منذ نحو أسبوعين، أعلن البنك المركزي عن رقم جديد لتحويلات المصريين في الخارج، الرقم المعلن فاجأ الكثيرين، لكونه قد قفز بالتحويلات إلى أرقام قياسية وغير متوقعة. حيث ارتفعت التحويلات في النصف الأول من السنة المالية 25/ 2026 إلى 22,1 مليار دولار، مرتفعا بذلك إلى نسبة 29,6% مقارنة بذات الفترة من العام المالي السابق 24/ 2025 وكانت فقط نحو 17,1 مليار دولار. وكانت التحويلات قد وصلت في شهر ديسمبر 2025 لرقم قياسي آخر لم تبلغه أية تحويلات شهرية للمصريين في الخارج، إذ بلغت 4 مليارات دولار.

الحرب الأمريكية الإيرانية تهدد التحويلات

ولأن تحويلات العاملين في الخارج تتأثر عادة بمناخ الاستقرار الدولي والإقليمي، فإن هذا الأمر دفع للخشية من تأثر تحويلات المصريين في الخارج بالحرب الصهيو- أمريكية على إيران، والتي بدأت بعدوان الطرفين على إيران، وما تبعته من عدوان إيراني على كل من السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر وعُمان، وذلك ردا على وجود تسهيلات قدمتها تلك البلدان- إضافة إلى الأردن- إلى الولايات المتحدة، سواء من خلال وجود قواعد عسكرية أو عبر طرائق أخرى كعبور الطائرات والمسيرات في مجالاها الجوي باتجاه إيران.

مؤثرات على تحويلات العاملين من البلد المصدر

وتتأثر تحويلات العاملين بالخارج بعديد الأمور، يمكن تناول أهمها فيما يلي: –

1- عدد العاملين في الخارج: هنا يتناسب عدد العاملين تناسبا طرديا مع كم المال المحول من البلد المُضيف، وفي حالة مصر، فإن لمصر نحو أربعة عشر مليون مصري، يعملون في الخارج أكثر من 70% منهم، يعملون في بلدان الخليج العربي والأردن وليبيا.

 2- نوع العمالة المصدرة إلى الخارج: هذا العامل يتناسب طرديا مع نسبة الأموال المحولة إلى البلد المُصدر للعمالة. وهنا يشار إلى أن مصر تتسم بتنوع العمالة المُصدرة إلى الخارج بين عمالة مهنية (أطباء/ مهندسون/ مدرسون/ محاسبون/ إداريون….) وعمالة فنية ماهرة (عمال النجارة/ الحدادة/ الكهرباء/ الدهانات/ قيادة السيارات/….).

 3- حالة عدم الاستقرار في البلد المُصدر للعمالة: هنا تتناسب الحالة الأمنية في البلد المُصدر تناسبا طرديا مع حجم التحويلات. في هذا الصدد، يلاحظ أن كم التحويلات المالية إلى مصر قد تأثر سلبا بمناخ عدم الاستقرار خلال الفترة من 2011- 2016، إذ ساهم اضطراب الأوضاع الداخلية في مصر في عدم استقرار التحويلات، ولربما عدم زيادتها، على عكس الأوضاع الراهنة.

4- الحالة الاقتصادية للدولة المُصدرة للعمالة: تعتبر تلك الأوضاع من أهم العوامل المطمئنة أو المحبطة للعاملين في الخارج لتحويل مدخراتها للبلد الأم. فقيمة العملة المحلية، وحجم الدين الخارجي، وحجم الحوافز الممنوحة للعاملين، وتطور أسعار السلع أو ما بات يعرف بمعدلات التضخم. كل ما سبق هو من الأمور التي تجعل التحويلات تغيض أو تزداد. في حالة مصر، كانت طبيعة الأوضاع الاقتصادية منذ عقد مقارنة بما هو حادث اليوم، هو أكبر شاهد على تأثير هذا العامل على حجم التحويلات.  

حال البلد المُستقبل للعمالة

بالمقابل هناك أوضاع تؤثر بشكل جوهري على تحويلات العاملين بالخارج، في البلد المُستقبل للعمالة: –

1- حالة الاستقرار السياسي في البلد المَضيف: هنا تنخفض العمالة، وتتجه إلى العودة للبلد المصدر أو إلى دولة ثالثة، إذا كانت تلك الحالة تتسم بعدم الاستقرار. في حالة مصر شهدت العمالة المصرية في دولة كليبيا عودة للعمالة بعد أحداث التدهور الأمني عام 2011 وما تلاها.

2- طبيعة العلاقات بين الدولة المَضيفة والدولة المُصدرة للعمالة: هنا تميل العمالة ومن ثم حجم تحويلاتها المالية للتأثر بالعلاقات بين الدولة المُستقبلة والمُصدرة للعمالة.

 وفي حالة مصر، حدثت مشكلات كثيرة بشأن وضع العمالة في دولة كليبيا، عندما وقع الخلاف بين البلدين إثر توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل عامي 1978 و1979 على التوالي. كما حدث أمر مشابه أقل حدة بكثير بين مصر والكويت، فيما عرف بأحداث خيطان عامي 1998/1999.

