يدفع الاقتصاد الإماراتي غاليًا ثمن الحرب الإيرانية الأخيرة، التي أظهرت نقاط هشاشة مالية رغم القوة الظاهرية لأبو ظبي، التي تمتلك أكبر منظومة صناديق سيادية في العالم العربي بنحو 2.695 تريليون دولار، تعادل 87% من إجمالي الاستثمارات العامة للدولة.
وفقًا لدراسة حديثة للمركز الخليجي للدراسات والنشر، فإن الحرب وضعت الاقتصاد الإماراتي أمام تحديات مالية واستثمارية متزايدة، مع تراجع الإيرادات النفطية والسياحية وارتفاع النفقات العسكرية بصورة كبيرة، إضافة إلى الحاجة إلى تمويل عمليات إصلاح وتحديث للبنية التحتية والمنشآت المتضررة، ما فرض أعباء إضافية على المالية العامة للدولة.
كما أوضحت أن إغلاق مضيق هرمز خلال مراحل من الحرب، كشف هشاشة الاعتماد الإماراتي على ممرات تصدير النفط، إذ اضطرت الدولة للاعتماد على خط الأنابيب الواصل إلى ميناء الفجيرة، والذي لا يستطيع استيعاب كامل الصادرات النفطية الإماراتية.
الإمارات ستضطر لإعادة ترتيب الأولويات
بحسب الدراسة، فإن أبوظبي باتت مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، حيث تواجه الصناديق السيادية معادلة صعبة بين الوفاء بالتزامات استثمارية خارجية ضخمة، وخاصة تجاه الولايات المتحدة، وبين الحاجة إلى توجيه موارد أكبر نحو قطاعات الدفاع والطاقة والغذاء والبنية التحتية داخل الدولة.
الحرب كشفت أن القوة المالية الإماراتية رغم ضخامتها ليست بمنأى عن الضغوط الجيو سياسية والاقتصادية، وأن استمرار تراجع الإيرادات النفطية والسياحية وارتفاع النفقات العسكرية قد يحد من قدرة الصناديق السيادية على مواصلة التوسع بنفس الوتيرة السابقة.
كان أثر الحرب واضحًا على الإمارات، التي تحملت النصيب الأكبر من الضربات، وبدأت في إعادة ترتيب المعادلة الأمنية الاقتصادية، التي بُنيت عليها دبي وأبوظبي: الاستقرار، والسياحة، والتمويل، والخدمات العالمية، ووعدٌ حكومي بأن الحرب ستبقى في مكان آخر.
ضربت الصدمة الأولى قطاعي السياحة والترفيه، وهما ركيزتان أساسيتان لاقتصاد دبي، وقطاعان يعتمدان بشكل كبير على وهم الهدوء، توقعت مؤسسة “موديز” أن ينخفض معدل إشغال الفنادق في دبي من 80% قبل الحرب إلى 10% فقط في الربع الثاني من العام، ما يعني شبه توقف تام، لمدينة يعتمد اقتصادها على التدفقات المستمرة للسياح والمؤتمرات والإنفاق على السلع الفاخرة.
انخفضت حركة المسافرين عبر مطارات دبي بنسبة 66% خلال شهر واحد، وشهد الربع الأول من العام خسارة نحو 2.5 مليون مسافر، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وخفضت الفنادق أسعارها بوتيرة غير مسبوقة مع انكماش الطلب وتراجع الإنفاق الفاخر هرباً من حالة عدم اليقين.
انخفاض مؤشر المشتريات لأدنى مستوى في 5 سنوات
انخفض مؤشر مديري المشتريات في الإمارات إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من خمس سنوات، بينما سجلت طلبات التصدير الخارجية أكبر انخفاض لها منذ عام 2009، باستثناء فترة جائحة كورونا. ومع تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين والطاقة بشكل حاد. ورفعت الشركات أسعارها بأسرع وتيرة منذ عام 2011، حتى مع تباطؤ المبيعات وضعف الإنفاق الاستهلاكي.
أما الضربة الأخطر، فكانت على سمعة دبي، فقد اجتذبت دبي مئات الآلاف من السكان والمستثمرين الأثرياء بفضل ضرائبها المنخفضة وانفتاحها المالي، وشعورهم بأن هذه المدينة الخليجية قد نجت بطريقة ما من ضغوط المنطقة المحيطة بها. وبدأت هذه الصورة بالتلاشي مع تزايد المخاطر الأمنية.
