
ضمن خطتها لخفض الدين، قالت وزارة المالية، إنها تعمل على الخفض التدريجي لحجم ونسبة الضمانات للناتج المحلى الاجمالي، وتنويع مصادر وأدوات وأسواق التمويل والعمل على خفض تكلفة الاقتراض المحلى.
تسعى الوزارة للتوسع في مبادلة الديون مقابل الاستثمارات ومقايضة الديون لخفض المديونية، ومنح أولوية استخدام الإيرادات الاستثنائية المحققة من التخارج أو طرح رخص وغيرها من الأمور، بدلاً من الاقتراض التجاري، فضلاً عن الاقتراض الخارجي المُيسر (قروض دعم الموازنة والاقتراض المدعوم بضمانات من الخارج).
لكن لا تزال هناك حاجة لاتباع سياسة للتعامل مع والحد من الضمانات الحكومي، بما يضمن بأن الاقتراض الذي يتم بضمانات حكومية سيتم توجيهه لتمويل مشروعات هامة واستراتيجية ذات جدوى، ومع التأكيد على قدرة المقترض على خدمة هذا الدين من المواد الذاتية، وحتى ولو على المدى المتوسط.
لماذا ضمانات الاقتراض مؤشر سيئ؟
وزارة النقل عبر الهيئة القومية للأنفاق والهيئة القومية لسكك حديد مصر، حصلت على ضمانات بنحو 12.7% من إجمالي الضمانات.
في المقابل تؤكد “النقل“، أن إجمالي القروض التي حصلت عليها في كل مشروعاتها سواء التي سُحبت أو التي لم تُسحب يبلغ نحو 20 مليار دولار من إجمالي نحو 160 مليارًا إجمالي الدين الخارجي، مؤكدة أن قروض وزارة النقل تمثل حاليًّا نحو 13% من إجمالي القروض على الدولة.
وزير النقل أكد أخيرًا، خلال استضافته في اجتماع مجلس الأعمال الكندي ـ المصري، أن القروض التي تحصل عليها الوزارة من الخارج تكون بفائدة من منخفضة، إذ لا تتعدى نصف في المئة مقابل 11% بالبنوك المحلية، كما تتضمن فترة سماح طويلة تصل لـ 10 سنوات قبل بدء السداد أو بمعنى آخر، بدء عمل المشروع.
في المقابل، تقول دراسات، إن ضمانات القروض أكبر الالتزامات الطارئة الواضحة بمصر وتشكل أزمة حقيقية لمسار الدين بمصر لوزارة المالية، فقد كان متوسط القروض المضمونة لمصر حوالي 20.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام2021/2020 منها 8.5% ضمانات قروض محلية و12% ضمانات قروض خارجية.
تأتي ضمانات القروض على رأس الخصوم الاحتمالية الكبرى المعلنة بالنسبة لمصر؛ ونظرا لأن هذه الضمانات تصدر على أساس مخصص وتشهد زيادة كبيرة، فإنها تشكل تهديدا واضحا لمسار الدين المستدام في مصر. وثمة ضرورة لصياغة قواعد مؤسسية جديدة لاحتواء مشكلة ضمانات القروض.
تظل الخصوم الاحتمالية الأخرى تشكل مخاطر مالية، تنعكس في مكون المتبقي residual في القوى المحركة للدين، ومن أمثلة هذه الخصوم التعهدات الخاصة بالتحديات المتعلقة بالشركات المملوكة للدولة، وكذلك الاستمرار في اعتماد الأساس النقدي، بدلاً من أساس الاستحقاق في المحاسبة الوطنية والذي يؤدي أيضًا لحدوث حالات من العجز المستتر.
ما الحل؟
هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي. مصر، يقول إن الدين الخارجي يجب أن يرتبط بقدرة الدولة على توليد إيرادات بالنقد الأجنبي، وليس فقط بحجم الناتج المحلي الإجمالي.
شدد عز العرب، في حوار مع “سي إن إن”، على ضرورة وضع سقف واضح للدين العام والالتزام بخطط تدريجية لخفضه على المدى الطويل، مؤكدًا أن أخطر ما يهدد أي اقتصاد هو التوسع المفرط في الديون، دون وجود خطة واضحة للإدارة والسداد.
أكد الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة، أن وحدة الموازنة العامة للدولة تمثل المفتاح الأول لعلاج أزمة الديون، مضيفًا أن خدمة الدين بالنسبة للإيرادات أهم من قيمته المطلقة.
شدد الدكتور محمود محيي الدين، على أن تنفيذ مشروعات خارج الموازنة العامة كان يمكن أن ينجزها بسرعة، لكنه يكلف الاقتصاد خسائر كبيرة في ضبط أولويات النفقات، فالموازنة يجب أن تضم كل إيرادات الدولة ونفقاتها سواء على التعليم أو الصحة أو النفقات الجارية أو الاستثمارية.






