تفرض الحرب “الأمريكيةـ الإسرائيلية” على إيران تغيرات حادة على النموذج الاقتصادي في دول الخليج العربي، فمن المتوقع، أن يتباطأ النمو الإجمالي بالمنطقة من 4% عام 2025 إلى 1.8% عام 2026، بتراجع 2.4 نقطة مئوية عن توقعات مجموعة البنك الدولي الصادرة في يناير 2026.
في ظل تراجع صادرات النفط مؤقتًا، ستلجأ الحكومات الخليجية إلى زيادة الإنفاق لمواجهة آثار الحرب، وكل دولة ستحدد طريقها وفق ثلاثة عوامل رئيسية هي: حجم الاحتياطيات المالية، وسرعة تعافي الإيرادات، ومدى قدرة الاقتصادات المحلية على تعويض الاستثمارات الخارجية.
عثمان ديون، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، يقول إن الأزمة الحالية تعد تذكيراً صارخاً بالعمل الذي ينتظر المنطقة، ليس فقط لتجاوز الصدمات، بل لإعادة بناء اقتصادات أكثر مرونة ذات أسس اقتصادية كلية أقوى، ووأكثر ابتكارا والتزاما بتحسين الحوكمة، والاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز القطاعات المولدة لفرص العمل.
ضغوط متعددة
ضغوط الأزمة متعددة، بداية من القطاع المصرفي، إذ تُواجه بنوك الخليج احتمال خروج ودائع تتراوح بين 111 و260 مليار دولار، وفق سيناريوهات مخاطر الحرب التي وضعها محللو “بلومبرج إنتليجنس”.
تُعد البنوك الإماراتية الأكثر انكشافاً، رغم أن لديها احتياطياً للسيولة بقيمة 87 مليار دولار لمدة ثلاثة أشهر، يُغطي نحو 30% من سحوبات الأفراد، مع قوة أكبر لدى “مصرف أبوظبي الإسلامي” و”الإمارات دبي الوطني”، وضعف نسبي لدى “دبي الإسلامي” و”التجاري الدولي” و”المتحد”.
أما السحوبات الأكبر، فقد تتطلب تدخلاً حكوميًا، وفي قطر يتركز الخطر في البنوك متوسطة الحجم، بينما تبدو مصادر التمويل في السعودية أكثر استقراراً ومدعومة حكوميًا.
إعادة ترميم قطاع النفط.. سنوات مطلوبة من العمل
بحسب التقديرات، ستحتاج دول الخليج لخمس سنوات من أجل تعويض الأضرار التي لحقت بالبنية التحتيّة البتروليّة، ففي مجمع الرويس بالإمارات تعرضت إحدى أكبر المصافي بالعالم للاستهداف، وكذلك أوقفت أرامكو السعودية العمليات بأكبر منشأة لمعالجة الخام بالمملكة بطاقة 550 ألف برميل يوميًا، بعد هجوم بطائرة مسيّرة.
وتضررت مصفاة سامرف بالسعودية، وكذلك حقل شيبة الواقع شرق المملكة- بطاقة مليون برميل يومياً، أما البحرين فشهدت هجمات على “بابكو إنرجيز” بجانب الوحدات التشغيلية لشركة الخليج لصناعة البتروكيماويات، وتعرضت شركة البترول الوطنية الكويتية وشركة الصناعات البتروكيماوية لأضرار كبيرة بالمنشآت، وكذلك مصفاة بميناء الأحمدي وميناء عبد الله بالكويت.
بالنسبة للغاز، تعرضت منشآت “قطر للطاقة” لهجوم بصواريخ إيرانية، ما أدى إلى اندلاع حرائق، تسببت في أضرار واسعة، كما علّقت أبوظبي العمليات بأكبر منشأة لمعالجة الغاز الطبيعي بحبشان، بجانب تعليق العمليات في حقل غاز شاه بالإمارات، بعد هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية، وكذلك منشآت جزيرة داس للغاز الطبيعي المسال بالإمارات أيضًا.
مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبد الله الدردري قال إن الأثر على الناتج المحلي الإجمالي ملموس جداً بمنطقة الخليج، وقد يصل إلى 168 مليار دولار، مضيفاً أن الاقتصاد الخليجي يعتمد على سلعة واحدة تقريبًا، هي النفط والمنطقة عليها إعادة النظر بنموذجها التنموي لنموذج أكثر تعددًا اقتصاديًا.
فرار رأس المال الأجنبي
خبراء ومستشارون يرون أن الشركات العالمية، بل وحتى دول الخليج نفسها، تدرس ملامح “الوضع الطبيعي الجديد” بالمنطقة، في ظل الآثار المتبقية والغموض الناجم عن الصراع الحالي، وكون أن إيران قد تُشكل تهديدًا لجيرانها.
لطالما تبنت دول الخليج موقفًا أكثر تساهلًا تجاه مصادر رؤوس الأموال عند شراء العقارات وغيرها، مما أعطى انطباعًا بإمكانية تبييض الأموال المشبوهة في المنطقة بسهولة أكبر من غيرها.
