ليس في دول الخليج كلها أحمد بهاء الدين آخر للأسف، أو لعل هناك كثيرين من نموذج الأستاذ بهاء، ولكنهم صامتون لأسباب يعلمها الجميع، بل لعل بعضهم تحدث، ولكن صوته ضاع في الزحام.

أحمد بهاء الدين هو الذي واجه نظام جمال عبد الناصر، وواجه الرأي العام في مصر بعيوبنا البنيوية، التي تسببت في هزيمة ١٩٦٧ أمام إسرائيل، واعتبرها امتداداً لهزيمة ١٩٤٨، قائلا إن سبب الهزيمتين واحد، وهو التخلف الحضاري الحداثي، وذلك في وقت انشغل النظام الحاكم والرأي العام بالأسباب الجزئية، مثل أخطاء الحسابات والمعلومات، وتسيب وإهمال القيادة العسكرية، والخديعة الأمريكية… إلخ، وهي كلها أسباب صحيحة، لكنها تبقى جزئية، كما سبق القول، بل وتدخل تحت العنوان الأكبر، وهو التخلف الحضاري الحداثي، الذي واجهنا به الرجل دون مواربة.

من الضروري، بل ومن الأخلاقي بمعايير الانتماء المشترك للدائرة العربية الإسلامية، أن نصارح الإخوة الخليجيين، بأن مشكلاتهم الكبرى- وعلى رأسها التهديد الأمني والفراغ الاستراتيجي- هي نتاج بنية مجتمعاتهم، وموروثاتهم التاريخية، ورهانات حكوماتهم، قبل وجود نظام الملالي في إيران، وبعده، وقبل جريمة صدام حسين الإجرامي بغزو الكويت، وبعد سقوط صدام، وتفكك العراق نفسه. وإذا افترضنا أن النظام الإيراني الحالي قد سقط، فليس هناك ما يضمن أن النظام  الجديد في طهران لن يدخل في المستقبل في نزاعات مع جيرانه الخليجيين، لأسباب جيوبولتيكية أو اقتصادية، وليس هناك ما يضمن أن تشكل إسرائيل مصدر هيمنة وتهديد أو ابتزاز لدول ومجتمعات الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، بوصفها دولة مجاورة، داخلة بجزء من أراضيها في مشروع إسرائيل الكبرى، وذلك عندما تصبح هي الدولة الإقليمية العظمى الوحيدة، المتحالفة مع الجناح الإمبريالي العنصري في الولايات المتحدة، بفرض نجاح خطتهم نحو إيران وحلفائها.

ما هي أولا تلك العيوب وأوجه القصور البنيوية في مجتمعات ونظم الحكم الخليجية الموروث منها والمستجد، والتي قلنا إنه يجب مواجهة الإخوة هناك بها، مثلما فعل أحمد بهاء الدين في مصر بعد هزيمة ١٩٦٧، كما ذكرنا؟ وما هو العمل، أو ما هي الوصفة المقترحة للعلاج؟

 المشكلة الكبرى في الخليج قاطبة، عدا السعودية نسبيا هي التركيبة السكانية المختلة، حيث تنخفض نسبة المواطنين إلى الوافدين بشدة، كما أن حجم المواطنين بصفة عامة يبقى دون الحجم الأمثل للسكان، قياسا إلى الموارد، وفق كل النظريات الاقتصادية، وبالطبع ينتج عن ذلك صعوبة تكوين جيوش يعتد بحجمها لخوض معارك حديثة كبيرة دفاعا أو هجوما، مهما أُنفق على التسلح من أموال، ومهما تبلغ درجة حداثة وفعالية السلاح، ويضاف إلى ذلك بالطبع انعدام خبرة وممارسة الحروب الحديثة بالمطلق، والتي لا يتوقع اكتسابها في المستقبل المنظور للسبب سابق الذكر.

 في ذات الوقت، فإن الانقسام المذهبي الموروث في المنطقة برمتها، هو دائما سبب كامن للتوتر الداخلي، ومن ثم، فهو يشكل خَصما (بفتح الخاء) من المورد السكاني للجيوش الحديثة، مثلما يشكل حالة وصم دائمة للحكومات، بعدم احترام حقوق المواطنة المتساوية، الأمر الذي يجعل قسما من مجتمعات الخليج عرضة لمؤثرات خارجية باسم المذهب، تؤدي إلى حالة اضطراب في الولاء الوطني، أو حالة اغتراب عن المجتمع والدولة.

 إن القوة العسكرية تأتي دائما في مقدمة أدوات السياسة الخارجية للدول، منذ أقدم العصور، وحتى يومنا هذا، وهي ما يسمى بالقوة الخشنة، وقد يلحق بها أحيانا الضغوط الاقتصادية، كالعقوبات، أو الحظر التجاري، أو زيادة التعريفات الجمركية، وهذه أيضا لا تتوافر لمعظم الدول الخليجية، التي لا تملك من الأدوات الخشنة في مجال الاقتصاد، سوى حجب المعونات، أو سحب الودائع، وربما طرد العمالة الوافدة، برغم الاحتياج إليها.

 أما رهانات الحكومات الخليجية كلها على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ورهان بعض تلك الحكومات مؤخرا على دور عسكري إسرائيلي كبير، فقد ثبت أنها لا تكفي لضمان الأمن والاستقرار، كما رأينا جميعا، والأفدح أنها أقحمت دول الخليج في حرب ليس فقط دون موافقتها، ولكن دون علمها أيضا، وهي حرب تُجمع المصادر الأمريكية على أنها اندلعت بتحريض من إسرائيل، ولحسابها، وليس لحساب الولايات المتحدة، وبالطبع ليست لحساب الخليجيين، بل على حسابهم، كما أسلفنا.

وأخيرا، فلدينا مأخذ خطير على الإخوة الخليجيين، يجب أن نجابههم به على طريق الأستاذ أحمد بهاء الدين، وهو بأسهم الشديد بينهم عند أول بادرة خلاف، وشعور الغيرة المتبادل بين الأسر الحاكمة، الأمر الذي جعل تجربة مجلس التعاون الخارجي تتعثر إلى حد الشلل، ولا تغني ولا تسمن في وعد ملأ الفراغ الاستراتيجي في الإقليم.

  وإذن لا يتبقى أمام دول الخليج سوى أدوات القوة الناعمة للحفاظ على أمنها، وعلى دورها، وهذا يتطلب أن يكون لمعظم الجيران، ومعظم القوى العالمية مصالح حيوية في استقلالها واستقرارها، وهو ما كان يحدث بمستويات معقولة قبل إقحامها في الحرب الأخيرة، ولكن تبقي هناك حاجة للمزيد في مجالات التعليم والثقافة والبحث العلمي… إلخ، كما تبقى هناك حاجة ماسة إلى عدم التورط في النزاعات الإقليمية، وإلى عدم التدخل المريب في الشئون الداخلية للدول الأخرى بالتمويل، أو التسليح، أو الإعلام… إلخ.

 كل هذا أي تفعيل القوة الناعمة لدول الخليج يتطلب إطارا إقليميا يعتمد مبادئ حسن الجوار والتعاون والأمن الجماعي، وهذا ما شرحناه في مقال سابق هنا بعنوان الحوار المفقود بين الضفتين، كما يتطلب عقدا اجتماعياً جديدا بين الحكومات وبين المواطنين هناك، على أساس مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات والمشاركة السياسية (قولا واحدا ونهائيا).