بعد طول انتظار، كشفت الحكومة ملامح خطتها لتحسين الأجور في العام المالي الجديد 2026/ 2027، والتي تضمنت رفع الحد الأدنى بنسبة 14.2%، رغم ارتفاع سقف التوقعات قبل إقرارها والحديث عن زيادة لا تقل عن 28.5%.
أثارت الزيادة تساؤلات حول مدى اتساقها مع معدلات التضخم المستهدفة، خاصة مع تأكيد رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي، أنه إذا استمر ارتفاع أسعار النفط والغاز، ستضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية، وإعادة النظر في أسعار بعض السلع.
كما أثارت استغراب الكثير من المواطنين حول قدرة الألف جنيه على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة على المواطنين، في ظل تحرك أسعار العديد من السلع الأساسية لمستويات قياسية، خاصة بند الخضروات حتى بات طبق السلطة عبئًا على كثير من الأسر مع وصول الطماطم لمستوى 50 جنيهًا.
كيف نحكم على الراتب؟
يقول الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، إن الحد الأدنى ارتفع لـ8 آلاف جنيه، والمشكلة ليست في حجم الزيادة نفسها، ولكن في مستوى الأسعار الذي يتزايد ويتصاعد بشكل أسرع منها، فالتضخم في فبراير سجل 13.4%، ومن الممكن أن يزيد لشهر مارس، (البيانات الرسمية عن التضخم عن شهر مارس تصدر في 10 إبريل الحالي).
بالنسبة لقطاع عريض من الخبراء، فإن المعيار الأهم للحكم على الرواتب هو القيمة الشرائية لها، إذ يقول أبو الفتوح إن اللحوم والدواجن سجلت ارتفاعًا بنحو 9% خلال شهر واحد، فضلاً عن زيادة البنزين والسولار والغاز، ما يعني أن زيادة المرتب قابلها ارتفاع في المصاريف.
رفعت الحكومة مؤخرا أسعار تذاكر القطارات بنسبة تتراوح بين 12.5% و25% ومترو الأنفاق بنسبة 25%، وقبلها رفعت أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30%، وأخيرًا الكهرباء بالنسبة للشرائح التجارية والعدادات الكودية، ما ينذر بموجة من ارتفاع مستوى التضخم لشهر مارس 2026.
يوضح أبو الفتوح أن المبالغ المتبقية مع المواطن من الراتب لنهاية الشهر لا تكفي، فمصاريف الغذاء فقط تتراوح بين 4500 و5500 جنيه قبل حساب أي مصروفات أخرى، وبالتالي السؤال ليس ما حجم الراتب؟ ولكن ما تبقى منه؟ مشددًا على أن الحل ليس بالمرتب فقط، ولكن في إنتاج أكثر واعتماد أقل على الدولار، حتى يشعر المواطن بفارق في حياته اليومية.
على مدار 12 عامًا، ارتفع الحد الأدنى للأجور 10 مرات متتالية بنسبة 566.6% ليصعد من مستوى 1200 جنيه عام 2014 إلى 1400 جنيه في 2017 وإلى 2000 جنيه في 2019 و2400 جنيه في 2021 فـ2700 جنيه في 2022 و3000 جنيه في 2023 ثم 3500 جنيه خلال عام 2023 فـ4000 جنيه فـ6000 جنيه، و7000 جنيه حاليا، على أن يرتفع في أول يوليو المقبل لـ8 آلاف جنيه.
لا زيادة حال تقييم الراتب بالدولار
تعتمد مصر على معيار “إجمالي الأجر” وليس “صافي الدخل القابل للإنفاق” الذي يعتبر ضمانة حقيقية لحياة كريمة، فبند مثل المواصلات تضخم في ميزانية الأسر بصورة مفرطة منذ مارس الماضي، حتى أن المواطن الذي يعيش في المعادي، ويعمل في وسط القاهرة (13 كيلو فقط) يحتاج يوميًا للمواصلات حال استقل السرفيس 30 جنيهًا، ترتفع لـ40 جنيها حال استقل الميني باص بتكلفة تتراوح بين (900 و1200 جنيه شهريا).
