كلما تصاعد التوتر في مالي، بدا الأمر للوهلة الأولى شأنًا محليًا، يخص دولة بعيدة في غرب القارة، مثقلة بتاريخ من الانقلابات والاضطرابات الأمنية والتحديات الاقتصادية. غير أن قراءة أعمق لما يجري تكشف أن أزمة مالي ليست حدثًا منفصلًا، بقدر ما هي تعبير مكثف عن مأزق أوسع، تعيشه دول إفريقية عدة، حيث تتعثر الدولة الوطنية، وتتقدم المؤسسة العسكرية إلى المجال السياسي، وتتداخل النزاعات الداخلية مع تنافسات الخارج.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسافة بعيدة بين باماكو والخرطوم. فالدولتان على اختلاف الجغرافيا والسياقات، واجهتا أسئلة متشابهة: كيف تُدار التعددية داخل دولة هشة؟ ما حدود دور الجيش في السياسة؟ كيف يمكن بناء مركز قادر على استيعاب الأطراف؟ وماذا يحدث حين تفشل النخب في إنتاج تسويات مستقرة؟
في السودان، تحولت هذه الأسئلة إلى حرب مفتوحة منذ إبريل 2023. وفي مالي عادت الاضطرابات إلى الواجهة عبر موجة أمنية وسياسية جديدة، أعادت التذكير، بأن منطقة الساحل لا تزال إحدى أكثر مناطق العالم قابلية للاهتزاز، وأن القارة لم تحسم بعد معركة الانتقال من دولة القوة إلى دولة المؤسسات.
شهدت مالي خلال السنوات الأخيرة انقلابين متتاليين في 2020 و2021، رسخا حضور المؤسسة العسكرية في قلب السلطة. وجاء ذلك على خلفية غضب شعبي من تدهور الأوضاع الأمنية، وتراجع الثقة في الطبقة السياسية، واتساع نفوذ الجماعات المسلحة في الشمال والوسط. غير أن تدخل الجيش، كما في تجارب إفريقية أخرى، لم ينهِ الأزمة، بل نقلها من شكل إلى آخر.
فالمعضلة في مالي أعمق من تغيير نظام حكم. إنها أزمة دولة لم تنجح منذ الاستقلال، في فرض احتكار مستقر للعنف المشروع، ولا في بناء مؤسسات قادرة على تمثيل التنوع الإثني والاجتماعي والجغرافي. وعندما تعجز السياسة، يصبح السلاح لغة متاحة، وربما اللغة الوحيدة.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة، أن الجماعات المسلحة لم تعد حبيسة الأطراف البعيدة، بل باتت قادرة على نقل المعركة إلى تخوم المركز السياسي نفسه، عبر استهداف مواقع عسكرية وحيوية، وتهديد خطوط الإمداد، ورفع كلفة السيطرة على العاصمة. وهذه لحظة فارقة في مسار الدول الهشة؛ إذ يتحول السؤال من أمن الحدود إلى أمن المركز ذاته.
هذا المسار لا يبدو غريبًا على السودان. فمن الخطأ اختزال الحرب السودانية الراهنة في كونها صراعًا، انفجر فجأة بين قوتين مسلحتين. فالحرب الحالية تمثل في أحد وجوهها، النتيجة المتأخرة لمسار طويل من التعثر الوطني، تعاقبت فيه الانقلابات، وتبدلت الأنظمة، بينما بقي سؤال الدولة بلا إجابة حاسمة.
عرف السودان انقلاب 1958 في السودان بقيادة إبراهيم عبود، ثم انقلاب 1969 في السودان بقيادة جعفر نميري، ثم انقلاب 1989 في السودان بقيادة عمر البشير، وصولًا إلى إجراءات أكتوبر 2021 بقيادة عبد الفتاح البرهان. وبين هذه المحطات، لم تنل الفترات المدنية الزمن الكافي لترسيخ مؤسساتها، كما لم تنجح القوى السياسية في إدارة تنافسها خارج منطق الاستقواء بالمؤسسة العسكرية أو الاحتماء بها.
ولذلك، لم تكن الانقلابات في السودان مجرد انتقالات سلطة، بل آلية لإعادة إنتاج الأزمة نفسها. كل انقلاب يعد بالاستقرار، ثم يترك البلاد أكثر هشاشة، وأضعف مؤسسات، وأشد انقسامًا. وحين انفجر التنافس داخل المعسكر المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم تجد الدولة ما يحميها؛ لأن أدوات الحماية ذاتها كانت طرفًا في النزاع.
وثمة قاسم مشترك آخر بين السودان ومالي، يتمثل في العلاقة المأزومة بين المركز والأطراف. ففي السودان، ظل سؤال الهامش حاضرًا منذ الاستقلال، من الجنوب سابقًا إلى دارفور، ومن شرق البلاد إلى مناطق أخرى شعرت بالتهميش السياسي والتنموي. وفي مالي، برزت أزمة الشمال، خاصة في المناطق ذات الأغلبية الطوارقية، حيث تراكمت مطالب الهوية والتنمية والمشاركة، قبل أن تتداخل لاحقًا مع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات العنف العابر للحدود.
