هل تستطيع الإمارات مواجهة الشبكات المالية الإيرانية داخلها؟ يفرض ذلك السؤال نفسه على العلاقات بين البلدين، خاصة بعدما تعقدت مسارات وتقاطعات هذه الشبكات على مدار عقود، مستفيدة من برجماتية أبوظبي ورغبتها في تقديم نفسها كواجهة استثمارية أولى بمنطقة الخليج العربي.
تنفذ الإمارات في الوقت الحالي حملة ممنهجة ضد الشبكات المالية الإيرانية داخلها، بعدما ظلت لعقود شريانا ماليا حيويا للطرفين، فأبوظبي استفادت من تدفق رؤوس الأموال الإيرانية وتنشيط أعمال إعادة التصدير وتعزيز صورتها كمحور تجاري رئيسي بالخليج، وطهران تمكنت من تحويل عائدات النفط إلى عملات صعبة، تلتف بها على العقوبات الغربية.
الحملة التي تنفذها أبوظبي ـ تضمنت توقيف عشرات الصرافين المرتبطين بالحرس الثوري الإيراني وإغلاق شركاتهم ومصادرة أصولها، وسحب تصاريح الإقامة، بما فيها “التأشيرات الذهبية” المرموقة للإيرانيين المرتبطين بالنظام، لكن تلك الجهود، التي تشنها أبوظبي تبدو عاجزة.
يملك الحرس الثوري منظومة معقدة، بناها على مدار عقود لاستغلال القطاعين التجاري والعقاري بالإمارات، ما جعل الإمارات اقتصادا موازيا عميقًا، يضم مئات الشركات الوهمية عبر شبكات من الرعايا الأجانب الموثوق بهم، ممن يحملون إقامات في الخارج.
الشبكات الإيرانية عملت أيضاً مع شركاء محليين إماراتيين، قدموا رعاية تجارية، ما سمح بإخفاء النفوذ الإيراني وراء شركات تبدو ظاهريا، إنها إماراتية، وذلك في خضم استحواذ الإمارات على نحو 80% من حجم التجارة بين إيران ودول الخليج بحجم تبادل تجاري بلغ 23 مليار دولار في 2011، واستمر حتى مع العقوبات الغربية عند 15 مليار دولار سنوياً.
أبوظبي “المجروحة” تقف في المنتصف
تتعقد المشكلة التي تواجه أبوظبي المجروحة من كثافة الهجمات الإيرانية، التي تلقتها في الحرب الأخيرة، فطبيعة الاقتصاد المفتوح المعتمد على التدفق الحر للأموال وحركة التجارة العالمية، يتيح للشبكات غير المشروعة سواء الإيرانية أو المملوكة لأي دولة في العالم استغلال المساحات التجارية الواسعة والشركات الوهمية لإخفاء هوياتها.
في الوقت ذاته، تتقدم الإمارات خطوة في ملف التصعيد مع طهران وتتراجع خطوة، فوسط الانتقادات الإعلامية، ذكر تقرير لوكالة رويترز أن الإمارات وافقت على الإفراج عن أموال لصالح إيران بقيمة تصل إلى 10 مليارات جرى تحويل أكثر من 3 مليارات دولار منها بالفعل، في إطار تفاهم أوسع مرتبط بخفض التصعيد ووقف الهجمات على الأراضي الإماراتية. إلا أن وزارة الخارجية الإماراتية من جانبها، قالت في بيان، أن هذه “المزاعم غير صحيحة ولا تستند إلى أي وقائع أو معلومات موثوقة، مشددةً على أنه لم يتم الإفراج عن أو تحويل أو نقل أي أموال إيرانية مجمّدة عبر دولة الإمارات”.
بلومبرج كشفت هي الأخرى، أن الإمارات وإيران عقدتا اجتماعاً أمنياً، يعد الأول من نوعه منذ تصاعد موجة العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت في 28 فبراير، مضيفة أن أبوظبي هي التي بادرت بالدعوة للاجتماع من أجل تحقيق انفراجة مع طهران، في الوقت الذي تعزز الإمارات تركيزها نحو تقليل الأضرار باقتصادها وأمنها.
تعاني الإمارات من “ضوابط” في علاقاتها مع طهران، فهي تضم جالية إيرانية ضخمة لها معاملات تجارية مشروعة وتاريخية، مما يجعل من الصعب فصل الأموال الإيرانية المهربة عن الاستثمارات العادية دون الإضرار ببيئة الأعمال، فالتقديرات غير الرسمية تشير إلى أن الإيرانيين يشكلون نحو 5% من سكان الإمارات، أي ما بين 500 إلى 600 ألف شخص.
