قرأت على موقع القاهرة 24، أن مجلس النواب قد استدعى أبطال أحد المسلسلات التي ناقشت مشاكل أسرية، هو مسلسل “أب ولكن” بطولة الممثل محمد فراج، وذلك لبدء حوار مجتمعي حول قانون الأحوال الشخصية، وذلك على خلفية أن المسلسل قد فتح ملفات شائكة وأوجاع داخل الأسرة المصرية، كما أن مجلس النواب قد استدعى بعض الأطفال من ضحايا الخلافات الأسرية لسماع وجهات نظرهم في مشروع القانون، وإن كان ذلك من سبل الحوار المجتمعي، ولكن هل يقف أمر الحوار المجتمعي لمناقشة قانون بالغ الخطورة المجتمعية عند ذلك الحد؟
فإذا كان الحوار المجتمعي في حقيقته لا يعني سوى فتح نقاش عام ومفتوح ما بين أجهزة الدولة والأطراف المجتمعية حول قضية معينة ذات اهتمام عام، وذلك بهدف وضع تصور من خلال تلك الآلية التشاركية للوصول لأفضل صياغة لمشروع القانون المقترح، وفي أدبيات الأمم المتحدة يفهم الحوار المجتمعي، باعتباره وسيلة لتعزيز المشاركة العامة في صنع القرار وتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما يعني إشراك أصحاب المصلحة في مناقشة السياسات لضمان فاعليتها وقبولها، وهو ما يؤكد على أن الحوار المجتمعي من أهم الآليات الديمقراطية بقصد تمكين فئات المجتمع المختلفة للإسهام الواقعي في إعداد السياسات أو التشريعات، وذلك بغرض عام هو تحقيق التوازن ما بين السلطة العامة والقبول المجتمعي، ويكون ذلك من خلال المفاوضات والاستشارات العامة ما بين أطراف متعددة، وذلك سعيًا للوصول إلى تحسين جودة التشريع، وتقليل نسب الخلاف حوله، ولتجنب مشاكل التطبيق الواقعي لنصوص القانون، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال قبول بدائل مغايرة للمشروع الحكومي المطروح، والوقوف على عيوب أو مشاكل مشروع القانون المطروح.
ومن ناحية الأشخاص المشاركين، فيجب ألا يقف عند حد من تراه السلطة صاحبة المشروع، أو من تحددهم من أشخاص أو فئات للمشاركة في ذلك الحوار، إذ يجب أن يكون الحوار المجتمعي مفتوحًا على كل الرؤى والأفكار، سواء كانت إيجابية أو سلبية، ولا يجب أن تكون الرؤى المشاركة في مثل هذه الحوارات محسوبة على اتجاه بعينه، وإلا فلا فائدة منه، سوى تحقيق الشكل الدعائي المطلوب.
وهناك العديد من المؤسسات الحقوقية، والنسوية منها على سبيل التأكيد، لها رؤى في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، وأظن أن مؤسسة المرأة الجديدة، أو مؤسسة قضايا المرأة لها مشروع قانون خاص بالأحوال الشخصية، تمت مناقشته على مستوى معين من خلال دعوات لمشاركين في إدارة حوار حول مشروع القانون، وكذلك العديد من الحلقات النقاشية والدوائر المستديرة، وقد انتهت إحدى تلك المؤسسات بمشروع قانون، قامت بإرساله إلى وزارة العدل وإلى مجلس النواب المصري، وحتى لا يحسب الأمر على أنه ترويج لهذا المشروع، فإنني لم أطلع عليه أو أحضر أي من فاعليات مناقشته، ولكن الهدف من الإشارة إليه، هو أن تكون القنوات النيابية منفتحة عليه، فلربما كان به من النصوص ما يدعم مشروع الحكومة، أو ما قد يكون أفضل منه في أي نقطة من النقاط. حتى ولو كانت تلك المؤسسات النسوية تسعى لتحقيق نجاحات على مستوى النساء من وجهة نظرها، فإن ذلك لا يعني إهمال جهدها، بل يجب مناقشته من زاوية، أنه أحد وجهات النظر المجتمعية.