وحين يفشل المركز في بناء شراكة عادلة مع الأطراف وتنمية مستدامة، تتحول البقعة الجغرافية إلى عبء أمني، ويصبح الولاء للدولة أضعف من الولاءات المحلية أو القبلية أو المسلحة. وهنا تتكرر المعضلة القديمة: خرائط سياسية حديثة، ودول محدودة القدرة، ومجتمعات أكثر تعقيدًا من أن تُدار بالأوامر المركزية وحدها.
غير أن فهم الأزمتين لا يكتمل من دون النظر إلى العامل الخارجي. فالأنظمة الحاكمة الهشة نادرًا ما تبقى أزماتها داخل حدودها، بل تتحول سريعًا إلى ساحات مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي. وفي مالي، شكّل التراجع المتدرج لدور فرنسا تحولًا لافتًا بعد سنوات من الحضور العسكري والسياسي المباشر. فقد تقلصت مظلة النفوذ الفرنسي، وتراجعت عملياته الميدانية، بينما صعد الحضور الروسي عبر شراكات أمنية وعسكرية مثال (فيلق إفريقيا)، عكست تغيرًا أوسع في موازين القوة داخل إفريقيا.
غير أن تبدل الرعاة الخارجيين لم يبدل جوهر الأزمة. فما دامت الدولة ضعيفة، والمؤسسات منقسمة، والعلاقة بين المركز والأطراف مأزومة، فإن تغيير الحليف لا يصنع استقرارًا دائمًا، بل قد يعيد توزيع النفوذ فحسب.
أما في السودان، فقد تداخلت الحرب الداخلية مع حسابات خارجية مرتبطة بالموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر، وملفات الذهب، والمواني، والهجرة، والتوازنات بين قوى عربية وإفريقية ودولية. وهكذا لم تعد الأزمة السودانية شأنًا داخليًا خالصًا، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، تتقاطع فيه مصالح متعددة لا تتطابق دائمًا مع مصلحة الدولة السودانية نفسها.
ويتصل بذلك محور آخر، لا يقل خطورة، هو اقتصاد الحرب والسلاح العابر للحدود. فالنزاعات الحديثة لا تتحرك داخل جبهات القتال فقط، بل تخلق حولها أسواقًا موازية وشبكات مصالح واسعة. وفي هذا السياق، تمثل منطقة الساحل والصحراء أحد أكثر الأقاليم هشاشة أمام تدفقات السلاح، وحركة المرتزقة، ومسارات تهريب الذهب والوقود والبشر.
ومع استمرار الحرب في السودان، تتزايد مخاطر اندماج النزاع في هذا الاقتصاد الإقليمي غير الرسمي، عبر فضاء صحراوي واسع يمتد من ليبيا وتشاد نحو العمق السوداني. وحين تتحول الحدود إلى خطوط عبور رخوة، تصبح تسوية الحرب أصعب من إشعالها، لأن أطرافًا متعددة تبدأ في الاستفادة من استمرارها.
وفي الحالتين، لا يصنع الخارج الأزمة من العدم، لكنه كثيرًا ما يجد في الانقسامات المحلية فرصة؛ لتوسيع النفوذ، فيما تجد شبكات الحرب في الفوضى بيئة مثالية للبقاء. وهكذا يتحول ضعف الدولة من مشكلة داخلية إلى مورد سياسي واقتصادي، تتنافس عليه قوى الداخل والخارج معًا.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين السودان ومالي لا تعني التطابق. فالسودان يمتلك وزنًا جيو سياسيًا مختلفًا بحكم موقعه واتصاله بمحيط عربي وإفريقي حساس، كما أن الحرب فيه تدور بين قوتين كبيرتين داخل قلب العاصمة ومراكز الدولة. أما مالي، فتتخذ أزمتها طابعًا أكثر تشتتًا بين السلطة المركزية وتمردات الأطراف والجماعات المسلحة.
لكن الدرس المشترك يظل واضحًا: لا يمكن بناء دولة مستقرة، حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى فاعل سياسي دائم، ولا حين تبقى الأحزاب عاجزة عن تجديد نفسها، ولا حين يُترك الهامش رهينة الوعود المؤجلة، ولا حين تصبح الحدود ممرًا مفتوحًا للسلاح والمصالح العابرة للدول.
لقد كشفت الحرب السودانية، أن امتلاك السلاح لا يساوي امتلاك الدولة. وكشفت أزمة مالي، أن الخطاب السيادي، مهما ارتفعت نبرته، لا يُغني عن الإدارة الرشيدة والمؤسسات الفاعلة. فالسيادة لا تتحقق بالشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتقديم الخدمات، وفرض القانون بعدالة، وفتح المجال السياسي لتداول السلطة سلميًا.
من على الشرفة، تبدو إفريقيا، وكأنها تكرر أسئلتها القديمة بلغة جديدة: كيف تُبنى دولة تتسع للجميع؟ كيف يعود الجيش إلى ثكناته من دون أن تنهار المؤسسات؟ كيف تنتصر السياسة على السلاح؟ وكيف تُغلق أبواب الخارج حين يفتحها ضعف الداخل؟
إلى أن تجد هذه الأسئلة إجابات مقنعة، ستظل باماكو والخرطوم، وغيرهما من عواصم القارة، تتبادلان أصداء القلق ذاته، وإن اختلفت الأسماء والوجوه.






