لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى الإسكندرية سياحية، يركض في شوارعها ويتناول المثلجات ويأكل في مطاعمها، ويلتقط الصور التذكارية عند قلعة قايتباي!

إنها زيارة سياسية بامتياز، اقتضتها مقاربة جديدة لإعادة بناء الدور الفرنسي في القارة الإفريقية، أو ترميم تصدعاته الماثلة إلى حدود منذرة.

أعاد افتتاح جامعة “سنجور” رمزا ثقافيا وتعليميا للثقافة الفرنسية في صلب جدول أعمال القارة باسم إعداد الكوادر اللازمة لتنميتها.

كان ذلك تمهيدا استباقيا لقمة إفريقية فرنسية، جرت وقائعها باليوم التالي في العاصمة الكينية نيروبي، أطلق عليها “إفريقيا.. إلى الأمام”.

لم تقتصر المشاركة في أعمال تلك القمة على الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، التي كانت من ضمن المستعمرات السابقة.

شاركت في القمة الأخيرة دول أخرى من الناطقين بالإنجليزية.

النظرة اتسعت للقارة كلها، وقد فرضتها الحقائق الجديدة قبل أي شيء آخر.

رافق “ماكرون” عدد كبير من المستثمرين الفرنسيين.

إنها مقاربة جديدة بعد التدهور الفادح في المكانة الفرنسية داخل المستعمرات السابقة إلى حدود الطرد.

في حوار تلفزيوني موجه للفرنسيين، اعترف “ماكرون” أنه كان يجب قبل عام (2017) إعادة النظر في وجودنا العسكري، لكنه زعم “عندما طلب منا الانسحاب انسحبنا”!

في نفس الحوار، شرح بإسهاب دواعي عقد قمة نيروبي الآن، كمقاربة جديدة وضرورية للمصالح الفرنسية في القارة الإفريقية.

لم يتطرق إلى مصر بإبداء أي تفهم لشواغلها وقضاياها، خاصة أن زيارته تشمل في محطتها الأخيرة إثيوبيا، حيث أزمة سد النهضة والإضرار الفادح المحتمل بالحصة المصرية من مياه النيل.

نفى عن بلاده صفة “المستعمر الجديد”، واصفا الروس بأنهم “المستعمرون الحقيقيون في القرن الحادي والعشرين”، كان ذلك تعبيرا عن عمق الصراع على المستقبل في القارتين الإفريقية والأوروبية معا.

دعا في نفس الوقت لتأمين فتح مضيق هرمز “دون شروط ورسوم”.

بدا متماهيا مع الاستراتيجية الأمريكية، لكنه لم يخفِ تحفظه على أي تورط عسكري.

رغم أن التكلفة المالية لإعادة تموضع وتعويم الدور الفرنسي فوق طاقة باريس الاقتصادية، كما اعترف ضمنيا، لكنه دعا الفرنسيين إلى النظر للمستقبل وفرص الاستثمار الواعدة في القارة السمراء.

مهمته صعبة للغاية، لكنها تنطوي بالاتفاق، أو الاختلاف، على رؤية سياسية تحكمه قرب نهاية فترته الرئاسية الثانية والأخيرة.

السؤال شبه الغائب: أين الدور المصري؟!

لا أحد ناقش “ماكرون” في تصوراته الاستراتيجية عن القارة ومستقبلها، كأننا لم نكن مطلع ستينيات القرن الماضي مركز القيادة في تحريرها من الاستعمار الغربي، وكأن أمننا القومي لا يتعلق بها وجوديا.

بدا البلد كله مشغولا بالمشاهد السياحية ورسائلها في إثبات أن مصر آمنة.

قيل في بعض التغطيات الصحفية، إنه لم تكن هناك حراسة على الرئيس الفرنسي أثناء ركضه في شوارع الإسكندرية.

كانت تلك مبالغة لا لزوم لها، الحضور الأمني مؤكد، لكنه لم يزعج سكان المدينة الساحلية على النحو الذي حدث قبل (24) عاما، في يوليو (2002) حين تأهبت الإسكندرية لإعادة افتتاح مكتبتها العريقة.

ناقضت الإجراءات الأمنية المفرطة طبيعة المناسبة كعمل ثقافي على ضفاف المتوسط يربط بين حضاراته، ويؤكد دور الثقافة المصرية فيه.