ولخطورة ذلك القانون المعني بالأحوال الشخصية، وهي القضية الأكثر خطورة وحساسية في المجتمع المصري، فإنه لا يجب التسرع في مناقشة مشروع القانون وتمريره، بحسبه أحد إنجازات الحكومة أو مجلس النواب على حد سواء، ولكن يجب أن يتم مناقشته بشكل مجتمعي حقيقي من خلال عرضه على أهل الحل والعقد في هذا الأمر، ولا يجب أن نهمل دور المؤسسات الدينية والفقهاء الشرعيين، لكون هذا المشروع يكون أقرب إلى الفقه الديني من أي قانون آخر، ذلك بخلاف أن يتم عرضه ومناقشته من خلال قضاة الأحوال الشخصية في مصر، بحسب كل محكمة أو دائرة لنظر منازعات الأسرة الحالية، وذلك للاطلاع على العيوب التي واجهوها في تطبيق القانون الحالي، ونقاط السلب والإيجاب فيه، وأيضًا، فلا بد من دمج المؤسسات الحقوقية النسوية في تلك المناقشات وعرض وجهة نظرها بشكل كامل، سواء في مشروع القانون الحكومي، أو مشروعها الخاص البديل، ومن زاوية تطبيقية، فيجب مشاركة نماذج من المجتمع المصري على اختلاف طوائفه، وبشكل أخص من كانوا في حالة تماس مع قانون الأسرة الحالي، ويجب أن يكون ذلك من الطرفين (أزواج ومطلقين)، حتى يكون لدينا وجهات نظر متكاملة من كافة الجهات. وذلك بصيغة فضلى، هو ما يمكنه تحقيق مفهوم الحوار المجتمعي، أو يمكننا إطلاق عليه التشاركية المجتمعية، بحيث لا يقف القانون عند حد وجهة نظر واضعيه فقط، بما قد يُضيق أفق القانون، أو على أقل تقدير أفق المناقشات الدائرة حوله، وهو ما يحقق كينونة موثقة لمفهوم الحوار المجتمعي بحسب كونه عملية تشاركية مجتمعية، تديرها الدولة من خلال إحدى مؤسساته، وهي في هذه الحالة صاحبة المشروع المقدم لمجلس النواب، وذلك بهف الوصول إلى أفضل صياغة ممكنة لمشروع القانون قد تحظى بقبول مجتمعي، ولا تجد العديد من المشاكل حال تطبيق ذلك القانون.
ومن خلال ذلك، يكون للحوار المجتمعي جدوى، ترتبط بالمفهوم النظري، ولا تبعد عن المعنى الديمقراطي، ولا تهمل التمثيل النيابي، إذ أن مشاركة المواطنين في صناعة التشريعات الخاصة بهم، أو تلك التي تمس حياتهم الخاصة يرتبط بمفهوم الشرعية الدستورية، ذلك، إذ أن القانون لا يستمد مشروعيته فقط من خلال وسيلة أو شكل صدوره، بل بمدى تعبيره عن الاحتياجات المجتمعية ومدى ارتباطه بالقضايا المجتمعية والاحتياجات الواقعية، بما يؤكد احترام الدولة للحقوق والحريات، وتجنب إصدار تشريعات مجافية للاحتياج المجتمعي، وهذا ما يجد صداه بشكل ملموس في قانون الأحوال الشخصية، بحسبه من أهم القوانين ذات الحساسية المجتمعية، وأن وجود أخطاء أو حتى عدم قبول مجتمعي لأي من نصوصه، قد يكون دافعًا للعديد من النزاعات الأسرية والمجتمعية في مستقبل التطبيق الواقعي للقانون.






