كيف يتكيف المصريون مع ارتفاع أسعار الأدوية المستمر؟.. يطرح هذا السؤال نفسه بقوة مع دراسة هيئة الدواء حاليًا 150 طلبًا، تلقتها من شركات الأدوية بشأن تحريك الأسعار.

تراجع لجنة تسعير الأدوية كل 6 أشهر أسعار الأدوية الموجودة في السوق تلقائيًا، خاصة حال حدوث تغيُّر في سعر الصرف، أو ارتفاع في تكاليف الإنتاج، أو تقديم الشركات طلبات لرفع الأسعار.

تأتي تلك التغيرات والمطالب، بينما يكافح قطاع عريض من المواطنين لمواجهة تداعيات الزيادة الأخيرة بالدواء التي كانت في يونيو 2025، وشملت أكثر من 130 دواءً أساسياً دفعة واحدة، بعضها يتعلق بالأمراض المزمنة كالسكري والضغط وأمراض القلب،

محمد سليمان، موظف على المعاش من هؤلاء، فمعاشه 4000 جنيه، يشتري منها أدوية بـ3 آلاف جنيه، لكن يبدو أن الألف جنيه المتبقية، لن تتبقى بجيبه، مع ضغط شركات الأدوية من أجل رفع أسعار منتجاتها، مجددا، بدعوى ارتفاع تكاليف الإنتاج.

سليمان الذي اضطر للعمل كحارس أمن ليلي على عقار براتب 4 آلاف جنيه، بخلاف إكراميات القاطنين له في المناسبات، يعيش من العمل الذي أجبر عليه، في سن يفترض أن يتمتع فيه بالراحة في ظل التهام بند الأدوية 75% من دخله الأساسي.

يقول المواطن إنه يطالب الصيدلي باستبدال الأنواع الغالية بأخرى رخيصة مثل أحد أدوية المعدة التي يبلغ سعر الشريط فيه 75 جنيهًا، ويحصل على بديل له بـ30 جنيها، كما غير نوع الأنسولين بالاتفاق مع الطبيب على أرخص نوع موجود بالسوق بدلا من المستورد .

البيع بالشريط وليس العلبة

حال سليمان ككثير من المواطنين الذين يقبلون على م. ع، صيدلي، والذي يقول إن غالبية المواطنين حاليا يسألون عن سعر الروشتة وأصنافها أولا بمجرد دخول الصيدلية.

يضيف الصيدلي، أن المواطن يبدأ في الانتقاء من الروشتة، ويختار الأنواع الحتمية التي تهدد الحياة حال عدم تناولها، واستبعاد أدوية الفيتناميات أو المكملات من الحسبة.

يُضيف أن المواطن حاليًا، يحصل على شريط من الدواء، وليس علبة كاملة، ولا يستكمل الجرعة حال شعوره بالتحسن، والأغرب أن بعض الزبائن يستفسرون عن إمكانية الحصول على حبة واحدة فقط، من الدواء وليس الشريط كل.

تغير سلوك المواطن المصري بالنسبة للدواء تغيرا كبيرا، فعلى مدار سنوات كان البند الأساسي الذي يرى المصريون أنه لا يقبل الترشيد لكن الوضع تغير حاليًا مع تنامي الضغوط الحياتية.

رفع الأسعار يقلل الطلب

يجمع الكثير من الصيادلة، على أن ارتفاع أسعار الدواء بخفض الطلب عليها، بما في ذلك أدوية الأمراض المزمنة، وبديلا عن ذلك، بدأ بعض المرضى لأول مرة يتوجهون إلى التأمين الصحي، لصرف أدوية مجانية وتحمل مشقة الوقت والانتقال.

ليلى محمود، ستينية، تحصل على الدواء من بعض الجمعيات الخيرية، التي تتلقى تبرعات بأدوية، من مرضى تم شفاؤهم، ولم يعودوا يحتاجونها أو من أسر الذين توفاهم الله أو من فاعلي خير يعطونها تبرعاتهم.

مع ارتفاع الأسعار، اضطر البعض إلى اللجوء لطلب المساعدة بالوقوف أمام الصيدليات؛ بحثا عمن يتوسمون فيهم القدرة المالية، ومطالبتهم بشراء صنف دواء لهم، وليس المقابل المالي، أو مطالبة الصيدلي حال وجود عروض من فاعلي خير، بأن تتضمن الأصناف المطلوبة ما يحتاجوه.

