أعاد انعقاد مؤتمر برلين حول السودان 2026 في الذكرى الثالثة للحرب الى الأذهان كيفية تفكير الفاعلين الغربيين في إدارة الأزمة السودانية، حيث يُعاد إنتاج المقاربة الإنسانية بوصفها الأداة الأكثر حضورًا والأعلى أولوية، رغم ما تحمله في داخلها من تناقضات. هذه المقاربة التي تبدو في ظاهرها استجابة أخلاقية عاجلة، تعاني في جوهرها من قصور، يجعلها عاجزة عن الوصول إلى غايات الاستقرار السياسي أو توحيد الفاعلين أو دفع مسار تسوية الصراع، إذ إنها تعيد تدوير نموذج تشكّل منذ لحظة ما بعد الثورة السودانية 2019، وما أعقبها من إسقاط نظام عمر البشير، حين برزت الانقسامات داخل القوى الثورية وفتحت المجال لصعود المكونات العسكرية التي ما لبثت أن دخلت في صراع انتهى إلى الحرب الحالية.

في هذا السياق، يعكس المؤتمر توافقًا غربيًا متزايدًا على الاستثمار في غرف الاستجابة الطارئة، باعتبارها حوامل مدنية جديدة- قديمة ذات كثافة شبابية، يُراد لها أن تشكل بديلًا مرنًا للنخب الحزبية التقليدية التي استهلكها الجمود والصراعات الداخلية. هذه الغرف ليست كيانًا منفصلًا عن السياق الثوري، بل هي امتداد عضوي لبنية لجان المقاومة السودانية التي لعبت دورًا محوريًا في إسقاط النظام السابق، ثم واصلت أدوارًا خدمية خلال فترة عبد الله حمدوك، مستفيدة من تنظيم أفقي مرن وقدرة عالية على الحشد الشعبي، وهي عناصر منحتها تفوقًا واضحًا على القوى السياسية التقليدية التي عجزت عن استيعاب الطاقات الشبابية، في مجتمع يغلب عليه الطابع الفتي. غير أن هذه القوة التنظيمية رغم زخمها، تظل مشروطة بقدرتها على التحول من أدوات تعبئة إلى مؤسسات قادرة على إنتاج الاستقرار، وهو تحول لم يكتمل حتى الآن.

هشاشة لا يمكن تجاهلها

التجربة في صورتها الراهنة، تكشف عن هشاشة داخلية لا يمكن تجاهلها، إذ إن هذه البنى الشبابية ظلت عرضة لاختراقات سياسية وأمنية متعددة، كما أنها لم تنجُ من الاستقطاب الحاد الذي ضرب المشهد السوداني برمته. فقد انقسمت هذه المجموعات نفسها، التي قادت الاحتجاجات ودعمت السلطة الانتقالية إلى تيارات متباينة، انحاز بعضها إلى قوات الدعم السريع، بينما اصطف آخر إلى جانب القوات المسلحة السودانية، ومالت مجموعات أخرى نحو التيار الإسلامي، في حين تموضع جزء مقدر منها داخل غرف الاستجابة الطارئة بوصفها تطورًا ديناميكيًا لهذه الشبكات، ما يعكس غياب إطار جامع قادر على ضبط هذه الطاقات وتوجيهها نحو مشروع وطني متماسك.

غير أن هذا التصور الغربي يتجاهل أبعادًا حاسمة، لا يمكن القفز فوقها، في مقدمتها البعد الإقليمي للصراع، إذ لا يمكن فهم ديناميكيات الحرب أو حتى مسارات الإغاثة دون إدخال أدوار فاعلة لدول الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، وهي أدوار لا تقتصر على التمويل أو الوساطة، بل تمتد إلى تشكيل موازين القوة على الأرض، ما يجعل أي مقاربة تتجاوزها طرحًا ناقصًا من الأساس. كما يغيب التعمق في الاقتصاد السياسي للحرب، حيث لم تعد المسألة مجرد صراع عسكري، بل شبكة مصالح معقدة، تتداخل فيها موارد الذهب وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، وتلعب فيها كيانات كقوات الدعم السريع دورًا محوريًا إلى جانب شبكات داخل القوات المسلحة السودانية، وهو ما يفسر فشل المقاربات الإنسانية في كسر ديناميكيات الصراع؛ لأنها تتعامل مع نتائجه لا مع مصادر تمويله واستدامته.