تشير التقارير إلى ارتفاع طلبات الإقامة البديلة بأكثر من 40%، في حين بدأت ميلانو وسنغافورة وإسطنبول باستقطاب جزء من الثروة، التي كانت تتركز في دبي. بالنسبة لاقتصاد قائم على تدفقات رأس المال والعقارات والخدمات، لا يُعدّ هذا الأمر مجرد عائق عابر، بل هو ضربة قاصمة لجوهر نموذجه.
كما هددت الحرب أحد أهم ركائز اقتصاد الإمارات، الطيران والخدمات اللوجستية، فطموح دبي للعمل كمركز جوي عالمي، يربط آسيا وأوروبا وإفريقيا، يعتمد على الأجواء المفتوحة وإمكانية التنبؤ بالمخاطر، وأدى إغلاق المجال الجوي واضطراب الرحلات الجوية وتزايد التهديدات الأمنية إلى الإضرار بهذا التدفق، مما وضع ضغطًا يوميًا على اقتصاد مرتبط بالسفر والتجارة والخدمات.
امتدت الصدمة اللوجستية إلى الجبهة البحرية أيضًا، تعتمد الإمارات على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما لا يقل عن 20% من تجارة النفط والغاز المسال العالمية، بالإضافة إلى حوالي 2.4% من التجارة العالمية غير النفطية.
وتُظهر استجابة أبوظبي اللوجستية مدى سرعة اضطرار الإمارات إلى إعادة توجيه هيكلها التجاري. إذ وقّعت شركة بروج اتفاقيات مع شركة جلف تينر في ميناء خورفكان، وشركة جلف تينر للشحن، وشركة الاتحاد للقطارات، لتوسيع خيارات التصدير وإنشاء خطوط نقل بحرية- برية أكثر مرونة، في حين أنشأت مواني أبوظبي جسراً برياً، يربط الفجيرة وخورفكان بميناء خليفة وجبل علي والشارقة، باستخدام 800 شاحنة وأربع رحلات يومية لقطارات الاتحاد.
كما اتفقت مواني أبوظبي وشركة بروج على دراسة إنشاء مركز تصدير بديل في الفجيرة، من شأنه أن يُجنّبها المرور عبر مضيق هرمز، فكل مسار بديل يزيد من تكلفة النقل والتأمين والخدمات اللوجستية، مما يُضعف جزءاً من الميزة، التي بنت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة سمعتها كمركز تجاري سريع وآمن.
خط مقايضة عملات
ربما من ملامح الهشاشة، طلب الإمارات من واشنطن إنشاء “خط مقايضة عملات (Swap Line) لتأمين دعم بالدولار كإجراء وقائي واستباقي، وضمان توفير سيولة دولارية فورية لحماية البنوك وتدفقات التجارة ومنع أي نقص محتمل في السيولة، قد يسببه أي تصعيد عسكري.
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، أن مسؤولين إماراتيين أجروا محادثات مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، بشأن إمكانية الحصول على سيولة بالدولار، في حال تفاقم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط.
وأفاد المسؤولون، بأن محافظ المصرف المركزي الإماراتي خالد محمد بلاما طرح فكرة إنشاء خط لتبادل العملات خلال اجتماعات عقدت في واشنطن بمشاركة مسؤولين من وزارة الخزانة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ووفقًا لـ”وول ستريت جورنال”، أكد الجانب الإماراتي، أنه تمكن حتى الآن من تفادي أسوأ التداعيات الاقتصادية للصراع، إلا أن استمرار التوترات قد يفرض الحاجة إلى دعم مالي سريع.
خط تبادل العملات (Currency Swap) هو اتفاقية تسمح لبنك مركزي بالحصول على العملة الأجنبية (غالباً الدولار الأمريكي) من بنك مركزي آخر، مقابل تقديم عملته المحلية كضمان. وفي هذه الحالة يقدم الفيدرالي الأمريكي “البنك المركزي الأمريكي” الدولارات للمركزي الإماراتي مقابل الدرهم كضامن.
لكن سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة قال، إن الادعاءات بأن الإمارات تحتاج إلى مساعدة “تسيئ فهم الحقائق”، مؤكدا أن الدولة تمتلك ثروات سيادية ضخمة واحتياطيات قوية وسيولة عالية في القطاع المصرفي.
