“القرارات الاقتصادية” تمثل دائمًا سلاحًا ذو حدين، ومهمة الحكومات هي اتخاذ القرار الذي يخدم القطاع الأكبر، ويقلل الضرر بقدر الإمكان، من أجل تحقيق الأمن الاجتماعي، الذي يعتبر ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات وتطورها، ويضمن تحقيق التنمية الاقتصادية، وتحقيق العدالة والمساواة.
يشير مصطلح الأمن الاجتماعي إلى الحالة التي يعيشها الأفراد والمجتمعات، عندما يكونون محميين من التهديدات الاقتصادية والاجتماعية، ويتطلب تحقيقه اهتمامًا بشقين: أولهما اقتصادي كفرص العمل ومستوى المعيشة الاقتصادية، والثاني اجتماعي كالرعاية الصحية والتعليم والإسكان.
يعتبر الاقتصاد دائمًا محورا أساسيًا للأمن الاجتماعي، فهو أساس قدرة الأفراد، والمجتمعات، والدول على تلبية احتياجاتهم الأساسية مثل الغذاء والمأوى والدخل بشكل مستدام وبكرامة، وحماية استقرارهم المالي من التهديدات الداخلية والخارجية.
سياسة الإصلاح الاقتصادي.. ضغط مستمر
منذ تطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادي بمصر، تبرز العديد من التحديات التي تواجه الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي معًا بداية من مستويات التضخم المرتفعة، التي غالبًا ما يتم تصنيفها كتضخم مزدوج؛ ناتج عن ارتفاع أسعار السلع عالميًا وهبوط العملة المحلية، وكذلك تراجع القوة الشرائية للأسر والفئات ذات الدخل المحدود.
في “المؤشّر العربي“، الذي يعده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لعام 2022، الذي تم إعلانه أخيرًا، قيم 35% من المصريين وضع أسرهم الاقتصادي، بأنه “سيئ” أو سيئ جدًا”، بينما أكد 32% من المصريين أن دخلهم لا يغطي نفقات احتياجاتهم، بينما قال 49% إن دخلهم يغطي احتياجاتهم، لكن لا يوفرون منه شيئا للمستقبل.
كان المصريون الجنسية الثانية من حيث الاعتماد على المعونات الحكومية بنسبة 9%، ولسد العجز في دخل أسرع، قال 29% من المصريين، إنهم يستدينون من المعارف والأصدقاء، بينما تلقى 14% معونات لا ترد من الأقارب والجيران.
في الفئة ذاتها، قال 12% إنهم يحصلون على قروض ومؤسسات مالية، بينما قال 9% إنهم يعتمدون على معونات من جمعيات خيرية دينية، و11% من جمعيات خيرية غير دينية، و11% معونات من مؤسسات حكومة، و1% عمل إضافي.
تتراجع ثقة المواطن في أداء الحكومة بشكل مباشر بالأوضاع المعيشية، فالاستطلاع ذاته قال فيه 49% من المصريين، إنهم يشعرون بأن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح ويبرر 74% من أنصار ذلك الاتجاه رأيهم بسوء الأوضاع الاقتصادية، و9% لعدم توافر الخدمات العامة والأساسية.
في 2018، أكدت دراسة أخرى انعكاس تحرير سعر الصرف على المستوى المعيشي للأسرة المصرية، حيث أظهرت أن نسبة 64.8% من أفراد العينة يرون أن الدخل غير كاف لتلبية احتياجات الأسرة، وتشكلت التدابير المختلفة التي تلجأ إليها الأسر في هذه الحالة إلى البحث عن عمل إضافي والاقتراض. وقد أثر انخفاض قيمة الجنيه المصري على المستوى المعيشي للأسرة المصرية.