تنامي “الطب الشعبي”

ساهم ارتفاع أسعار الأدوية في بحث قطاع عريض من المصريين عن الأعشاب مثل انتصار محمود، التي تقول إنها تعتمد على الأعشاب في علاج أبنائها كأوراق الجوافة واليانسون، خاصة أن سعر أقل علبة دواء أصبحت مكلفة للأسرة.

تُضيف أن الزحام عند العطارين وسؤالهم عن كيفية مواجهة أمراض بعينها، يشير إلى أزمة كبيرة للمواطنين الذين لا يستطيعون التوجه لزيارة طبيب، فسعر الفيزيتا لا تقل عن ٥٠٠ جنيه، فقط قبل شراء الأدوية.

ربما كان ارتفاع أسعار الأدوية أحد المحركات وراء شهرة د. ضياء العوضي، الذي توفي مؤخرا، بسبب طرحه ما أسماه “نظام الطيبات الغذائي”، والذي روّج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باعتباره أسلوب حياة، يهدف إلى تقليل الاعتماد على الأدوية، والوصول، إلى ما وصفه بـ”مرحلة صفر دواء”.

نظام الطيبات يعتمد على الامتناع عن مجموعات غذائية متعددة، مع تقديم محتوى يجمع بين النصائح الطبية والجوانب الروحانية، ما ساعد على انتشاره بين عدد كبير من المتابعين، وأثار في الوقت ذاته موجة من الجدل في الأوساط الطبية، فالمريض في مصر حاليا يبحث عن “السعر قبل العلاج”.

وتشهد مبيعات الأدوية بمصر تراجعاً في حجم الوحدات المباعة (كميات الأدوية) رغم ارتفاع قيمة المبيعات الإجمالية؛ بسبب رفع الأسعار نتيجة تراجع القوة الشرائية، ونقص بعض الأصناف، حيث سجلت مبيعات بعض الشركات تراجعاً في الوحدات المباعة، بينما ارتفعت القيمة السوقية بفضل زيادة الأسعار.

تراجع استهلاك الدواء  

بحسب بيانات اتحاد الغرف التجارية بمصر، فإن حجم إنفاق المصريين على الأدوية (المباعة عبر الصيدليات) بنحو 50 مليار جنيه خلال أول شهرين من العام الحالي، مقابل 42.7 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي بنمو 17%.

هيثم الحريري، عضو مجلس النواب السابق، يقول إن الحل في إدارة ذكية للقطاع بتسعير عادل يراعي تكلفة الإنتاج الفعلية وليس تقديرات مبالغ فيها، إلى جانب رقابة صارمة على ممارسات التخزين والضغط على السوق، ودعم موجه لمصانع الأدوية (طاقة– تمويل– حوافز ضريبية)، وتوطين صناعة الخامات الدوائية لتقليل الاعتماد على الاستيراد.

شدد على ضرورة مراجعة سياسات تسعير الطاقة، بحيث لا تتحول لعبء مضاعف على المواطن، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للمرضى غير القادرين، خصوصًا أصحاب المعاشات وحماية حق المريض في العلاج كحق دستوري وليس رفاهية، فالمطلوب رؤية واضحة توازن بين الربح والحق في العلاج، بدون تحميل المواطن وحده تكلفة كل قرار اقتصادي.

هيئة الدواء المصرية، تقول إن أسعار الدواء في مصر تُعد من بين الأرخص على مستوى العالم، مشددًة على أن جميع المستحضرات المتداولة بالسوق المصري تخضع لتقييم ورقابة صارمة داخل هيئة الدواء المصرية قبل السماح بتداولها.

وقال الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن هناك تبعات مباشرة وغير مباشرة ستؤثر على تكلفة تصنيع الدواء في ظل الظروف الحالية والخاصة بالحرب الإيرانية، وذلك بعد فترة زمنية تقدر بـ٣ أشهر، ما قد يزيد تكلفة تصنيع الدواء بنسبة تصل لـ ٣٠٪.

أضاف أنه إذا زادت مدة الحرب عن ذلك؛ فلا بد من تدخل هيئة الدواء المصرية لمراجعة التكاليف ووضع آلية جديدة وعادلة فى التسعير، مردفًا: وضع سوق الدواء في الوقت الحالي مستقر والنواقص في حدود النسب الدولية والآمنة، غير أنه يوجد مخزون مواد خام ومواد تعبئة، تكفي ٦ أشهر، بالإضافة إلى أن البضاعة الموجودة في الصيدليات، ولدى الموزعين تكفي ٤ أشهر، وبالتالي لدينا مخزون يكفي ١٠ أشهر.