تبرز المقاربات الدولية إزاء السودان منذ بداية هذا العام متصفة بسمت عام قائم على تحرك سياسي عبر الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الإفريقي والإيجاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في محاولة لكسر الجمود الذي لازم الأزمة السودانية، كذلك تجسد هذا الاتجاه عبر مؤتمر برلين. وينهض هذا التحرك على معالجة جديدة تربط إنهاء الحرب بقيام حكومة مدنية، وليس فقط بوقف إطلاق النار أو التفاوض بين الأطراف العسكرية. وهو توجه يختلف عن المرات السابقة، التي ركزت على جمع طرفي الأزمة، الجيش السوداني والدعم السريع، عبر تيسير أجواء تسمح بعقد محادثات بين الطرفين، والضغط للوصول إلى هدنة إنسانية، إلا أن هذه المقاربات فشلت في جميع المحاولات، ما أدى إلى الانتقال نحو خيار الضغط السياسي المباشر كأولوية لحل الأزمة بدلاً من التوسط بين الأطراف المتحاربة.

وفي هذا السياق، انعقد مؤتمر برلين مؤخرا دون دعوة الحكومة السودانية أو قوات الدعم السريع، كما جرت مشاورات الآلية الخماسية في أديس أبابا بالتركيز على الأطراف المدنية، في محاولة لهندسة المشهد عبر خلق كتلة سياسية، يُفترض أن تُبنى عليها تسوية سياسية لاحقة، وفقاً لما هو معلن. وقد سبقت هذه المشاورات دعوة من رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، إلى أن تُعقد داخل السودان فقط، وهو ما يُفهم كرفض مسبق لأي مخرجات محتملة للمشاورات. ورغم هذا التحفظ، لم يصل الموقف إلى رفض الآلية ذاتها، وهو ما أبقى مساحة للتعامل معها بصورة غير مباشرة.

وقد انعكس ذلك في ديناميات المشاورات، التي أعادت تشكيل خريطة القوى السياسية، حيث برزت أربعة تكتلات رئيسية: الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، وتحالف تأسيس، وتحالف قوى الحراك الوطني، مع اختلافات جوهرية في المواقف والرؤى. فبينما يدفع تحالف صمود نحو عملية سياسية، تستثني الحركة الإسلامية، يرفض تحالف قوى الحراك الوطني إدماج تحالف تأسيس، باعتباره واجهة للدعم السريع. أما الكتلة الديمقراطية فقد شهدت انقساماً داخلياً بين مكونات ترفض تحالف تأسيس، وأخرى ترفض كلاً من تحالف تأسيس وتحالف صمود معاً، وأخرى تشترط أن تكون المشاورات داخل السودان حصراً، مقابل أطراف أبدت قبولاً بالمقترحات التي طرحتها الآلية الخماسية.

وبالتالي، جاءت المشاورات متشابكة ومعقدة، إلا أن ذلك أفرز تطورين أساسيين: الأول هو القبول الواسع بالآلية الخماسية وحضور مختلف الأطراف إلى أديس أبابا، سواء في اجتماعات جماعية أو لقاءات منفصلة مع الآلية، والثاني هو اكتشاف مساحات تقاطع محدودة بين بعض المكونات السياسية، ما أدى إلى تقارب بين فصائل من الكتلة الديمقراطية وتحالف صمود وأحزاب أخرى، وفقاً لبيان مشترك، وهو تطور يُعد نادراً في ظل طبيعة الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب.

كما كشفت المشاورات عن تباين عميق في القضايا الجوهرية، أبرزها مسألة العملية السياسية الشاملة غير الإقصائية، وهي مقاربة واجهت رفضاً من تحالف صمود وتحالف تأسيس وفصائل من الكتلة الديمقراطية. أما القضية الثانية، فتتمثل في مشاركة الدعم السريع أو واجهاته في أي عملية سياسية، وهو موقف توافقت حول رفضه الكتلة الديمقراطية بأغلب مكوناتها إلى جانب تحالف قوى الحراك الوطني. وتمثل هاتان القضيتان جوهر الخلاف بين المكونات السياسية، وهو خلاف ليس جديداً، إذ تكرر بصورة مشابهة حتى في إطار الآلية الرباعية الدولية “أمريكا ومصر والسعودية والإمارات”، كما يعكس تباينات موازية داخل القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف السوداني.