وأشار إلى أن الأصول الاستثمارية السيادية تتجاوز 2 تريليون دولار، ما يضع الإمارات ضمن أكبر المستثمرين الحكوميين في العالم عبر كيانات مثل جهاز أبوظبي للاستثمار(ADIA)، ومبادلة، وADQ. كما أشار إلى أكثر من 300 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي لدى مصرف الإمارات المركزي، إلى جانب قطاع مصرفي محلي يضم ودائع تُقدّر بنحو 1.5 تريليون دولار.
تغيُر دفة الاستثمارات
في المقابل، تقول تقارير مالية بقيام مؤسسات دولية بإعادة تقييم وجودها في دبي وأبوظبي، مع تحويل بعض الأصول والسيولة إلى مراكز تُعتبر أكثر أمانًا، بما في ذلك سنغافورة وزيورخ.
كانت بنوك عالمية، من بينها سيتي جروب وستاندرد تشارترد، سحبت موظفيها من مكاتب دبي، وتحولت إلى العمل عن بُعد، بَعد إن هددت إيران مصالح مصرفية خليجية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل. كما أغلقت سيتي جروب مؤقتًا معظم فروعها في الإمارات كإجراء احترازي.
كما درس أثرياء آسيا نقل أصولهم الموجودة في دبي إلى مراكز مالية أخرى، ففي العادة، ينوع الأثرياء استثماراتهم من حيث المناطق وفئات الأصول، لكنهم يختارون مكان تواجدهم بناء على اعتبارات ضريبية وتنظيمية وتشغيلية، وتتعلق أيضا بالخصوصية.
فيليكس لاي، المسؤول في مجموعة JMS متعددة العائلات ومقرها هونج كونج، قال إنه قام بترتيب رحلة طائرة خاصة لـ15 عميلا من عمان إلى هونج كونج خلال الحرب، بتكلفة بلغت نحو 300 ألف دولار، مضيفًا: “لا يهتمون حتى بالسعر، هم فقط يريدون المغادرة”.
الصناديق.. القوة التي تعتمد عليها الإمارات
يقول صباح نعوش، الباحث الاقتصادي، إن حرب إيران أثرت على الصناديق السيادية الإماراتية من زاويتين: الزاوية الأولى سيقود هبوط الإيرادات النفطية والسياحية للعام الجاري إلى صعوبة زيادة أصول الصناديق، الأمر الذي ينعكس على استثماراتها.
أما الزاوية الثانية، تقوم الصناديق الإماراتية بإعادة النظر ببرامجها الاستثمارية؛ بسبب تداعيات حرب إيران، وأصبح من اللازم عليها التوفيق بين أمرين، الأمر الأول الوفاء بالالتزامات الاستثمارية تجاه الولايات المتحدة، والأمر الثاني ضرورة إعطاء الأولوية للاستثمارات الداخلية في ميادين الدفاع والطاقة والغذاء والبنية التحتية.
إبان الحرب، انخفض إجمالي طلبات تناول الطعام في المطاعم في الإمارات بنسبة 33%، من 1.845 مليون طلب في يناير إلى 1.233 مليون طلب في مارس، كما انخفضت طلبات التوصيل من 700 ألف طلب في يناير إلى 593 ألف طلب في مارس.
من جهة أخرى، أدت هذه الحرب إلى انخفاض حاد للمقدرة المالية الإماراتية لأسباب عديدة منها: انخفاض الإيرادات النفطية، تراجع هائل لعوائد السياحة الأجنبية، تصاعد النفقات العسكرية، ركود الناتج المحلي الإجمالي. لكن لم تقد هذه الأسباب إلى هبوط التصنيف الائتماني للدولة، فقد صرحت الوكالات الدولية المتخصصة، بأنها أبقت على الدرجة العالية لتصنيف الإمارات؛ بسبب الأهمية القصوى لأصول صناديقها السيادية.
بحسب الباحثين، فإنه لم يعد ممكناً بناء الأمن الاقتصادي الخليجي على فرضيات تقليدية، تضمن تدفق النفط الدائم وثقة الأسواق المطلقة، بل تفرض المرحلة الحالية الانتقال نحو هندسة اقتصاد الحرب عبر تأمين ممرات لوجستية بديلة، وتأسيس مظلة تأمين سيادية مشتركة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وحماية البنية المصرفية والتحتية سيبرانياً.