بدت الإسكندرية خالية تماما من أية حركة حياة في شوارعها، باستثناء بعض المخبرين على نواصيها، كأنها مدينة مهجورة، أجبر سكانها على البقاء في منازلهم.

سيطر الأمن على منافذ الإسكندرية، أغلقت المحال العامة، حلقت طائرات الهليوكوبتر، وتمركزت قوات خاصة على أسطح البنايات لتأمين ملوك ورؤساء أوروبا الذين شاركوا في ذلك الحدث الثقافي الكبير.

كان حفل الافتتاح إمبراطوريا باذخا، حضرت فيه الإجراءات الأمنية، وغابت عنه جماعات المثقفين.

شاركت في حفل الافتتاح أعداد محدودة من التشكيل الحكومي ورؤساء تحرير الصحف القومية والحزبية.

فيما كنت أعبر مع الكاتب الصحفي الراحل “نبيل زكي” رئيس تحرير جريدة “الأهالي” بوابة الكترونية قبل الدخول إلى قاعة الاحتفال، تصادف أن مر بجوارنا المشير “محمد حسين طنطاوي” ومعه رئيس الحكومة الدكتور “عاطف عبيد”.

خاطبت وزير الدفاع مازحا: “يا سيادة المشير الدكتور عاطف لم يمر على البوابة الإلكترونية!”.

أجاب: “إنه معي!”.

كانت تلك الجملة المازحة تعبيرا صلبا عن حقائق القوة وموازين النفوذ داخل نظام الحكم.

في حفل آخر بحديقة قصر “المنتزه” عقب الافتتاح الرسمي تكرست الأجواء الإمبراطورية، إلى حد أن الناشر المعروف “إبراهيم المعلم” سألني معلقا على الاحتفالات الباذخة، التي كنا نتابعها من شرفة بالقصر الملكي: “ما الفرق بين ما يجري الآن وبين افتتاح قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل؟!”.

كان السؤال في موضعه والمقاربة فرضت نفسها.

بعد يوم واحد، كان الأستاذ “محمد حسنين هيكل” يلقي محاضرة مدوية بمناسبة مرور (50) عاما على ثورة يوليو من على منصة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، نقلتها مباشرة محطة “دريم” على مسؤولية مديرها في ذلك الوقت “أسامة الشيخ” ومديرة برامجها “هالة سرحان”.

ثم أعادت المحطة الفضائية الخاصة بثها مرتين، دون أن يلتفت أحد من القيادات الرسمية– كلهم كانوا بصحبة الرئيس في الإسكندرية– إلى ما يجري في القاهرة وأصداء محاضرة “هيكل” التي طرح فيها سؤال شرعية السلطة في مصر داعيا إلى الانتقال من عصر إلى عصر، وليس من رجل إلى آخر، متطرقا إلى سيناريو “التوريث” تحت عنوان: “المستقبل.. الآن”.

عندما التفتت السلطات– المشغولة بالأجواء الإمبراطورية في الإسكندرية– إلى المحاضرة المدوية، هرعت إلى منع إعادة بثها على “دريم” للمرة الثالثة، وقيل إن الأسباب “فنية”!

بدأت حملة ضغط على الصحف الحزبية والمستقلة قادها وزير الإعلام “صفوت الشريف” بنفسه لعدم نشر نصها.

وقد امتنعت جميعها باستثناء صحيفة “العربي” عن النشر.

قيل إن النشر يعد استفزازا للرئيس، ولا أحد يعرف ماذا سوف يكون رد فعله.

أبلغت الوزير واسع النفوذ في بنية نظام الحكم، أن “الأستاذ هيكل رجل له اسمه ووزنه ويستطيع تحمل مسؤولية ما يقوله”.

قال: “ولكن الرئيس مبارك سوف يقول، إنك أنت من نشرت”.

قلت: “وأنا مستعد أن أتحمل المسؤولية كاملة”.

عاد ليقول: “لكني أرجوك ألا تشر في العناوين إلى سن الرئيس”.

قلت: “أوافق فهذه ليست قضيتي”.

كان الحوار، ممكنا، وهو ما يكاد يغيب تماما الآن.

هذه إشارة خطر ماثلة في المشهد السياسي المصري يصعب تدارك تداعياتها بقوة الأمن وحده.