أطلقت الصين طريق شحن بحري جديد من ميناء تشينجداو، إلى مصر وليبيا، في خطوة تستهدف تعزيز مرونة تجارتها مع العالم الخارجي، بعيدًا عن الطرق التي تعتمد على مضيق هرمز الذي يشهد توترات أمنية بين إيران وأمريكا.

الطريق الجديد، الذي يحمل اسم خط إفريقيا الجديد، يربط مدن صينية معروفة بنشاطها التجاري والتصنيعي مثل تشينغداو وشنغهاي ونينغبو ونانشا مباشرةً بشمال إفريقيا، ما يقلل مدة العبور بنحو عشرة أيام، مقارنةً بالطرق التقليدية، ويخفض التكاليف اللوجستية الإجمالية للمُصدرين.

ورست أول سفينة تابعة لشركة OSCO hipping على الخط الجديد بمحطة تشيانوان المتحدة للحاويات في ميناء تشينغداو حاملةً آلات بناء صينية الصنع، وقطع غيار سيارات، وإلكترونيات، وبضائع أخرى متجهةً إلى بورسعيد بمصر، وبنغازي ومصراتة بليبيا.

وأطلق ميناء تشينغداو خدمات مخصصة لهذا الخط، تشمل نظام متابعة فردي، و17 إجراءً للدعم موزعة على أربعة فرق، وخطط تحميل مُسبقة التخطيط، وتخزينًا مُحسّنًا، وعمليات رسو وتخليص جمركي مُنسقة، لضمان سلاسة وكفاءة عالية بجميع مراحل المناولة.

في الربع الأول من العام الحالي، افتتح ميناء تشينغداو سبعة خطوط شحن حاويات جديدة، تغطي جنوب شرق آسيا، وأستراليا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ويُشغّل الميناء حاليًا 11 خطًا بحريًا إفريقيًا، ونحو 240 خطًا تجاريًا خارجيًا، لربطه بأكثر من 700 ميناء في أكثر من 180 دولة، مما يُرسّخ مكانته كميناء رائد بشمال الصين.

طريق بديلة لدعم مبادرة الحزام والحرير

يعزز الخط الجديد ربط مبادرة الحزام والطريق والأسواق الناشئة، فالصين تريد أن تصبح مصر وليبيا بوابتها الأولى لإفريقيا، خاصة أن القاهرة لديها طريق تجاري، سيربطها بدول القارة (القاهرةـ كيب تاون) الذي تم الانتهاء من 80% من أعماله.

يربط (القاهرةـ كيب تاون) 9 دول إفريقية تشمل: مصر، السودان، إثيوبيا، كينيا، تنزانيا، زامبيا، زيمبابوي، بوتسوانا، وجنوب إفريقيا، ويعتبر أطول محور بري في إفريقيا بطول 10229 كم، بهدف دعم حركة التبادل التجاري الإقليمي ودعم الاستثمار وتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية الواقعة على امتداد مساره.

ليبيا أيضًا تُطور ممر التجارة العابر الذي يربط أجدابيا والكفرة بسرت وتشاد، ومن المتوقع، أن يمتد ليربطها بعمقها الإفريقي وتحويلها إلى بوابة تجارية رئيسية للقارة نحو أوروبا بحلول 2030، ويخدم ذلك الخط الدول الحبيسة التي ليس ها مواني أو منافذ بحرية.

تُشكّل هذه المبادرة جزءاً من استراتيجية الصين الأوسع نطاقاً؛ لتعزيز الممرات التجارية بين آسيا والبحر الأبيض المتوسط، مع التركيز على مواني شمال إفريقيا كبوابات للأسواق الأوروبية والإفريقية.

سعي الصين لتضمين ليبيا بالخط الجديد رغم وجود مواني مصرية، يمكنها القيام بذات الدور، هدفه قطع الطريق على القوى العالمية التي تلعب على نقاط ضعفها الداخلية، فالبلاد لا تزال تعاني انقسامًا سياسيًا، مع وجود سلطات متنافسة وسيطرة مركزية محدودة.

على سبيل المثال، كثّفت الولايات المتحدة وجودها في ليبيا، خاصة في القطاعين المالي والطاقة، وتركز واشنطن على آليات الإنفاق العام وإدارة الموارد كأدوات رئيسية للتأثير، وفي الوقت نفسه، توسّع روسيا وجودها، معززةً دورها في المشهد الجيو سياسي الليبي المتغير.

من بين الدول التي تزداد التزامًا بالحفاظ على وجود قوي بليبيا، إيطاليا، القوة الاستعمارية السابقة، التي عززت وجودها وقدرتها على استغلال موارد ليبيا الهائلة من خلال سلسلة من الاتفاقيات في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم، وكذلك الطاقة.

لذا، فإن المسار الصيني الجديد ليس تطورًا معزولًا، بل هو جزء من نمط أوسع، إذ تتحول ليبيا بشكل متزايد إلى ساحة تتنافس فيها القوى العالمية على النفوذ في المجالات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

صراع على خطوط النقل في المنطقة

جاء الخط الجديد في ظل الحرب على إيران، حيث تمثل هذه الدولة محورًا في مبادرة الحزام والطريق، وهي الممر التجاري المركزي للصين، الذي يمر، من بين طرق أخرى عبر إيران.