الأسعار.. هاجس المواطن الأول
الخبير الاقتصادي هاني توفيق، يؤكد أن مصر أعلى البلاد من حيث التضخم عربياً وإفريقياً بـ ١٣.٢٪، يليها تونس بـ 6.5% فقط، موضحًا أن السبب ليس في ارتفاع سعر الدولار، وإنما في عجز الموازنة الذي يتسبب في زيادة طباعة النقود دون غطاء، بمعدل ٣٠٪ سنويًا، مؤكدًا أن المطلوب هو استثمار وإنتاج وأرباح ودخل وضرائب لخفض هذا العجز المزمن.
يشير توفيق إلى سلسلة من الحوادث، تشير إلى تفشي التضخم وآثاره السلبية على مصر كلها، مثل أم تقتل أبناءها الخمسة، وأخرى تعرض أولادها للبيع، وانتشار ظاهرة “نباشين القمامة”، ما يستدعي لجنة اقتصادية/ سياسية لاستباق الأزمات التي سنتعرض لها، وسبل التعامل معها كدولة وكأفراد.
تظهر الكثير من القرارات الحكومية غياب التخطيط الاجتماعي، فهو عملية علمية منظمة لصنع القرارات، تهدف إلى إحداث تغييرات مقصودة في المجتمع؛ لتحسين مستوى المعيشة وتلبية احتياجات الأفراد من خلال استغلال الموارد المتاحة. ويعد أسلوباً لإدارة التنمية الشاملة، يربط بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، وينفذه خبراء (مخططون اجتماعيون) ضمن خطط تنموية.
رغم تسارع معدل النمو الاقتصادي بمصر في التسعينيات من القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين– بعد تطبيق مصر لبرنامج الإصلاح الاقتصادي– إلا أن عائد هذا النمو لم تستفد منه غالبية الشرائح السكانية محدودة الدخل, وذلك نتيجة للتحيز في توزيع الفائض الاقتصادي لصالح رأس المال دون الأجر.
التضخم يهدد المنظومة الصحية والنفسية والمجتمعية
تأثير التضخم يمثل تهديدًا لباقي منظومة الأمن الاجتماعي، وليس الأمن الاقتصادي فقط، فالأسر تضطر إلى الاستغناء عن البروتين والفاكهة والأساسيات، ويعتمدون على الخبز والمكرونة، ما يزيد الأنيميا الحادة والتقزم، والسمنة الناجمة عن الاعتماد على النشويات الرخيصة كأساس للتغذية.
تمثل الأنيميا (فقر الدم أو نقص في الخلايا الحمراء/ الهيموجلوبين في الدم) تحديًا كبيرًا بمصر؛ حيث تؤثر على ٢٧٫٢٪ من الأطفال دون سن الخامسة و ٢٥٪ من النساء في سن الإنجاب (١٥-٤٩ سنة).
على المستوى النفسي والصحي معا، يعاني المصريون من ضغط المصروفات وارتفاع الإصابة بالسكري والضغط والجلطات بين الشباب والكبار، فبحسب مسح لـ “الأمانة العامة للصحة النفسية” لعام 2017، تبين أن هناك 25 مليون مصري مصاب بالأمراض النفسية، وهو ما يوازي نحو ربع السكان في ذلك الوقت.
تحتل مصر المرتبة التاسعة عالمياً في انتشار مرض السكري، بنحو 11 مليون مصاب، وسط جهود حكومية ومبادرات رئاسية مستمرة للكشف المبكر وعلاج المضاعفات، مثل مبادرة “100 يوم صحة”. بينما يعاني ما يقرب من 40٪ من البالغين في مصر من ارتفاع ضغط الدم؛ بسبب النظم الغذائية غير الصحية والتدخين والإفراط في استهلاك الملح وزيادة الوزن والسمنة والخمول البدني.
طفرة تضخمية على مدار 3 سنوات
د. زياد بهاء الدين، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط والتعاون الدولي الأسبق، يقول إن وصول معدلات التضخم إلى نحو 100% خلال 3 سنوات متتالية يعد “طفرة كبيرة”، تستدعي إعادة النظر في السياسات الاقتصادية.