الخبير الاقتصادي مصطفى عادل، يقول إن الحد الأدنى لم يرتفع حال تقييمه بالدولار، إذ سجل 7000 جنيه في موازنة 2025- 2026 تعادل 148 دولارًا، وفي موازنة 2026- 2027 يبلغ 8000 جنيه، ما يعادل 148 دولارًا أيضًا، ويتم التطبيق أول يوليو، وهو موعد الزيادة السنوية في الأساس.
أضاف أن الزيادة في الحد الأدنى 14.2% والزيادة في إجمالي بند الأجور في الموازنة 21%، وسبب الفرق بعض الزيادات لفئات استثنائية “القطاع الطبي والتعليم”، مضيفًا أن الحد الأقصى 35 ضعف الحد الأدنى، وبالتالي الزيادة تأتي بشكل أساسي في إجمالي الأقصى والأدنى.
بخلاف الحد الأدنى، قررت الحكومة صرف زيادة أخرى في رواتب العاملين بقطاعي التعليم والطب بتمويل من الموازنة العامة الجديدة، بدءاً من 1 يوليو 2026، حيث تقرر منح المعلمين زيادة استثنائية بقيمة 1100 جنيه شهرياً، والعاملين بالقطاع الطبي (أطباء وتمريض) 750 جنيهًا.
أكد عادل أن التضخم قبل الحرب على إيران، سجل 13.4%، وبلا أدنى شك أو حاجة لمختص سيتجاوز نسبة الزيادة، وبفارق كبير، مشددًا على أن زيادة الإنتاج وتحفيز التشغيل مخرج وحيد وأخير.
مخاوف من التضخم والقوى الشرائية
وكالة موديز، أكدت في تقرير حديث لها صادر يوم الجمعة الماضي، أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط، إلى جانب انخفاض قيمة الجنيه بنحو 10%، سبب زيادة ملحوظة في أسعار الوقود محلياً، ما قد يحد من وتيرة تراجع التضخم، ويؤخر أي تخفيف إضافي للسياسة النقدية.
عبد الجواد فايز، مسئول سابق باتحاد الصناعات المصرية، يؤكد على فكرة العلاقة بين الأجر والقيمة الشرائية، فيقول إن الحد الأدنى للأجور كان في 2014 حوالي 1200 جنيه أي ما يعادل حوالي 170 دولارًا، والحد الأدنى في يوليو 2026 يساوي 8000 جنيه، لكنه يعادل 160 دولارًا فقط، وبالتالي المواطن لم يشعر بأي تحسن رغم ارتفاع الأجر بالعملة المحلية، لأن أسعار السلع والخدمات ارتفعت بشكل جنوني.
يضيف أن الأسعار ارتفعت بين عامي 2014 و2026 من مستوى 70 جنيهًا إلى 450 جنيهًا لكيلو اللحمة، والدجاجة من 30 جنيهًا إلى 250 جنيهًا، وكرتونة البيض من 25 جنيهًا إلى 160 جنيهًا، وجرام الذهب من 300 جنيه إلى 7000 جنيه.
في عام 2014، كان بإمكان المواطن بالحد الأدنى للأجور شهريا، أن يحصل على 1333 لترًا من بنزين 92.. وعلى 150 أنبوبة بوتاجاز، أما في عام 2025 فبإمكان المواطن بالحد الأدنى للأجور الحصول على 405 لترات بنزين 92، وعلى 35 أنبوبة بوتاجاز فقط.
دون الكرامة
يؤكد فايز أن المشكلة ليست في الرقم المعلن، بل في القيمة الحقيقية للأجر أمام الأسعار، فالمواطن لا يعيش بالأرقام على الورق، بل بما يستطيع أن يشتريه في السوق، فالأجر ليس مجرد رقم يُعلن في الصحف، بل هو معيار لكرامة المواطن وقدرته على العيش، وعندها يصبح الحد الأدنى للأجور عاجزًا عن مواجهة أسعار السوق.