وأدى تشديد القوانين في لندن وغيرها من المناطق الأوروبية الرئيسية التي كانت تجذب رؤوس الأموال المشبوهة، إلى استثمار مبالغ كبيرة في العقارات في أماكن مثل دبي وأبوظبي، بحسب رايان ألكسندر رئيس قسم الممارسات الجماعية للمؤسسات المالية بشركة GrECo المتخصصة بمجال إدارة مخاطر الشركات.
لكن مع تزايد حالة عدم اليقين المحيطة بهذه الاستثمارات يومًا بعد يوم، فمن المحتمل أن تبحث هذه الأموال عن ملاذ آمن، وهذا يعني على الأرجح أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال سيتجه نحو أوروبا، وتحديدًا نحو المناطق ذات الأنظمة الأقل صرامة.
وشهدت منطقة وسط وشرق أوروبا في الماضي نصيبها من الفضائح كدول البلطيق، وفضيحة غسيل الأموال في مولدوفا، وغيرها، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار العقارات إلى أعلى مستوياتها في أوروبا، سيجعل المنطقة هدفًا رئيسيًا لهذه الأموال المشبوهة.
دبي بالذات كانت الأكثر تضرراً، إذ نشرت مجلة ذا نيو يوركر الأمريكية مقالًا فحواه انتهاء أسطورة دبي “كملاذ آمن”، وتساءل كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز: “هل هذه هي نهاية دبي؟”. بينما رصدت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، كيف ترك المؤثرون حياتهم الصاخبة في هذه الإمارة، التي تبدو في الظاهر مستقرة عصية على الأزمات، وتحدثت عن “هجرة كبرى من دبي”.
يخشى الأجانب بدبي حاليًا، من التقييد، فبحسب تقديرات منظمة الاستشارات القانونية “محتجزون في دبي” فقد تم اعتقال أكثر من 100 شخص، من بينهم أوروبيون، بدعوى انتهاك قوانين الجرائم الإلكترونية وقوانين الأمن، وهؤلاء الأشخاص مهدّدون في حال إدانتهم بدفع غرامات كبيرة أو بالسجن عدة أعوام.
إعادة ترتيب الأولويات
روبرتا جاتي، كبيرة الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، تقول إن مختلف حكومات الخليج، تُعيد ترتيب أولوياتها استجابةً لتزايد انعدام الأمن، بينما تستوعب المجتمعات تبعات تصاعد التوتر الجيو سياسي.
دول الخليج مُعرّضة بشدة للصدمات الخارجية؛ نظرًا لاعتماد نماذجها الاقتصادية على النفط والغاز، وتركيبتها السكانية التي تضم أقليات قليلة من حاملي الجنسية، ومواقعها الجغرافية الاستراتيجية.
تُبرز الهجمات الإيرانية هشاشة البنية التحتية الحيوية بمنطقة الخليج العربي، بما في ذلك منشآت الطاقة والمواني ومراكز البيانات والمدن، مما يُشكك في صورة الاستقرار والجاذبية التي سعت المنطقة إلى ترسيخها.
في ظل هذه الظروف، تُصبح الحكومات أقل استعدادًا لتحمّل حالة عدم اليقين المصاحبة للانفتاح السياسي. وينقلب التوازن بشكل حاسم لصالح السيطرة، مما يُقوّض الإصلاحات المحدودة التي كانت الحكومات تُباشرها قبل الحرب الحالية.
انتهاء عصر البذخ
مسؤول خليجي قال لـ”رويترز”، إن ثلاث دول في الخليج تجري مراجعة لكيفية استثمارها تريليونات الدولارات من صناديقها السيادية تحسبا لتعويض الخسائر الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
أضاف المسئول، الذي طلب عدم نشر اسمه نظرا لحساسية الأمر ودون تحديد أسماء هذه الدول، أن هذه المراجعات تتضمن إمكانية إلغاء تعهدات بالاستثمار وسحب استثمارات وإعادة تقييم اتفاقات للرعاية العالمية، في ظل سعي الدول الغنية بالنفط والغاز إلى استيعاب الصدمة المالية.
قال: “ثلاثة من الاقتصادات الأربعة الكبرى في مجلس التعاون الخليجي، تعيد تقييم استثماراتها ورعايتها الحالية والمستقبلية، إذا استمر هذا (الوضع) لفترة طويلة”، مضيفًا: “بدأنا بالفعل مراجعة استراتيجيات استثمار صناديق الثروة السيادية الخاصة بنا”.
تقترب قيمة أصول الصناديق السيادية لدول الخليج من 5 تريليونات دولار، وتستثمر أموالها في أسهم حقوق الملكية والسندات بمختلف أنواعها والعقارات، إضافة إلى شركات تعمل في قطاعات حيوية مثل الطاقة البديلة والذكاء الاصطناعي والخدمات.