تعتمد الصين على تنويع طرق التجارة، قبل أن تُلحق الضربات الأمريكية المُعمقة على البنية التحتية الإيرانية ضررًا طويل الأمد بمبادرة الحزام والطريق وشبكة التجارة العالمية الصينية.

وردت الصين بتوقيع اتفاقيات مع كينيا وتنزانيا لتطوير بحيرة فيكتوريا وتحديثها كجزء من توسيع طرقها التجارية في إفريقيا، هذه الخطوة مُوجهة أيضًا نحو الغرب، ما يُشير إلى تسارع التواجد الصيني في شرق إفريقيا.

ممرات لقطع الطرق على المنافسين

تسعى الصين لقطع الطريق أمام ممرات لمشروعات أخرى، لا تُرحب بها بكين وشركاؤها مثل مشروع “فيكميد” الذي يربط بحيرة فيكتوريا بالبحر الأبيض المتوسط، عبر أرض الصومال وإثيوبيا وميناء بربرة، بدعم من الهند وإسرائيل والإمارات، مع إمكانية التوسع إلى بنغازي بليبيا، إذا رفضت مصر التعاون عبر الإسكندرية.

وقد أعادت أزمة هرمز إلى مركز النقاش فكرة قديمة في إسرائيل بالتحول لجسر بري للنفط بين الخليج وأوروبا، بالاعتماد على خط الشرق والغرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث تملك دولة الاحتلال الإسرائيلي خط إيلات عسقلان التابع لشركة كساتس الذي يربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، إذ تعتمد الفكرة على هذا الربط.

لكن يحتاج المشروع لموافقة الأردن، فالممر الطبيعي الوحيد تقريبا بين شمال غرب السعودية وإيلات يمر عبر جنوب الأردن، في منطقة العقبة، أي أن مثل هذا المشروع إذا نضج يوما، فلن يكون إسرائيليا سعوديا فقط، بل في الواقع سعوديا أردنيا إسرائيليا.

كما تطرح تل أبيب أيضًا مشروع ممر طاقة بري عبر خط أنابيب غاز، يمتد من قطر إلى البحر المتوسط مرورًا بالسعودية والأردن وإسرائيل، بوصفه نموذجًا لتقاطع المصالح، ما يوفر مسارًا لحماية صادرات الخليج، ويمنح إسرائيل موقعًا محوريًا، ويعزز استقرار دول العبور.

ما العائد الاقتصادي لمصر؟

من شأن تشغيل الطريق التجاري البحري بين الصين من جهة ومصر وليبيا من جهة أخرى، أن يحقق منافع اقتصادية لهما، ويوفر فرصًا واسعة لعمالة الشباب، وللشركات الناشئة لإجراء معاملاتها باليوان الصيني، بدلًا من الدولار الأمريكي، مما يُخفف الضغط على أسعار الصرف.

كما أن توسع التجارة سيخلق طلبًا متزايدًا على المستودعات والشاحنات والخدمات اللوجستية، سيساهم في توفير آلاف فرص العمل للشباب في مجالات النقل والصيانة وقطع الغيار.

وتعتبر مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين قبل 70 عاما، لكن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين ازدهرت منذ عام ٢٠١٤، مع تقديم بكين دعمًا فنيًا وماليًا حاسمًا في بناء المشاريع القومية المصرية الكبرى.

استثمرت الصين مليارات الدولارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وفي المناطق الصناعية الحرة مثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري، التي ترتبط بمبادرة الحزام والطريق، التي تتعاون فيها الصين مع 150 دولة حول العالم، في مقدمتها مصر.

لمصر عشرات الاتفاقيات الخاصة بتسهيل التجارة مع إفريقيا أهمها، اتفاقية الكوميسا التي تضم 21 دولة عضواً من شرق وجنوب إفريقيا، تنص على إقامة منطقة تجارة حرة بين الدول الأعضاء لتتطور؛ لتصبح اتحادًا جمركيًا ثم سوقًا مشتركة.

مع أوروبا، وقعت مصر اتفاقية مع  الدول الأعضاء في رابطة التجارة الحرة الأوروبية (إفتا) على اتفاقية تجارة حرة، دخلت حيز التنفيذ عام 2007، وتتضمن تحرير التجارة في المنتجات الصناعية والزراعية المصنعة، بجانب اتفاقية أغادير مع المغرب وتونس والأردن؛ بهدف إقامة منطقة التبادل التجاري الحر بين الدول العربية المتوسطية الأربع.

يتيح موقع مصر الاستراتيجي للشركات الصينية النفاذ إلى أكثر من 1.5 مليار مستهلك بإفريقيا والمنطقة العربية والاتحاد الأوروبي ذاته، بفضل شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة، والموقع المتميز على الممرات المائية والبرية التجارية، والبنية الأساسية المتطورة، وجعلت تلك المزايا مصر رأس الحربة في مبادرة “الحزام والحرير”.

مع تعرّض مصالح القوى العظمى للخطر، ترى الصين أن الحرب في إيران ليست مجرد صراع إقليمي، بل هي صراع على السيطرة على طرق التجارة في العصر العالمي.