لم تغير الحرب نماذج الأمن في دول الخليج، بل نزعت الغطاء عنها، وأظهرت أيضا خلافات، خرجت للعلن، ما بدا سابقا خلافًا صامتًا بين الرياض وأبوظبي، وعبر عن صدام في تعريف الأمن والمصالح.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ممكنًا الحديث عن موقف خليجي موحّد، بل عن مسارين متوازيين، يتحركان تحت سقف واحد: يتقاطعان عند الضرورة، ويفترقان عند اتخاذ القرار.

في الحرب على إيران، رغم وجود تهديد خارجي مشترك، لم يدفع نحو توحيد الحسابات، بل عمّقت التباينات، وكشفت أن لكل دولة مقاربتها الخاصة في تعريف الخطر وإدارة الأمن.

ومن هنا، يبرز السؤال: إذا كانت الحرب لم توحّد رؤية الخليج للأمن، بل كشفت حدودها، فكيف يتشكل العقل الأمني الخليجي اليوم؟ ومن يملك حق تعريف التهديد وقيادة التعامل معه؟

لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى الخلفية التي تشكّل منها النموذج الأمني الخليجي، وتأثيرات الحرب على هذا النموذج.

كيف تشكّل نموذج التحوط الأمني؟

لم ينشأ نموذج الأمن الحالي؛ نتيجة الحرب الحالية، فهو حصيلة مسار تراكمي، بدأ منذ حرب الخليج، حين ترسّخت القناعة لدى دول الخليج، بأن المظلة الأمريكية تمثل الضامن الرئيسي للأمن.

لكن هذه القناعة تطورت مع الوقت إلى علاقة مركبة: استمرار في الاعتماد، مقابل سعي متزايد لبناء أدوات موازية، أي لم تنسحب دول الخليج من هذه المظلة، لكنها لم تعد تكتفي بها.

هنا أعيد تعريف العلاقة مع واشنطن بوصفها اعتمادًا لا يحقق الأمن الكامل، بل يوفر أساسًا يمكن البناء عليه. وهنا برز التحوّط كخيار استراتيجي، وآلية لتوسيع هامش الحركة وتقليل المخاطر، غير أن الأزمة الأعمق لم تكن في الأدوات، بل في تعريف الخطر.

مقاربتان في مواجهة إيران

لم يعد الخليج يتحدث بصوت واحد تجاه إيران: فهناك مقاربة ترى الردع الصارم ضرورة، وأخرى ترى أن خفض التوتر وفتح القنوات هو السبيل؛ لتجنب الانفجار والحد من الخسائر.

هذا التباين لم يبقَ نظريًا، بل انعكس في سياسات متباعدة، حيث تعاملت كل دولة وفق حساباتها الخاصة، لا ضمن تصور جماعي، وهنا لم يعد الخلاف حول كيفية التعامل مع التهديد فقط، بل حول من يملك حق تعريف الخطر وقيادة مواجهته وبأي طرق.

وحتى قبل الحرب، كان الخليج قد دخل بالفعل مرحلة جديدة: لا مظلة واحدة كافية، ولا تعريف موحد ممكن، والتنافس على القيادة أصبح جزءًا بنيويًا من المعادلة، هكذا يشير تحليل نشره معهد تشاتام هاوس  chathamhouse، والذي أشار إلى أن فصلا جديد للحكم في الخليج قد بدأ، إذ تسعى كل دولة إلى ترسيخ مكانتها، وستجد هذه الدول صعوبة أكبر في الحفاظ على خططها للتحول الوطني أو تولي دور قيادي إقليمي دون تسوية خلافاتها الداخلية أولاً.

ويضيف التقرير أن مواجهة دول الخليج تحديات أمنية أكثر إلحاحاً، تستدعي تركيز جهودهم، مثل إدارة أمنهم الخارجي، بما في ذلك التهديدات المحتملة من إسرائيل وإيران والأزمة المستمرة في اليمن، وما فيها من أوجه خلاف وتنافس.

وقد جاءت الحرب على إيران؛ لتكشف واقعا أكثر تعقيدا، فيما يخص البنية الأمنية القائمة كشبكة متعددة الطبقات، واختبار هذه البنية.

