غزة: من “الذمة الفردية” إلى “الاشتباك الجماعي”
يقف التحليل السوسيولوجي لجيل زد المصري أمام معضلة ظاهرة: كيف يتحول هذا الجيل، الذي رصدنا ميله الإحصائي نحو “الفردية الجبرية” وانكفائه على “ذمة الفرد” لتحقيق التكيف مع الزمن النيو ليبرالي، واللا يقين المعرفي والجيو سياسي، إلى فاعل صلب ومبادر في قضايا تتجاوز حدوده الذاتية؟
الإجابة تكمن في جوهر “التدين الخوارزمي“- كما شرحناه في هذه السلسلة- الذي لا يمثل انسحاباً من الشأن العام، بل يمثل “إعادة تموضع” أخلاقي/ قيمي ينتظر لحظة فارقة له ليفصح عن فاعليته.
لقد جاءت أحداث غزة 2023 (طوفان الأقصى وما تبعها) لتمثل “الصدمة الأخلاقية” التي أخرجت التدين الخوارزمي من حيز “الكمون الاستراتيجي” إلى ساحة “الاشتباك الميداني”.
إن البيانات التي حللناها حول “الانكشاف المؤسسي” تجد تفسيرها العملي الصارخ في هذا الاختبار؛ فعندما سقطت “الضمانات الأخلاقية” للنظام الدولي، وتآكلت مصداقية المؤسسات الحقوقية والأممية، وعجزت الحكومات والتنظيمات العربية عن وقف الإبادة.. لم يصب جيل زد بالذهول، لأنه تدرب سلفاً على “اليُتم المؤسسي”، الشاب المصري الذي فقد الثقة في “السيستم” المحلي والدولي، وجد في غزة تأكيداً على صحة خياره بالاعتماد على “ذمة الفرد”، هنا تحول التدين من “تقنية نجاة” في سوق العمل إلى “درع سيادي”، يواجه به قبح النفاق المتفشي، هذا التحول لم ينطلق من “أوامر تنظيمية” أو “توجيهات حركية” (وهي الكيانات التي أثبتت البيانات تآكلها في وعيه)، بل انبعث من “بوصلة قيمية” صلبة جوهرها مفهوم العدالة التي تستوطن ذمته المستقلة وتحركه بقوة دفع ذاتية.
الخوارزمية كسلاح
تجلت “الفاعلية المؤمنة” للفئة الوسطي العليا من جيل زد في معركة غزة، عبر ما أسميناه “تسييس الكفاءة”، فالشاب الذي طور مهاراته التقنية في البرمجة، وصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، واختراق الخوارزميات، تحت ضغط “الجبرية الفردية” والنجاة في السوق، لم يتردد في تحويل هذه “الأدوات النيو ليبرالية” إلى “أسلحة اشتباك قيمي”. إننا أمام ظاهرة سوسيولوجية فريدة؛ حيث تتحول “المهارة الفردية” إلى “فعل مقاومة” عابر للحدود. الشاب المؤمن بخوارزميته الخاصة لم يعد ينتظر “بيان الجماعة” أو “تظاهرة الحزب”، بل قام بـتوظيف مهاراته لصالح القضية. أما الطبقات الوسطى فلاذت بالمقاطعة، باعتبارها أحد أشكال الاحتجاج الذي تملكه وتستطيعه.
هذا النمط من الاشتباك الرقمي والمعرفي هو “تدين ميداني” بامتياز، يستمد مشروعيته من “عدالة المظلومية”، ومن “صفاء المرجعية” التي استردها من المؤسسات. إن استخدام جيل زد لتقنيات “العصيان الرقمي” ومواجهة خوارزميات المنصات العالمية المنحازة، والمقاطعة، هو تطبيق عملي لـ “التدين الخوارزمي”؛ حيث يتم استخدام “كود المصدر” الأخلاقي لكسر “الأكواد البرمجية” التي تحاول تغييب العدالة. هنا، لا يصبح التدين فعلاً “جوانياً” فحسب، بل يصبح “فاعلية مستقلة” قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي، وفي أرباح الشركات بالمقاطعة، ومتجاوزة عجز الدولة وتآكل التنظيمات وضعف المؤسسات. إن الكفاءة المهنية هنا هي “الذخيرة” التي تمتلئ بها “ذمة الفرد” لتثبت حضورها، في عالم لا يحترم إلا الفاعلين.