وفي سياق موازٍ، أشاد البيان الدولي المشترك بشأن السودان، والصادر يوم الاثنين عقب المشاورات، التي ضمت الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا واليونان وفرنسا وبلجيكا والنرويج والمملكة المتحدة، إلى جانب مكونات الآلية الخماسية، بمشاورات أديس أبابا، معتبراً أنها تمثل أساساً لاستمرار العملية السياسية خلال إطار زمني مدته ستة أشهر، بهدف الوصول إلى صياغة توافقية بين المكونات السياسية. ويُلاحظ في هذا السياق، أن غياب مصر والسعودية والإمارات عن هذا الإطار، بوصفهم جزءاً من الآلية الرباعية بشأن السودان، يثير تساؤلات يمكن قراءتها كتحفظ حذر على منهجية الآلية أو على مخرجاتها المحتملة.

ومن خلال قراءة مجمل التفاعلات، يمكن استخلاص وجهتي نظر متباينتين داخل المشهد السوداني والإقليمي. الأولى ترى في الجيش السوداني العمود الفقري للدولة، وتعتبر أن استبعاده أو تهميشه يمثل تهديداً لمؤسسات الدولة ومحاولة لتقويضها، خاصة في ظل تصاعد الدعوات لإعادة بناء المؤسسة العسكرية. أما الوجهة الثانية، فتتبنى مقاربة أكثر جذرية، تقوم على إعادة تأسيس الدولة من الصفر، بما في ذلك إعادة تشكيل الجيش، وهي رؤية تتقاطع جزئياً مع الواقع الميداني، الذي فرضه الدعم السريع، ومحاولاته ترسيخ سلطته في مناطق سيطرته.

وفي هذا الإطار، يبرز انخراط الدعم السريع في بناء هياكل حكم موازية في غرب السودان، عبر الإعلان عن مؤسسات تنفيذية بديلة، إلى جانب إجراءات اقتصادية، تشمل إصدار عملة وإقامة ترتيبات مالية موازية، بما في ذلك الحديث عن بنك مركزي بديل. ويُفهم من ذلك، أن المسار الحالي لا يعكس توجهاً نحو تسوية توافقية مع الحكومة السودانية، بل يعزز منطق الانقسام الإداري، ويدفع باتجاه سيناريوهات تفكك قد تصل إلى نماذج شبيهة بانفصال جنوب السودان عام 2011.

وبناءً على ذلك، يمكن قراءة تحركات الآلية الخماسية بوصفها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية عبر كسب الوقت، أو توسيع قاعدة التأييد لمسار سياسي جديد، في ظل تحفظات واضحة من الحكومة السودانية واشتراطاتها القائمة على رفض التفاوض مع كيانات موازية، والتشديد على أن تكون أي مشاورات داخل السودان حصراً وفي مناطق سيطرة الدولة.

ومن زاوية أخرى، يمكن ربط هذه التطورات بمشروع القانون، الذي أقرته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بأغلبية 44 صوتا مقابل صوتين، والذي تضمن إشارات غير ملزمة وغير حاسمة لإمكانية تصنيف الدعم السريع ضمن إطار المنظمات الإرهابية الأجنبية، في سياق مشابه لتصنيفات سابقة، طالت الحركة الإسلامية السودانية. ويأتي ذلك في ظل تصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة لوضع سياسة أكثر وضوحاً تجاه السودان، في وقت تتباين فيه المقاربات بشأن طبيعة التعامل مع الحكومة السودانية، والتي يُنظر إليها في بعض الخطابات كسلطة أمر واقع، وفقاً لتصريحات مسؤولين أمريكيين.

كما أن استضافة وسائل إعلام دولية لممثلين عن الدعم السريع بصفة تمثيلية للسودان، تعكس بدورها حالة من التباين والالتباس في تعريف الشرعية السياسية، ما يعزز الجدل داخل الدوائر السياسية الأمريكية حول ضرورة إعادة صياغة مقاربة أكثر اتساقاً تجاه الجيش السوداني والدعم السريع معاً.

وفي المحصلة، تكشف مجمل المشاورات والتفاعلات الدولية والإقليمية عن حالة من التشظي السياسي داخل المكونات السودانية، تعكس مستوى عالياً من الانقسام وفقدان القدرة على إنتاج موقف موحد تجاه الأزمة. كما تعكس في الوقت ذاته انعداما في الحساسية تجاه الكارثة الإنسانية والسياسية المستمرة، في ظل انشغال الأطراف بإعادة التموضع السياسي، ما يهدد بإطالة أمد الصراع، ويفتح على احتمالات متزايدة لانزلاق الدولة نحو مسارات تفكك أعمق في حال استمرار هذا الجمود.