مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو من يسيطر على هذه المدينة أو تلك، ولا من يتقدم ميدانياً ومن يتراجع، وإنما ماذا تبقى من الاقتصاد السوداني بعد أكثر من ثلاث سنوات من الاستنزاف العسكري والسياسي؟

فالحروب عادة ما تترك وراءها دماراً في البنية التحتية وخسائر في الأرواح، لكن ما يشهده السودان اليوم يتجاوز ذلك إلى تفكيك تدريجي لأهم ركائز الاقتصاد الوطني. وبينما تتواصل المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع، تتراجع الزراعة، وتتسرب موارد التعدين، وتتعطل سلاسل الإنتاج والتوزيع، فيما يواصل الجنيه السوداني رحلة الهبوط أمام العملات الأجنبية بصورة غير مسبوقة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، اقترب الدولار من حاجز الستة آلاف جنيه في بعض التعاملات، وسط أحاديث متزايدة عن تفضيل بعض المتعاملين في مناطق الإنتاج التعامل بالذهب أو العملات الأجنبية، بدلاً عن العملة الوطنية. ومثل هذه المؤشرات لا تعكس أزمة سعر صرف فحسب، وإنما أزمة ثقة في الاقتصاد والدولة معاً.

الأزمة كشفتها بوضوح الأرقام، التي أعلنتها الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية خلال مؤتمر صحفي بمدينة بورتسودان. فبحسب البيانات المستندة إلى إحصاءات بنك السودان، بلغت صادرات الذهب خلال الربع الأول من العام الحالي نحو 370 مليون دولار، بينما بلغت فاتورة استيراد الوقود 697 مليون دولار، أي بفجوة تمويلية تجاوزت 326 مليون دولار، وهو ما شكل ضغطاً إضافياً على سوق النقد الأجنبي، وأسهم في تدهور سعر الصرف.

لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق، كان ما كشفه المؤتمر عن إنتاج السودان لنحو سبعين طناً من الذهب خلال العام الماضي، في حين لم يتم تصدير سوى أربعة عشر طناً عبر القنوات الرسمية. أما الستة والخمسون طناً الأخرى فقد ظلت خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، بقيمة تتجاوز سبعة مليارات دولار، وهو مبلغ يكفي لتغطية احتياجات البلاد من الوقود والقمح والدواء لعام كامل.

هذه الأرقام لا تشير إلى أزمة موارد، بقدر ما تشير إلى أزمة إدارة وحوكمة. فالدولة التي تعجز عن استقطاب هذا الحجم من الذهب إلى القنوات الرسمية، تجد نفسها مضطرة للبحث عن حلول إسعافية لمعالجة نقص النقد الأجنبي. وفي هذا السياق، أثار قرار بنك السودان بإلزام الشركات الراغبة في استيراد الوقود بإيداع مائتي كيلو جرام من الذهب كضمان عيني جدلاً واسعاً داخل الأوساط الاقتصادية. فبدلاً من معالجة جذور الأزمة المتمثلة في ضعف الصادرات واتساع نطاق التهريب، بدا القرار وكأنه محاولة لنقل عبء الأزمة إلى القطاع الخاص، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش وارتفاع التكلفة.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، تقف الزراعة السودانية أمام أزمة لا تقل خطورة. فقد أطلق تحالف مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل تحذيرات غير مسبوقة بشأن تراجع الإنتاج الزراعي؛ نتيجة العطش وارتفاع الرسوم وتدهور خدمات الري وضعف التمويل. وأشار التحالف إلى خروج أعداد كبيرة من المزارعين من دائرة الإنتاج، بعد أن اضطر بعضهم إلى استئجار أراضيهم أو اللجوء إلى الديون لتوفير احتياجات أسرهم.

كما كشف التحالف عن تدني إنتاجية عدد من المحاصيل الرئيسية إلى مستويات مقلقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات ذلك على الأمن الغذائي ومستقبل الموسم الزراعي المقبل. والمفارقة، أن هذه التطورات تحدث في مشروع ظل لعقود يمثل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي السوداني وأحد أهم مصادر النقد الأجنبي.

ولم تعد الأزمة محصورة في الذهب والزراعة فقط، بل امتدت إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد. فالتطورات العسكرية في شمال كردفان تثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل مدينة الأبيض، التي تمثل مركزاً اقتصادياً ولوجستياً بالغ الأهمية. فالمدينة ليست مجرد عاصمة إدارية للولاية، وإنما عقدة مواصلات تربط دارفور وكردفان بوسط السودان وشرقه، وتشكل محطة رئيسية لحركة المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية والسلع الاستهلاكية.

ومع تصاعد الحديث عن محاولات قوات الدعم السريع فرض حصار على المدينة من عدة محاور، تتزايد المخاوف من تعطيل أحد أهم شرايين الاقتصاد الوطني، خصوصاً في ظل التجارب القاسية، التي شهدتها مدن أخرى، تأثرت بالحصار والعمليات العسكرية الممتدة.

اقتصادياً، لا يمكن فصل هذه التطورات عن الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ داخل المعسكر الداعم للسلطة نفسها. ومع تراجع الموارد وارتفاع تكلفة الحرب، أصبحت المنافسة على النفوذ الاقتصادي والسياسي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق، جاءت العقوبات الأمريكية التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر 2025 على وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، إلى جانب لواء البراء بن مالك، لتضيف تعقيدات جديدة إلى المشهد. فالعقوبات لم تستهدف شخصية سياسية فحسب، وإنما طالت المسؤول الأول عن إدارة السياسة المالية للدولة، كما ارتبطت باتهامات أمريكية، تتعلق باستمرار الحرب وتعطيل جهود التسوية وتعزيز العلاقات مع إيران.

وبغض النظر عن الموقف من العقوبات، فإنها تعكس حجم التحديات التي تواجه السودان على المستوى الخارجي، وتكشف حجم التداخل بين الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية في بلد بات ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية متزايدة.

ولا يبدو أن حكومة كامل إدريس نجحت حتى الآن في تقديم رؤية اقتصادية قادرة على وقف هذا التدهور. فبعد عام من تشكيلها ما تزال المؤشرات الأساسية تسير في الاتجاه الخاطئ. الجنيه يواصل الانهيار، والتضخم يتصاعد، والقطاعات الإنتاجية تتراجع، بينما تتسع الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات الفعلية للاقتصاد.

لقد دخلت الحرب عامها الرابع، لكن الخسارة الأكبر لم تعد تقاس بعدد المناطق، التي تتبدل السيطرة عليها، وإنما بحجم ما يفقده السودان من موارده وقدراته الإنتاجية ومؤسساته الاقتصادية. فالذهب يتسرب خارج القنوات الرسمية، والزراعة تتراجع تحت وطأة الحرب والإهمال، وسلاسل الإنتاج تواجه مخاطر متزايدة، فيما تتآكل قيمة العملة الوطنية بصورة يومية.

وفي بلد يمتلك من الموارد ما يؤهله ليكون أحد الاقتصادات الصاعدة في المنطقة، تبدو المعضلة الحقيقية في الصراع على السلطة والثروة أكثر من كونها أزمة ندرة في الموارد. ولذلك، فإن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط كيف تتوقف الحرب، بل كيف يمكن إنقاذ الاقتصاد، قبل أن يصبح أحد أكبر ضحاياها؟