غير أن هذه الصورة- الشاب الذي يحوّل كفاءته التقنية إلى سلاح اشتباك- تحتاج إلى تحديد طبقي دقيق، قبل أن تُقبَل كوصف لجيل بأكمله. “تسييس الكفاءة” بوصفه فعلاً رقمياً مرئياً وعالمياً، هو في جوهره امتياز طبقي: يفترض إتقاناً تقنياً وجودة اتصال رقمي ولغة قادرة على مخاطبة الفضاء العالمي- وهي شروط تتحقق أساساً في الطبقة الوسطى العليا والعليا. أما الأغلبية الفعلية من جيل زد- في الأحياء الشعبية والأقاليم- فقد اشتبكت حول غزة أيضاً، لكن بأدوات مختلفة: وجدانياً وعاطفياً ومادياً أحياناً، في فضاء محلي، لا يصل إلى الرأي العام العالمي. كلاهما اشتباك، لكنهما ليسا متكافئين في الأثر ولا في الظهور في البيانات.
شروط تحوّل “الذمة الفردية” إلى فعل جماعي
لنتقدم خطوة بالتحليل ونتساءل عن الشروط التي تجعل هذا الانتقال ممكناً في لحظات بعينها دون غيرها؟
السؤال ليس بلاغياً؛ فالبيانات المتاحة تُظهر أن جيل زد المصري يتسم بأدنى معدلات المشاركة في التنظيمات الجماعية التقليدية (أحزاب، نقابات، جماعات دينية)، وفي الوقت ذاته يُبدي قدرة مذهلة على التحشد الشبكي السريع في لحظات الاستفزاز القيمي الحاد. هذا التناقض الظاهر هو في الحقيقة مفتاح فهم البنية العميقة للتدين الخوارزمي.
الإجابة تكمن في فهم الشروط البنيوية التي تجعل الانتقال من الكمون إلى الاشتباك ممكناً، والشروط التي تجعله مستحيلاً أو مشوهاً.
الذمة الفردية في التدين الخوارزمي ليست معزولة، بل هي “ذمة مشبّكة”؛ آلاف الأفراد يحملون “كوداً قيميا” مشتركاً إلى حد كبير، وإن تفاوتوا في تحديد وبيان دلالاته، لكنهم يشغّلونه عبر خوارزميات شخصية متباينة، في الأوقات العادية، تعمل هذه الخوارزميات بشكل متوازٍ ومتفرق، ومن هنا تبدو الفردية سمةً غالبة، لكن حين يُقدَّم للمنصات الرقمية حدث يمس “الكود المرجعي” المشترك بشكل مباشر وحاد، تحدث ظاهرة يمكن تسميتها “التطابق الخوارزمي”: تتوحد الذمم الفردية المتشعبة حول نقطة قيمية/أخلاقية واحدة، فيصدر الفعل الجماعي دون قيادة مركزية أو توجيه تنظيمي.
هذا النمط يختلف جوهرياً عن “التعبئة الجماعية” التي عرفتها الحركات الاجتماعية التقليدية، فالأخيرة تحتاج إلى بنية هرمية (قيادة، خطاب، تعبئة)، بينما “التطابق الخوارزمي” هو بنية أفقية، تنشأ وتنتهي بحسب حدة الاستفزاز القيمي في الحدث.
وهذا يفسر سمة أو مفارقة جوهرية في الوقت ذاته: أن هذا الجيل قادر على تحشد هائل، لا يتحول إلى فعل منظم ومستدام، لأن “الفردية الجبرية” تعود لتفرض منطقها بمجرد انحسار الاستفزاز المباشر.
توطين الأخلاق المرجعية
أحدثت غزة زلزالاً في “المنظومة القيمية الغربية” التي كان يتم تسويقها لجيل زد عبر العولمة. البيانات الإحصائية في مصر تشير إلى تصاعد حاد في “انعدام الثقة في الغرب” كمرجعية أخلاقية، وفي المقابل، نجد تمسكاً “فائضاً” بالمرجعية الدينية الذاتية. هذا “الخراب المعرفي” في إدراك قطاع من هذا الجيل للنموذج الغربي، عزز من “شرعية الاسترداد” التي مارسها الشاب المصري لمرجعيته الدينية. لقد رأى جيل زد كيف تهاوت “أصنام” حقوق الإنسان والشرعية الدولية أمام دماء غزة، ما جعله يعيد “توطين” مفهوم العدالة والكرامة داخل “ذمته الفردية” بعيداً عن التعريفات المعلبة.
