في 13 إبريل الماضي، بدأت الولايات المتحدة في فرض حصار بحري على إيران، ليعلن الرئيس الأمريكي ترامب عمليا بتلك الخطوة غلق مضيق هرمز، الذي أحكمت إيران قبل عدة أيام من ذلك غلقه، ثم أعلنت فتحه، ثم شددت من غلقه مرة أخرى، بعد أن حاصرت الأساطيل الأمريكية مواني إيران البحرية، بدعوة أن (لا أنا ولا غيري سيستفيد من المضيق). 

اليوم وبعد مرور الأيام على هذا الحصار الأمريكي الخاص والغلق الإيراني العام له، والرغبة الأمريكية في فتح إيران للمضيق، يصبح السؤال هو كيف تسعى الولايات المتحدة لتعظيم مكاسبها وتقليل خسائرها من غلق المضيق؟

قهر الصين هو أول الاستفادات الأمريكية من الحصار والغلق

وفقا للمؤشرات الخاصة بالطاقة عالميا، تستهلك الصين 12,370 مليون برميل نفط يوميا، وبذلك تحتل المركز الثاني في الاستهلاك العالمي اليومي المقدر بـ102.5 مليون برميل يوميا. وتستورد الصين أكثر من 70% من نفطها من الخارج. ووفقا لموقع الطاقة الإلكتروني العربي في واشنطن، فإن لدى الصين احتياطي استراتيجي من النفط يكفي لـ100 يوم، ويقدر هذا الاحتياطي بنحو 1,16 مليار برميل. وتستورد الصين نصف احتياجاتها من النفط من مضيق هرمز. ورغم أن أكثر احتياجاتها النفطية من دول العالم من النفط تأتي من روسيا (1,6 مليون برميل يوميا)، إلا أن السعودية (1,2 مليون برميل) هي المصدر الثاني لوارداتها، يليها البرازيل (1,1 مليون برميل) فالعراق (966 ألف برميل) فعُمان (820 ألف برميل) فإيران (687 ألف برميل) فالإمارات (661 ألف برميل) فالكويت (417 ألف برميل).

من هنا، فإن غلق مضيق هرمز أسهم في أن يقع التنين الصيني بشكل طبيعي ودون تعمد، فريسة في أنياب النفوذ الأمريكي، وذلك كله للحد من قوة الصين الاقتصادية، وهو ما كان يسعى إليه الرئيس ترامب، منذ أن تولى السلطة العام الماضي، وبرز اقتصاديا بشكل رئيس في فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات من الصين، وسياسيا في دفع التعاون مع تايوان العدو التقليدي للصين لمستويات أرقى وأكبر، إضافة لمحاولة احتواء وجودها المتنامي في المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي، لمنع تنامي قدرتها عبر الغواصات المنتشرة من البلدين في المنطقة للهيمنة الجيو استراتيجية على المحيط.

دعم صادرات النفط الأمريكي

وفقا لما رصده موقع الطاقة الإلكتروني، بلغت صادرات الولايات المتحدة من النفط عام 2025، 6,8 ملايين برميل نفط يوميا. وخلال شهر إبريل 2026 ارتفعت الصادرات وفق نفس المصدر إلى 12,9 مليون برميل يوميا، ما يعني زيادة تصل تقريبا إلى ضعف الصادرات النفطية.

لا شك، أن زيادة الصادرات الأمريكية، والتي يتم جميعها من خليج المكسيك عبر مواني كوربوس كريستي، وهيوستن، وبومونت في ولاية تكساس، قد أفضت إلى عوائد كبيرة، ليس فقط لارتفاع الكم المُصدر إلى الخارج، بل لارتفاع أسعار النفط عالميا من جراء الحرب على إيران.

تلك الزيادة الكبيرة في الصادرات بلغت 56 مليار دولار، وهو إجمالي ما وقعته الشركات الأمريكية من صفقات مع مستثمرين خلال منتدى عقد في طوكيو في مارس الماضي. نفس الأمر حدث بالنسبة للغاز المسال الذي ارتفعت صادراته الأمريكية في هذا الشهر بنسبة 30% مقارنة بنفس الفترة من العام 2025.

كافة تلك الزيادات التي صبت إيجابا، ولا تزال في الاقتصاد الأمريكي رجعت إلى أزمة حصار الولايات المتحدة للمواني الإيرانية وغلق الأخيرة لمضيق هرمز، حيث دفع ذلك عديد البلدان الأسيوية، وهي الزبائن الرئيسة للنفط من منطقة الخليج العربي إلى الاستعانة بالبديل الأمريكي، ثم المرور حتى شرق آسيا عبر قناة بنما، التي تستوعب ناقلات النفط الصغيرة والمتوسطة.

خنق إيران بأقل التكاليف

تسعى الولايات المتحدة إلى دفع إيران إلى تقديم أكبر قدر من التنازلات في المفاوضات، التي تجري عبر باكستان وغيرها، وذلك من أجل إنهاء البرنامج النووي الإيراني والحد من مخاطر البرنامج الصاروخي على إسرائيل. من أجل ذلك كله، أقدمت الولايات المتحدة بدلا من تكلفة الحرب الكبيرة على حصار وخنق المواني الإيرانية كخارك وبندر عباس والإمام الخميني وعسلوية.