تتوزع هذه الاستثمارات عبر عدد من الدول، أبرزها الولايات المتحدة واليابان والدول الأوروبية، مع انتعاش الاستثمارات الجديدة للصناديق في الصين خلال عام 2025.
تسهم العوائد الناتجة من هذه الاستثمارات في تعزيز قدرة دول الخليج على مواجهة المتغيرات في اقتصاديات الطاقة، خصوصا تراجع أسعار النفط والغاز على المدى القصير.
تتطلب إدارة الصناديق السيادية مراعاة المتغيرات السياسية والاقتصادية في الدول المضيفة للاستثمارات، وهي مشكلة خاصة في التكيف مع القوانين الاقتصادية، وكذلك أخذ المنازعات الدولية في الاعتبار، لا سيما ما يتعلق بإدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع الصين ودول الاتحاد الأوروبي في شأن التعريفات الجمركية.
من المتوقع، أن تتأثر الاستثمارات العربية والخليجية على وجه الخصوص في رياضة كرة القدم في الخارج، خصوصا أن الهدف منها لم يكن ماليا، ولكن أغراض أمنية وسياسية، فضلاً عن البذخ من أجل استضافة الفعاليات الرياضية إلى وصل إلى إنفاق قطر ما يقرب من 250 مليار دولار لاستضافة كأس العالم 2022.
ما موقف مصر؟
دومينيك بارتوس، الخبير الاقتصادي في شركة «موديز أناليتكس»، قال إن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه أزمة غير مسبوقة في ظل الحرب الجارية، مما يثير مخاوف من احتمال تأجيل أو إلغاء استثماراتها المعلنة سابقا في مصر.
أضاف أنه نظرًا لعدم كفاية مصادر النقد الأجنبي الأخرى لتغطية الالتزامات الخارجية، وتعرضها للضعف السريع خلال فترات تصاعد المخاطر الإقليمية، تلعب «الأموال الساخنة» دورًا حاسمًا في سد فجوة التمويل الخارجي.
في خضم هذه التطورات اتسمت تعاملات العرب في السوق الثانوية بالتذبذب خلال الأسبوع الماضي لتبلغ حصيلتها الصافية 1.8 مليار جنيه الأسبوع الماضي (محصلة الأسبوع كانت صافي بيع وهو الفرق بين مشترياتهم ومبيعاتهم والمبيعات بحوالي 1.8 مليار جنيه).
منذ ثورة 25 يناير، لم تتجه الاستثمارات القطرية والإماراتية والسعودية إلى قطاعات إنتاجية صناعية، بل تركزت في قطاعات كالعقارات والمنتجعات، كما هو الحال في صفقتَي “علم الروم” و”رأس الحكمة”.
الخليج ذاته لا ينكر ذلك، وقد يركز على الاستثمار السياحي، خاصة بمناطق الساحل الشمالي وسواحل البحر الأحمر، ما يُعد فرصة واعدة كبيرة بالنسبة لأي مستثمر، لما تتمتع به هذه المناطق من مواقع حيوية مهمة جداً، وهذا يمكن أن يُدر أرباحاً كثيرة للمستثمرين الخليجيين.
لن تتأثر مصر استثماريًا بتغيرات المزج الخليجي الشعبي تجاه مصر بعد الحرب، لأنهم المستفيد الأول من الاستثمار، فالشركات المصرية مع ضعف العملةـ أصبحت رخيصة، علاوة على أن الكثير منهم يعتبر مصر البيت الثاني الذي يهرب إليه؛ بحثًا عن الأمن حال تعقد الأمور، بحسب الخبير الاقتصادي نادي عزام.
يضيف أن مصر شهدت تدفقات في رأس المال الخليجي بحثا عن الفرص المستقبلية في أشد الفترات الصعبة التي أعقبت ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، كما أن الخليج يرى في مصر سوقا ضخمة تضم 110 ملايين مواطن ونافذة على الأسواق الإفريقية.
لكن د. عمرو عدلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، يقول إن التأثير المباشر للحرب يتمثل في خروج الأموال الساخنة، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ عدد من الإجراءات، أبرزها رفع أسعار الطاقة المحلية؛ لتجنب توسيع عجز الموازنة.
أضاف عدلي أن “آثار الصراع قد تكون أعمق، خاصة فيما يتعلق بتحويلات العاملين المصريين في الخليج، لا سيما السعودية، والتي تُعد من أهم- إن لم تكن أهم- مصادر العملة الصعبة”.
وقد ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستوى قياسي، بلغ أربعة مليارات دولار في ديسمبر الماضي، ليصل إجماليها في 2025 إلى 41.5 مليار دولار، مقارنة بـ29.6 مليارا في 2024، وقد تتأثر إيرادات قناة السويس التي تعد مصدرا حيويا للعملة الصعبة، إذا امتد التوتر العسكري إلى مضيق باب المندب، كما حدث سابقًا.