ارتفع بنزين 95 بنسبة 775%من مستوى 2.75 جنيه في 2011 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 بنحو 1120% ليبلغ مستوى 22.25 جنيها، مقابل 1.85 جنيها للتر والسولار، بنسبة 1763% لمستوى 20.5 جنيها مقابل 1.10 جنيها وأنبوبة البوتاجاز التي ارتفعت بنسبة 6775%، إلى مستوى 275 جنيهًا مقابل 4 جنيهات في الفترة المقارنة.
أشار بهاء الدين إلى أن الطبقة الوسطى، رغم صمودها وقدرتها على التكيف، تواجه ضغوطًا متزايدة، دفعت الكثيرين للاعتماد على مصادر دخل إضافية أو البحث عن فرص عمل خارج البلاد، وسط تراجع الشعور بالاستقرار الاقتصادي.
بحسب تقرير منظمة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا الإسكوا لعام 2023 الذي تناول دراسة “الطبقة الوسطى في العالم العربي متضمًنا ست دول عربية، من بينها مصر، فإن الطبقة الوسطى تمثل عنصرا أساسيا في توازن المجتمعات، لكنها تواجه تحديات، أبرزها التضخم، وضعف الأجور، وانتشار القطاع غير الرسمي، وتراجع فرص التعليم الجيد.
لفت بهاء الدين إلى ظهور فئة جديدة، تعرف بـ“القريب من الفقر”، وهم أصحاب دخل يبدو مستقرًا ظاهريًا، لكنه معرض للانهيار المفاجئ، خاصة في ظل تقلبات السوق وغياب الأمان الوظيفي.
تقلص كبير في الطبقة المتوسطة
تقلص حجم الطبقة الوسطى في العديد من الدول، بينها مصر، يهدد الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة، وفي النهاية يربط التقرير بين ضعف شبكات الأمان الاجتماعي وتدهور القوة الشرائية للطبقة الوسطى. بينما أكد البنك الدولي، أن الاستثمار في التعليم والصحة ورأس المال البشري يمثل الطريق الأمثل لإعادة بناء الطبقة الوسطى وتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية.
تشهد مصر ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الطلاق، حيث سجلت عام 2024 نحو 273,892 حالة، بزيادة 3.1% عن عام 2023. وتشير البيانات إلى متوسط يقارب 750 حالة يومياً، مع تسجيل أعلى نسب للذكور في الفئة العمرية 35-40 سنة، وهي الفئة التي تتعرض لضغوط كبيرة، وسجلت أعلى نسبة طلاق بين النساء في الفئة العمرية (25 – 30 سنة) حيث بلغ عـــدد الإشهادات بها 45635 إشهاداً بنسبة 17.6 ٪.
وزير المالية الأسبق هاني قدري دميان، يقول إن المواطن من الطبقة المتوسطة لا يعيش حالة صراع مع الأسعار فقط، لكن أيضا للحفاظ على مستوى معيشته، وألا ينحدر، بل بالعكس يكون لديه طموح دائم لرفع مستوى المعيشة إلى الأفضل، ويؤمن مستقبل أولاده وأسرته بصورة تطمئنه.
الوزير الأسبق يقول نصًا: “عاوزين نشيل المواطن من حلبة المصارعة مع الأسعار، التي أصبح فيها بشكل يكاد يكون مستمرا، وبالأخص الطبقة المتوسطة، التي هي أكثر طبقة تصارع في موجات الإصلاح الاقتصادي، لأن برامج الحماية تذهب للأقل دخلا، وتبقى الطبقة المتوسطة في صراع للحفاظ على قدر من جودة الحياة، سواء له أو لأسرته، على كافة الأصعدة من تعليم وصحة، وبالتالي، تكون هذه الطبقة في صراع مختلف”.