الحرب على إيران نماذج الأمن والتنافس

كشفت الحرب على إيران، والضربات التي تلقتها دول الخليج، حقيقة أنه لا يوجد نموذج أمني واحد، يمكن الرهان عليه، وأن البنية الأمنية لدوله تقوم على أربع طبقات رئيسية:

الشراكة مع الولايات المتحدة

لا تزال تمثل العمود الفقري، عبر القواعد العسكرية وأنظمة الدفاع، لكن الحرب أظهرت حدودها: لم تمنع الضربات بالكامل، ولم تحقق ردعًا حاسمًا، رغم أن القواعد موجودة، والتدريب مستمر، وكذلك أنظمة الدفاع، لكن ما تغير هو الثقة في الردع خلال الحرب، فلم تمنع المظلة الأمنية الامريكية الضربات بالكامل، ولم ينتهِ التهديد، فيما مسار التفاوض أدى إلى تهدئة بلا أفق حقيقي حاسم حتى الآن.

 أي لا انتصار قاطع، وبالتالي الخليج لم يلجأ لفك الارتباط بأمريكا، بل إعادة تعريفه بأنه اعتماد لا يحقق الهدف الأمني بالكامل، كما كان يتوقع. هذا الإدراك للواقع، أصبح جزءا من تفكير سائد.

في السياق، يقول تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: “لم تُحسّن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن، الوضع الاستراتيجي لدول الخليج؛ بل ربما زادته سوءًا.

وترى دول الخليج أن الحرب قد أبرزت محدودية الضمان الأمني ​​الأمريكي. ونتيجةً لذلك، ونظرًا لغياب بدائل مثالية، فمن المرجح أن تستمر استراتيجية التحوط: الحفاظ على الاعتماد على الولايات المتحدة، وتعميق تعزيز قدراتها العسكرية المستقلة إلى جانب تنويع الشراكات الإقليمية والدولية ومحاولة تخفيف حدة التوتر مع إيران.

التحوط الإقليمي

بدل استبدال التحالفات القائمة، اتجهت الدول إلى توسيعها، يتجلى ذلك في تعزيز الشراكات مع قوى مثل باكستان، ليس لبناء محور بديل، بل لإضافة طبقات ردع جديدة ضمن شبكة أوسع، وظهر في التنسيق الدفاعي، واعتراض المسيّرات، وتبادل المعلومات لحماية البنية التحتية، وبدلا من الاعتماد الكلي على محور واحد، ظهر التنوع.

وفى السياق، لم يكن التعاون مع باكستان تحركًا رمزيًا، بل رافقه دعم مالي بمليارات الدولارات في توقيت متزامن مع الانتشار العسكري.

 في مؤشر واضح على أن الأمن لم يعد فقط بشراء السلاح، بل ببناء مظلات أمنية متكاملة، التحوّط هنا لم يعد خطوة مؤقتة، بل قاعدة لتنظيم العلاقة مع المخاطر القائمة.

لكن توسيع الردع، والتحوط الإقليمي لم ينسَ مسارًا ثالثًا، يسير بالتوازي وهو التهدئة مع الخصوم. رغم التصعيد، لم تُقطع خطوط التواصل مع إيران. لم تعد العلاقة تُقاس بالقطيعة أو المصالحة، بل بإدارتها وتقليل كلفتها ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة وحدوث خسائر فادحة .

التكامل التقني والوظيفي

هذه الطبقات لا تعمل ضمن إطار منسجم، بل ضمن شبكة مرنة، متعددة، ومفتوحة على التعديل، ومن هنا يتبلور مفهوم الأمن الشبكي، المرتبط بطبقات أربع، الشراكة الأمريكية، والتحوّط الإقليمي، وقنوات التهدئة، والتكامل التقني والوظيفي.

مع كون أن هذا الإطار، لا يعتمد على “ضامن واحد” لكن شبكة متداخلة تضم عدة أطراف من خلال بنية مرنة، لكن داخل هذا النموذج الشبكي، لا تتحرك الدول بالاتجاه نفسه، وهو ما يظهر بوضوح في المقاربتين السعودية والإماراتية.