إن التدين الخوارزمي سمح لهذا الجيل بتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي العقيم (إسلامي/ علماني)؛ فالقضية في نظره ليست “صراعاً فكريا”، بل هي “صراع سيادي” بين حق الوجود وبين الإبادة. هذا النمط من “التدين التقاطعي” (Intersectionality) يربط بين إسلامه كمرجعية وبين كافة قضايا العدالة العالمية، وهو ما يفسر التناغم المذهل بين جيل زد في مصر وبين حركات الاحتجاج في الجامعات الغربية. كلاهما ينطلق من “سقوط اليقين” في المؤسسات الحاكمة، لكن الشاب المصري يسعى لامتلاك “مرساة صلبة” من مرجعيته التي لم تتلوث بالتحريفات المؤسسية. “ذمة الفرد” هنا هي التي تجري عملية “الفلترة” الأخلاقية، لتستخلص من الوحي قيماً إنسانية، تخاطب المشترك الإنساني في لحظة انكشافه الكامل.
“ذمة الفرد” في مواجهة “الإبادة الجماعية”
لا ينفصل الموقف من غزة عن الموقف من قضايا عادلة على المستوى المحلي. إن جيل زد يربط بوعي حاد بين “الإبادة” في غزة وبين العدالة البيئية والجندرية والتحرش وانتهاك حقوق الناس. التدين هنا يصبح “فعل شهادة”؛ فـ”ذمة الفرد” لا تقبل بالتجزئة الأخلاقية. الشاب الذي يسترد دينه من المؤسسات، يسترد معه حقه في “إدانة الظلم” أينما كان. إننا أمام “عقد أخلاقي جديد” لا يقوم على الامتثال للسلطة أو الجماعة، بل على الالتزام بالمرجعية.
إن صمود قيم مثل “الأمانة” و”جبر الخواطر” و”نصرة المظلوم” والتكافل في الأحياء الشعبية في مسوح القيم، رغم كل الضغوط المادية، هو دليل على أن التدين الخوارزمي قد نجح في خلق “خندق أخلاقي” داخل النفس المصرية، وفي لحظة غزة، تحولت هذه “الخنادق الفردية” إلى “جبهة أخلاقية” عريضة، غزة لم تغير جيل زد، بل هي “كشفت” عن عمق التحول الذي كان يطبخ على نار هادئة؛ حيث الروح لا تموت بالانسداد السياسي، بل تعيد صياغة انبعاثها عبر “ذمم مستقلة”، ترى في نصرة غزة نصرة لذاتها المنكشفة.
التدين هنا هو الذي يمنح الفرد “اليقين” في زمن “اللا يقين“؛ فبينما تنهار الدول وتسقط المؤسسات، تظل “المرجعية” و”الذمة” هما الصخرة التي يتحطم عليها الخراب المعرفي.
ما بعد الاختبار
رسّخ اختبار غزة استنتاجاً، يمكن الدفاع عنه بثقة: أن التدين الخوارزمي يمتلك قدرة حقيقية على إنتاج “فاعلية دفاعية” من تحشد سريع، واشتباك قيمي، وتضامن شبكي، دون حاجة إلى وساطة تنظيمية. لكنه لم يُثبت حتى الآن قدرته على إنتاج “فاعلية تأسيسية”: بناء مؤسسات بديلة، أو إنتاج قيادات، أو تحويل التحشد اللحظي إلى تنظيم مستدام. الذمم الفردية تعود إلى مساراتها المتوازية بمجرد انحسار الحدث الفارق أو الملهم، وهذه ليست نقيصة، بل حدا هيكليا في نمط تدين نشأ أصلاً كاستجابة للبقاء لا كمشروع للبناء.
السؤال المفتوح- الذي تتركه غزة دون إجابة- هو: هل يمكن لتراكم لحظات الاشتباك، أن يُنتج شيئاً مختلفاً نوعياً؟ أم أن “الفاعلية الدفاعية” هي السقف الهيكلي لتدين نشأ تحت ضغط الاضطرار؟






