يحتاج الإصلاح أولا إلى رغبة أو قناعة بأهميته، ثم تأتي بعد ذلك إرادة الإصلاح، التي تتطلب شجاعة ورؤية وقاعدة شعبية داعمة، وإذا لم تكن هناك رغبة أو قناعة، بأن البلد يحتاج لإصلاح، فإن الأمر يكون في هذه الحالة منتهيا ولن ننتظر إصلاحا، أما إذا كانت هناك رغبة في الإصلاح، فإنها وحدها لا تكفي، إنما لا بد أن تكون هناك إرادة لدفع ثمن الإصلاح وقاعدة شعبية تدعم خياراته، وهو غير  متاح في كل الأحوال، لأن الإصلاح لا يعني أساسا أن يدفع المواطنون ثمنه بضرائب باهظة وتضخم وغلاء فاحش، دون أن يشعروا أن العائد هو لصالحهم، فلا يمكن مثلا في حالة بلد مثل مصر أن يكون مقابل ما يتحمله الناس هو مدينة جديدة مثل The Spine تضم ١٦٥ برجا، وتكلف ٢٧ مليار دولار، أو غيرها من المشاريع المشابهة التي غابت عنها دراسة الجدوى، ولم تكن تمثل أولوية لغالبية المصريين. .

والحقيقة، أن الإصلاح الاقتصادي في أي بلد له ثمن، يدفعه الناس مقابل تنمية وتقدم وبناء قاعدة صناعية وزراعية قوية ومضاعفة القدرات التنافسية والتصديرية، وخطط تقشف تلتزم بها الدولة قبل الشعب، وهي كلها أمور تمثل أولوية لأي مشروع إصلاحي حقيقي قادر على تقدم البلد.

صحيح، أن مصر شهدت تطورا في بعض المجالات، ورأينا شبكة طرق حديثة، تربط بين كثير من المحافظات والمدن ولكنها باتت تحتاج بشكل فوري إلى تحديد الأولويات بشكل صحيح لصالح مشاريع مدروسة ومنتجة.

أما الإصلاح السياسي، فقد كان هناك توجه واضح في السنوات العشرة الأخيرة، إلى أنه لا يمثل أولوية، وأن الأولوية يجب أن تكون للإصلاح الاقتصادي، وثبت أن كل جوانب الخلل الموجودة في “الإصلاح الاقتصادي” من غياب الأولويات الصحيحة والتركيز على المشاريع التي لا تجلب عائدا وكثير منها غير منتج، كل ذلك، كان بسبب غياب الإصلاح السياسي وغياب الرقابة على أداء الدولة الاقتصادي من مؤسسات سياسية مستقلة ومنتخبة.

إن أزمة النظام السياسي المصري لا تكمن فقط في عدم قيامه بأي إصلاحات سياسية تؤسس لدولة قانون ديمقراطية، إنما أساسا في إضعاف قدرة أي مؤسسة سياسية أو غير سياسية على الفعل المنظم والتأثير في الرأي العام والرقابة على الحكومة.

وقد أصبح الفعل السياسي محفوفا بالمخاطر ليس فقط أو أساسا بسبب القيود المفروضة على حركة الأحزاب والقوى السياسية، إنما أيضا نتيجة مناخ غابت عنه أي قواعد أو قوانين، وفرضت  بالتالي على كثير من ممارسي العمل السياسي ارتكاب أخطاء، قد لا تختلف كثيرا عن الأخطاء التي ترتكبها أحزاب الموالاة (إلا في الشكل والشعارات)، +ناهيك عن أن هذا المناخ الرخو جعل انشغال القوى السياسية بمشاكلها ومؤامرتها الداخلية أكبر من انشغالها بمشكلات الوطن، حتى لو تكلمت من الصبح إلى المساء فيها، فهي غير قادرة على التأثير؛ لأن الدولة تحتكر الحديث عن هذه المشاكل ، ولا تقبل حتى الآن أن يشاركها أحد في تحديدها أو تصحيحها.

الإصلاح السياسي، لا يعني فورا تداول السلطة بشكل سلمي، إنما يعني وجود هامش سياسي، يستطيع المجتمع الأهلي والمبادرات الشعبية، أن تراقب وتدخل في المسار الحكومي، حتى لو أخطأت في بعض تقديراتها، فإن خطر استبعاد المجتمع أسوأ بكثير من وجوده، حتى لو لم يكن على صواب.

إن وجود مسؤولين محصنين وفوق المحاسبة والرقابة الشعبية جعلهم يهينون موظفيهم علنا، ويحرصون على اللقطة والشو والصرف بدون حساب، أكثر من اعتماد العلم ودراسات الجدوى، التي كانت ستقيد كثيرا من مشاريعهم في الكباري والمحاور وتضعها في الإطار المطلوب.

وقد تبدو الصورة قاتمة على مستوى فرص الإصلاح السياسي والاقتصادي؛ لأنه لازالت هناك قناعة بعدم وجود أولوية للإصلاح، أو اعتبار أن الإصلاح الذي يدفع حتى اللحظة المواطن ثمنه هو “النجاح والكمال”، ومع ذلك، فإن معادلة الإصلاح ستظل مطروحة، في حال اقتنع الحكم أن المسار الحالي لن يؤدي إلى إنجاز اقتصادي وسياسي حقيقي، لأن الواقع السياسي بكل عشوائيته والقيود المفروضة عليه غير قادر على فرز بديل إصلاحي من قلب الفاعلين السياسيين، ولكن ربما سيفرزه من “غير الفاعلين”، وهؤلاء قد يكون بعضهم من السياسيين الغير منغمسين في تفاصيل العمل اليومي والمؤامرات الحزبية، ولا يلهثون وراء مقعد في قائمة مضمونة النجاح، ولديهم رؤية  نقدية للأوضاع الحالية وأداء الدولة، وقادرين على الخروج من “العمى الأيديولوجي” ويقرأون الواقع كما هو، وهؤلاء يمكن أن يساعدوا “الإصلاحيين الكامنين” داخل مؤسسات  الدولة  على أخذ المشرط وبدء عملية إصلاح مصر “بالجراحة”.

إن أهم صفة في هؤلاء الإصلاحيين، أنهم لم يصبحوا جزءا من الواقع السياسي الحالي، فجلبوا بلطجية للنجاح في انتخابات لم يشارك فيها تقريبا أحد، أو دفعوا عشرات الملايين من الجنيهات للحصول على حصانة برلمانية، تحمي أنشطتهم المالية.

إن “الإصلاحيين الكامنين” و”الإصلاحيين المعلَنين” لن يستطيعوا أن يساهموا في تغيير الأوضاع القائمة، إلا في حال ظهر مزيد من “السياسيين العاقلين” والراغبين في إصلاح النظام (لا هدمه)، وقادرين على تقديم خطاب يشعر معه كل مواطن كفؤ ونزيه داخل الدولة بالاطمئنان.

مسار الإصلاح قادم إذا شعر المؤمنون بالإصلاح أو غير المؤمنين به، ممن يعتبرون أن ما يجري حاليا “عين الإصلاح”، أن البلد يعاني من أزمة عميقة؛ نتيجة سوء أداء داخلي عززته المخاطر الإقليمية والدولية.