إلى جانب ذلك، فإن التحولات العميقة داخل المجتمع المحلي نفسه، تُقوّض أي تصور تبسيطي للحل، حيث لم تعد غرف الاستجابة الطارئة وامتدادات لجان المقاومة مجرد أدوات تعبئة أو ضحايا للاستقطاب، بل أصبحت جزءًا من واقع اجتماعي، يعاد تشكيله تحت ضغط الحرب، مع بروز سلطات محلية وأشكال حكم غير رسمية في مساحات واسعة، وهو واقع لا يمكن احتواؤه عبر أدوات إغاثة تقليدية أو عبر محاولة هندسة طبقة سياسية بديلة من الخارج. ويزداد هذا القصور وضوحًا مع التناقض داخل الموقف الغربي نفسه، حيث تدفع هذه الدول نحو المسار الإنساني، بينما تتردد في فرض ضغط حقيقي أو كلفة سياسية واقتصادية على الأطراف المسلحة، ما يجعل الإغاثة تبدو كخيار مريح لتجنب قرارات أكثر صرامة.

إشكالية حادة

إعلان المؤتمر عن التزامات مالية تقارب 1.7 مليار دولار، إلى جانب تعهدات إقليمية، يعزز من مركزية المسار الإنساني، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكالية حادة، تتعلق بغياب التنسيق مع القوى المسيطرة فعليًا على الأرض. استبعاد الحكومة السودانية، وكذلك قوات الدعم السريع من المشاركة، يعكس تصورًا غربيًا، يسعى إلى تجاوز الفاعلين العسكريين عبر تمكين قوى مدنية بديلة، إلا أن هذا التصور يصطدم بواقع معقد، لا يمكن فيه فصل العمل الإنساني عن معادلات السيطرة والنفوذ. فإدارة الإغاثة دون تنسيق مع المؤسسات القائمة أو دون ضغط لإجبارها على الانخراط في ترتيبات فعالة، يفتح الباب أمام سيناريوهات غير عملية، تتراوح بين إنشاء منظومات موازية خارج الدولة أو القبول بفراغ إداري، يعمّق الأزمة، بدلًا من معالجتها.

الأزمة الأعمق تتجلى في الفجوة الخطيرة بين الإغاثة وإعادة الإعمار، فالنموذج المطروح رغم ضرورته يظل محدود الأثر، إذا لم يرتبط بإعادة بناء البنية التحتية الحيوية. غرف الاستجابة الطارئة، على أهميتها، تظل محصورة في تقديم مساعدات مباشرة كالغذاء والعلاج الفردي، دون أن تمتلك القدرة على إعادة تأهيل قطاعات حاسمة كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم أو دعم الإنتاج الزراعي، وهي ركائز لا غنى عنها لأي استقرار مستدام. وفي المقابل، ورغم ما يحيط بأداء الدولة من إخفاقات ومخاوف تتعلق بتسييس المساعدات، فإنها تظل الفاعل الوحيد القادر نظريًا على إدارة هذا المستوى من التعافي، ما يجعل تجاوزها بالكامل خيارًا غير واقعي.

بهذا المعنى، تبدو المقاربة الغربية، وكأنها تعيد إنتاج حل جزئي لأزمة كلية، حيث يجري تضخيم المسار الإنساني على حساب المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل غياب رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب. النتيجة ليست فقط إطالة أمد الأزمة، بل تكريس بنية هشة للإغاثة، تتحول تدريجيًا إلى إدارة دائمة للأزمة بدل إنهائها. وبصياغة أكثر حدّة، فإن جوهر المأزق لا يكمن في نقص الأدوات، بل في غياب إرادة سياسية دولية وإقليمية قادرة على فرض مسار للحل، بينما تُستخدم الإغاثة في كثير من الأحيان كستار لإخفاء هذا العجز، بدل أن تكون مدخلًا حقيقيًا لتجاوزه.