3- طبيعة المناخ الاقتصادي في الدولة المُستقبلة للعمالة، وهنا تتأثر التحويلات تأثرا كبيرا بالوضع الاقتصادي المتصل بأسعار السلع والخدمات في الدولة المُستقبلة، وطبيعة الميزان التجاري وميزان المدفوعات وقيمة العملة المحلية فيها. هنا يلاحظ أن العمالة المصرية تتركز في بلدان الوفورات المالية النفطية، والقليل منها في البلدان الغربية المتقدمة، ما يجعل كم التحويلات كبيرا. كما أن الأوضاع الاقتصادية في بلدان النفط العربي قد أثرت على كم التحويلات إلى مصر، وقد رأى المصريون أن تلك التحويلات قد انخفضت بشدة بفعل تدهور أسعار النفط في بلدان الخليج لما دون الـ10 دولارات للبرميل عام 1986، بسبب الحرب العراقية الإيرانية.  

4- مدى الحاجة إلى العمالة الأجنبية: كلما كانت هناك رغبة من قبل البلد المضيف للاحتياج لعمالة بعينها، فتح ذلك الباب أمام كثرة التحويلات للبلد المصدر والعكس صحيح. في بداية الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980 زادت التحويلات بفعل ذهاب مئات الآلاف من المصريين للعراق لتعويض ذهاب العراقيين إلى ميدان المعركة. وفي العقود الثلاثة الأخيرة، اتجهت عديد من بلدان الخليج إلى توطين الأعمال الإدارية المهنية والفنية، فيما عرف بسعّودة أو تكّويّت الوظائف والأعمال.. إلخ. هذا الأمر يؤثر حال استمراره في الحد من الاعتماد على العمالة المصرية وغير المصرية في تلك البلدان.      

أثر الحرب الأمريكية على إيران على التحويلات

وارتباطا بالحديث عن المناخ الإقليمي وأثره على تحويلات العاملين، لا شك، أن ثمة آثارا يمكن أن تحدث في هذا الواقع الراهن المتسم بالغموض الشديد؛ نتيجة السياسة الصهيو- أمريكية الاستعمارية في المنطقة. حتى اليوم أسفرت الأمور، فيما يرتبط بتحويلات المصريين العاملين في الخارج عما يلي: –

1- ارتفاع أسعار النفط – وكذلك الغاز- بشكل كبير، بما قرُب من ضعف ثمنها. إذ كانت الأسعار تتراوح قبل الحرب ما بين 60-65 دولارا للبرميل، قفزت في بعض أوقات الحرب لتبلغ ذروتها إلى 128 دولارا، قبل أن تعود لحدود الـ108 دولارات للعقود الآجلة يوم الجمعة الماضي. هذا الارتفاع- من حيث الشكل- يؤدي إلى انتعاش اقتصادي في دول الخليج والبلدان الأخرى ذات الاعتماد على الريوع النفطية، ومن ثم، التأثير الإيجابي على تحويلات العاملين في تلك البلدان، ومنهم المصريون. لكن هذا الأمر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية لشركات النفط والغاز؛ جراء القصف الإيراني للآبار والمصافي ومحطات التكرير في بلدان الخليج العربية، والتي يحتاج إصلاحها مليارات الدولارات، وهو ما يستنزف بالطبع قدرا كبيرا من الآثار الإيجابية لرفع الأسعار.

2- تأثر العلاقات المصرية الخليجية بشكل سلبي، على الأقل على المستوى الشعبي، نتيجة حملات التلاسن على مواقع التواصل الاجتماعي، جراء ما أسماه بعض الخليجيين بعدم قيام مصر بالدفاع عنهم بعد العدوان الإيراني على بلدانهم- ردا على الضربات الصهيو- أمريكية على إيران- بسبب التسهيلات الممنوحة لطرفي العدوان على إيران، الولايات المتحدة وإسرائيل. التلاسن الذي حدث بين بعض المصريين وبعض الخليجيين، وشارك في بعضه رسميون وصحفيون وخبراء وقادة رأي من الطرفين، أمثال د. عبد الخالق عبد الله من الإمارات وعمرو موسى من مصر، أدى إلى حالة من الفتور، مست العاملين المصريين بتلك البلدان، وأعاد إلى الأذهان الحديث القديم/ الجديد عن اعتماد مصر على بلدان الخليج، فيما يتعلق بالعمالة المصرية في تلك البلدان.

على أي حال، حتى اليوم لم يطرأ أي متغير على أوضاع المصريين في الخارج عامة، وعلى العاملين في بلدان الخليج العربي خاصة. لكن من الوارد حقيقة أن تتأثر أوضاع تلك العمالة، إذا استمر العدوان على إيران، واستمر معه حصار مضيق هرمز، لما قد يسببه من مشكلات كبيرة لاختناق اقتصادات تلك البلدان.