السعودية والإمارات       

تقدّم السعودية والإمارات نموذجين مختلفين داخل الإطار الأمني ذاته، لكنهما ينطلقان من فلسفتين متباينتين في فهم الأمن وإدارته.

تعتمد الأولى مقاربة قائمة على التوازن: الحفاظ على الشراكة مع واشنطن، ردع عبر شركاء إقليميين، إبقاء قنوات مفتوحة مع إيران؛ لتقليل احتمالات التصعيد، الهدف هنا ليس حسم الصراع، بل إدارة المخاطر ومنع الانفجار، خاصة في ظل ارتباط الاستقرار الداخلي بمشروعات استراتيجية طويلة المدى.

في المقابل، تتحرك الإمارات بمنطق أكثر حسمًا، يقوم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية نفسها، يتجلى ذلك في تعميق الاندماج في منظومات أمنية تكنولوجية واستخباراتية، وتوسيع التحالفات المرتبطة بالاتفاقات الإبراهيمية، وتعزيز التعاون مع إسرائيل، إلى جانب توظيف أدوات الاقتصاد والمواني والنفوذ الإقليمي كأدوات تأثير مباشر في معادلة الأمن.

هنا لا يقتصر الهدف على إدارة التهديد، بل يتجاوزه إلى إعادة تعريف قواعده، فالتجربة العملية خلال الحرب كشفت للإمارات، أن الاعتماد على الردع التقليدي وحده غير كافٍ، ورغم اعتراض مئات الهجمات بقي التهديد قائمًا، بل أكثر وضوحًا. كما أن الحضور الأمريكي لم ينجح في إيقاف الضربات الإيرانية بشكل كامل، ما دفع المسار في النهاية نحو التهدئة بدل الحسم.

هذا التباين بين المسارين يعكس اختلافًا عميقًا في فلسفة الأمن: مقاربة تسعى إلى التوازن بين القوى، وأخرى تسعى إلى إعادة توزيعها وتشكيلها، الاختلاف هنا يعيد إنتاج التنافس بين طرفين، كل واحد منهم يعمل على بناء شبكته الخاصة، وتطوير أدواته، وفرض رؤيته كمرجعية تقود الإقليم.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر وضوحًا: كلما زادت الحاجة إلى الأمن الجماعي والتنسيق، تصاعدت المنافسة على قيادته، لذلك، لا يتجه الخليج نحو نموذج موحد، رغم الحاجة الملحة إليه، والاختلاف في تعريف التهديد، وغياب الثقة الكاملة، وصراع القيادة، عوامل تعرقل إمكانية بناء مظلة أمنية بين دوله.

في المقابل، يفرض الواقع نمطًا مختلفًا من التعاون: أمن جماعي جزئي، يعمل داخل بيئة تنافسية، دون أن يرتقي إلى تحالف شامل.

وفي هذا السياق، يصبح واضحًا أن أمن الخليج لا يُصاغ فقط عبر التحالفات مهما تعددت، بل عبر كيفية إدارة العلاقة مع الخصم الأكثر ثباتًا: إيران.

وبين التعايش والردع، وبين التهدئة والضغط، تتحدد حدود هذا الأمن وإمكاناته.

ختامًا، لا يبدو أن الخليج خرج من الحرب بإجابة، بقدر ما خرج بسؤال مفتوح حول الأمن، فالتحالفات لم تعد كافية، والردع لم يعد حاسمًا، والتوافق لم يعد مضمونًا حتى في لحظة الخطر المشترك.

وفي ظل هذا الواقع، تتشكل شبكات جديدة، وتُعاد صياغة الأدوات، بينما يبقى القلق ثابتًا: كيف يمكن التعايش مع تهديد لا يمكن إنهاؤه؟

وسط هذا التعقيد، تتكثف الصورة في نقطة مركزية واحدة: مهما تعددت المسارات وتنوعت الشراكات، تعود المعادلة لتدور حول العلاقة بين السعودية وإيران، وهي معادلة حاكمة، تفرض نفسها على كل قرار، وتعيد ترتيب كل تحالف.