أسعار الطاقة.. هل كلمة السر دوما في ارتفاع أسعار السلع والخدمات في مصر؟ فمن خلال القفزات المستمرة في أسعار النفط والغاز، تقفز أسعار السلع والخدمات في البلاد بشكل مضطرد ومتكرر، ومعها ترتفع معدلات التضخم. ومع تراكم السلع في الأسواق وضعف القدرة الشرائية، خاصة بالنسبة لمبيعات التجزئة وانخفاض معدلات التصنيع وتأثر الدخول سلبا؛ بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية، يحدث الركود أيضا.
الغاز ثم المازوت كانا دوما مشكلة المشاكل في مصر، خاصة مع التوسع في مد المنازل بالغاز لتشغيل الأفران وأجهزة الطهي المنزلية، وكذلك استخدامه مؤخرا كوقود للسيارات.
لكن الاستهلاك الأبرز للغاز والمازوت على أهمية كل ما سبق، لم يكن في ذلك، بل في إنتاج الكهرباء والتصنيع عبر تشغيل مصانع الأسمدة والحديد والصلب.
الغاز والمازوت وإنتاج الكهرباء
ولإنتاج الكهرباء في مصر قصة طويلة، لكونه قد ارتبط تقليديا بسلعتين مهمتين هما: الغاز ثم الغاز ثم الغاز ثم المازوت، وتستهلك مصر يوميا نحو 40 ألف ميجا وات من الكهرباء، لكن القدرة الاسمية على إنتاج الشبكة القومية للكهرباء تصل إلى نحو 60 ألف ميجا وات.
ما سبق يدل على أن المشكلة لم تكن في كم المنتج، لكونه يفيض عن الحاجة، بل أن المشكلة في نوع الوقود المستخدم للإنتاج.
في مصر يوجد تقريبا نحو 25 محطة توليد كهرباء، منها ما هو منتج من الطاقة المتجددة كالشمس، كما في حالة محطة بنبان بمركز دراو بأسوان (قدرة تتراوح ما بين 1465- 200 ميجا وات)، ومنها ما يتصل بالرياح، حيث توجد ثلاث مزارع ضخمة للرياح على خليج السويس، وذلك في الزعفرانة وغرب بكر وجبل الزيت، وتنتج إجمالا 1632 ميجا وات. كما توجد المحطات الكهرو مائية، وتنتج نحو 2831 ميجا وات، وتتواجد في السد العالي وخزان أسوان وقناطر إسنا ونجع حمادي، كما توجد المحطات الحرارية وتعمل بالمازوت، ومنها محطات شبرا الخيمة (900 ميجا وات) وشمال الجيزة (2250 ميجا وات) والتبين (700 ميجا وات) و6 أكتوبر 1519 ميجا وات.
لكن الأهم والأبرز من كل ما سبق هو المحطات التي تعمل بالغاز فقط، أو الدورة المركبة أي الغاز والبخار معا، أو الغاز مع وجود إمكانية التشغيل بالمازوت، فهذه المحطات ومنها محطات العاصمة الإدارية والبرلس والتبين، وتنتج إجمالا نحو 14400 ميجا وات، وكذلك محطات غرب أسيوط وأبو قير وبنها وغرب القاهرة والعين السخنة، وتعمل بالغاز وأيضا بالمازوت كمترافقين أو كبديل، وتنتج تلك المحطات 700 و930 و750 و1360 و1300 ميجا وات على الترتيب.
هكذا يتضح أن إنتاج الكهرباء من الغاز هو الأكبر، وعلى الرغم من أن هناك فائضا في الكهرباء كما ذكر آنفا، إلا أن المشكلة تبرز في مصدر الإنتاج، وهو الغاز ثم المازوت.
إسرائيل أكبر مورد للغاز
عام 2025، أعلنت مصر وإسرائيل عن صفقة غاز بقيمة 35 مليار دولار، تستورد مصر من خلالها ما مقداره 1 مليار قدم مكعب من الغاز يوميا تقريبا، زادت تلك الكمية بقيمة 12% في أكتوبر 2025، ثم بمعدل 15% في يناير 2026. ويتم كل ذلك عبر خط أنابيب عسقلان- العريش بموجب الاتفاق مع شركة إنيرجي التي تدير حقل كاريش، وشركة شيفرون التي تدير حقلي ليفياثان وتامار، وبعض تلك الحقول واقعة في فلسطين المحتلة، أي أنها خارج نطاق قرار التقسيم الأممي لنشأة الكيان الصهيوني عام 1947.