الإحصاءات المرتبطة بهذا العمل تشير، إلى أن الولايات المتحدة تتكبد يوميا ما لا يزيد عن 20 مليون دولار من جراء هذا العمل الذي تدفع به البوارج والفرقاطات الأمريكية في دوريات نهارية وليلية لمنع المرور ذهابا أو إيابا.

على الجانب الإيراني، فإن التقديرات تشير إلى أن إيران تتكبد خسائر يومية تقدر بنحو 435 مليون دولار، منها 276 مليون دولار؛ بسبب عدم القدرة على تصدير النفط الخام، وكذلك 159 مليون دولار يوميا؛ بسبب تقويض الواردات من السلع والخدمات، مما يُفضي لارتفاع ثمنها في الداخل الإيراني، ومن ثم تحمل الاقتصاد الإيراني أعباء تضخمية هائلة.

كافة تلك الأمور تصب في مصلحة الولايات المتحدة، لأنه مع مرور الوقت تتزايد الأعباء على إيران، ما يدفع صانع القرار الإيراني لتقديم تنازلات في الملفات محل التفاوض بين الولايات المتحدة في العلن وإسرائيل في الخفاء من جانب وإيران من جانب آخر.

دعم الممر الاقتصادي والاتفاقات الإبراهيمية

لا شك، أن ضمن الأهداف متوسطة المدى التي يسعى ترامب وإدارته لها من غلق المضيق، هي تكريس الاتفاقات الإبراهيمية، للتعاون بين إسرائيل والبلدان العربية، ضمن الهدف الصهيوني الساعي للهيمنة الإسرائيلية على المنطقة بعد القضاء على  كافة الأعداء في محور المقاومة، ممثلا في المحور الشيعي الذي عبر عنه نتنياهو، وكذلك تحييد الأطراف الأقل عداء لإسرائيل، فيما بات يُعرفه نتنياهو بالمحور السني، وذلك من خلال هيمنة استعمارية اقتصادية، ترتبط بمشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يُقضى من خلاله على القضية الفلسطينية برمتها.

الممر الاقتصادي المأمول تأسيسه، والذي يُقترح أن تمر به التجارة من الهند إلى المواني العربية وإسرائيل ثم إلى أوروبا، هو واحد من أهم الأمور التي تهدف إليها الإدارة الأمريكية؛ لتشجيع بلدان المنطقة على الانغماس في التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبه أيضا يتم ضرب عصفور آخر بذات الحجر، وهو الحد من النفوذ الصيني الرامي إلى تأسيس طريق الحرير، أو ما أصبح يسمى بمبادرة الحزام والطريق، التي تجعل التجارة تمر من الشرق إلى أوروبا عبر إيران.

تأكيد السياسة الأمريكية على الفزاعة الإيرانية وتكريس الاعتماد على واشنطن

منذ زمن بعيد تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تدشين إيران في نظر وفكر العالم أجمع وبلدان المنطقة خاصة، بأنها دولة مارقة. ورغم أن السياسة الأمريكية والإسرائيلية في هذا الشأن تُفضي بلا أدنى شك إلى اعتماد إسرائيل كفاعل رئيس غير غريب عن المنطقة، إلا أن الأهم من ذلك أنها تهدف إلى خلق اعتماد متزايد على الولايات المتحدة كطرف دائم، يُلقي بطوق النجاة لكل من يتشكك في النوايا الإيرانية.

الاتجاه السابق يدعم مبيعات السلاح الأمريكي للمنطقة، ويزيد من فرص انغماس إسرائيل في التعاون مع البلدان العربية، خاصة الإمارات العربية المتحدة، ويزيد من فرص التنافر السني-الشيعي، ويُضعف من قوة الأطراف المعادية لإسرائيل، ويُصيب البعض الآخر باليأس من إيجاد منظومة أمن قومي عربي إسلامي، ومن باب أولى أمن قومي عربي خالص.

رفع العبء الأمريكي عن حماية أوروبا ودول الناتو

كثيرا ما يصف الرئيس الأمريكي ترامب، بأن حلف الناتو قد خذله، وأنه لم يعد للولايات المتحدة من بد من الخروج منه، فهو على حد وصفه “نمر من ورق”. يشير ترامب دوما إلى أن الحلف تخلى عنه، عندما طالبه بالدفاع عن مضيق هرمز خاصة، من خلال تحمل أعباء عسكرية مع الولايات المتحدة، وكذلك الانغماس في الحرب مع إيران عامة عبر أمور، أقلها منح تسهيلات عسكرية أوروبية بغرض قصف إيران بالقنابل وإمداد الطائرات المغيرة على إيران بالوقود وتأمين إقلاعها وهبوطها.. إلخ، كل ذلك جعل ترامب يُدرك -رغم مرارة الموقف- حتمية الاستفادة من التراجع الأوروبي، ومن ثم الخروج من هذا الموقف المفاجئ له بالمستفيد، وهي ذات عقلية التاجر التي تتملك منه.

فرص أخرى

هكذا يسعى ترامب للاستفادة من غلق مضيق هرمز، رغم الخسائر التي بدأت تظهر ممثلة في النقمة الشعبية الداخلية من ارتفاع سعر جالون البنزين، والخوف من أن تؤثر الحرب سلبا على نتائج انتخابات الكونجرس التي مقرر لها أن تجري مطلع نوفمبر القادم.