الكمية المستوردة من الغاز من إسرائيل تغطي الجزء الأكبر من الفجوة بين الاستهلاك اليومي لمصر المقدر بـ 6,4 مليارات قدم مكعب يوميا، والمنتج محليا المقدر بـ 4,3 مليارات قدم مكعب يوميا. أما الجزء الأقل لتغطية تلك الفجوة، فيأتي عبر الخط العربي للغاز القادم من الأردن، ويتم تغويز جزء معتبر من الغاز المستورد عبر محطتي التغويز في دمياط وإدكو.
لا شك أن الفجوة التي أدت لحاجة مصر للاستيراد، نبعت من العطب الذي أصاب حقل ظهر في البحر المتوسط، والتي سبق للحكومة المصرية، أن رفعت سقف التوقعات به، لحد أنه يكفي عدة سنوات قادمة. عندئذ كانت مصر تصدر الغاز إلى أوروبا، وتربح من عملية تصدير الفائض منه، ومن الغاز المسال المستورد بعد تغويزه من المحطتين المذكورتين، وهو ما أسفر عن دخل كبير للبلاد إبان الأشهر الأولى من الحرب الروسية- الأوكرانية.
ولأن الرياح تأتي عادة بما لا تشتهي السفن، وقع ما وقع لحقل ظهر، فانخفض الإنتاج، وبدلا من أن تبحث مصر عن مورد طبيعي، احتاجت لعدوها التقليدي، بسبب فروق الأسعار لصالحها، هذا الأمر دون شك يمس بالأمن القومي؛ لأن عدو مصر التقليدي يشغُف بالإمساك بأي ورقة، تُخضع القرار المصري له، ناهيك عن أن الطرف المُصدر أي المورد- لو حسنت نواياه- يخوض حروبا متتالية، تجعل منه مصدر غير آمن لاستمرار سريان وتدفق الغاز دون أية عقبات.
حلول على المدى القريب
لا شك أن هناك عديد الإجراءات التي يمكن أن تتخذها مصر على المديين القريب والمتوسط؛ للخلاص من مشكلة استيراد الغاز والمازوت المكلفين، واللذين تحتاجهما مصر بغرض توليد الكهرباء ولصناعة الأسمدة والحديد والصلب.
واحد من الحلول المهمة على المدى القريب، هو استيراد الغاز وربما المازوت من الجزائر. فالجزائر بلد عربي، وهي رسميا في حالة حرب مع إسرائيل، ومن ثم، فإن من مصلحتها أن تمد مصر بالغاز، بدلا من إسرائيل. وتمد الجزائر اليوم كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا وكرواتيا وإنجلترا بكميات كبيرة من الغاز المسال، ولها في ذلك خطان أحداهما “ترانسماد” لمد الغاز لإسبانيا و”مد غاز” لمده لإيطاليا عبر تونس. هناك أيضا ليبيا، ولديها فائض من الغاز، تمد به إيطاليا عبر خط أنابيب “جرين ستريم”، وبذلك يكون هناك مصدران مهمان لمصر أحداهما قريب والآخر بعيد نسبيا.
حلول على المدى المتوسط
على المدى المتوسط هناك بالتأكيد إمكانية في الاستغناء عن الغاز والمازوت تدريجيا، وهناك مخطط بالفعل، يستهدف في هذا الصدد أن يكون إنتاج 42% من الكهرباء بمصر من غير الغاز والمازوت بحلول عام 2035، وهو بالتأكيد موعد بعيد من المهم العمل على اختصار وقته، من خلال إبدال بعض المشروعات غير العاجلة كتلك التي ترتبط بالطرق والمواصلات التي أنفقنا عليها مليارات الدولارات، بتلك المشروعات العاجلة وعظيمة العائد، والموفرة للعملات الأجنبية المستخدمة بغرض الاستيراد، هنا يشار إلى الخيارات الثلاثة التالية: –
– إحلال محطات إنتاج الكهرباء من الطاقة الكهرو مائية محل الإنتاج عبر الغاز والمازوت. صحيح أن بمصر بضعة محطات لتوليد الكهرباء عبر تربينات، تدار بالمياة المندفعة، لكن من الممكن أن تزيد مصر من عدد تلك المحطات.
– يوجد بمصر مزارع شمسية ورياح تعد من أكبر المزارع في العالم، ومن الممكن لها أن تقوم بالمزيد عبر إنشاء تلك المزارع؛ بغية إنتاج كهرباء غير المكلفة والنظيفة.
– إنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية. وهذا الأمر تسير مصر في اتجاهه منذ عدة سنوات، وهي اليوم على أعتاب إنتاج الكهرباء من مفاعل الضبعة، وهو عبارة عن أربعة مفاعلات فرعية، سينتج كل منها 1200 ميجا وات، وسيبدأ الإنتاج في 2028، وينتهي العمل كلية من المفاعل عام 2031.