تعرف إمارة مثل دبي، أن الإضرار بالإيرانيين يعني الإضرار باقتصادها، إذ سُجّل نحو 8 آلاف شركة وتاجر إيراني داخل اقتصاد الدولة الخليجية الصغيرة، لكن ذلك الرقم لا يتضمن أعدادا أكبر بكثير من الشركات المشتركة، التي يوجد فيها شركاء إيرانيون مع إماراتيين، فالاستثمارات الإيرانية في الإمارات تتراوح بين 200 و300 مليار دولار، تحتلّ بها المرتبة الثانية بعد الاستثمارات الأمريكية.
ربما كان ذلك الوازع وراء تحذير غرفة التجارة الإيرانية- الإماراتية من تسييس العلاقة الاقتصادية، فحجم الصادرات الإماراتية إلى إيران بين 22 و25 مليار دولار سنوياً، شملت الهواتف وأجهزة الكمبيوتر والسلع الاستهلاكية والمواد الوسيطة، أي أن الشراكة التجارية تصب في صالح الإمارات أكثر.
مياد مالكي، كبير استراتيجيي العقوبات السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، والباحث البارز حاليًا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، يقول إن الإمارات ليست مجرد مركز واحد من بين مراكز عديدة للتحايل على العقوبات، فهي بمثابة “الغسالة تدخل إليها عائدات النفط الإيرانية وتحويلات الريال، وتخرج منها معاملات مُعقّمة بالدرهم والدولار”.
هل تحد محاصرة الصرافيين من التحويلات المالية؟
بحسب خبراء، فإن محاصرة الصرافيين لن تحد من التحويلات المالية، التي يمكن للشبكات الإيرانية الوصول إليها، فطهران تعتمد بشكل مكثف على أنظمة الصرافة والتحويلات المالية التقليدية غير الرسمية (نظام الحوالة)، والتي تعمل خارج البنوك المركزية الرسمية، مما يجعل تتبعها ومراقبتها بالغ الصعوبة.
يعتمد نظام الحوالة على آليات بسيطة، بمستورد إيراني يستخدم صرافة محلية لإرسال مبلغ إلى مًورد في الإمارات (نفترض ألف دولار)، ويغطي العميل الإماراتي المبلغ من خلال تحويلات الإيرانيين في إيران لأسرهم، فتتم الحوالة في الاتجاه الآخر.
ما يزيد صعوبة الرصد، أن إيران أصبحت دولة ضليعة في الالتفاف على العقوبات، ما يضع جهات الرقابة الإماراتية، والجهات الدولية مثل مجموعة العمل المالي FATF))، في حالة تكيف مستمر لملاحقة تلك التطورات، ودائما ما تكون الشبكات سابقة بخطوات، الوسائل التي يمكن المواجهة عبرها.
لتجاوز العزلة عن نظام “سويفت”، أسست إيران شبكة معقدة من الشركات الوهمية في دول مختلفة لتمرير الأموال وإجراء التحويلات، دون الكشف عن هويتها، كما تعتمد على المقايضة، حيث تستبدل النفط بالسلع الأساسية والمعدات، أو تدفع مقابل الخدمات (مثل بناء البنية التحتية).
تعتمد إيران على مسارات طيران مُعدّة بعناية، تشمل هبوطًا اضطراريًا وهميًا، يتيح للطائرات دخول الأراضي الإيرانية،كما فتح تطور التقنية أمام الإيرانيين أبوابا واسعة، إذ تلجأ إلى تعدين العملات المشفرة واستخدامها لتسوية المعاملات التجارية الدولية عبر الإنترنت بشكل لا مركزي ومجهول، متجاوزة الرقابة المالية التقليدية.
مليارات من المعاملات المشبوهة
بحسب تقرير صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية في أكتوبر الماضي، فإنه تم رصد معاملات مشبوهة بقيمة تقارب 9 مليارات دولار أمريكي في عام 2024، مرّت عبر النظام المالي الأمريكي من خلال شركات صرافة غير رسمية، وذكر التقرير أن شركات مقرها الإمارات تلقت 62% من هذه الأموال، وكان جزء كبير منها مرتبطًا بمبيعات نفطية، نفذتها شركات مرتبطة بإيران في دبي.
أفادت وزارة الخزانة الأمريكية آنذاك، بأن إيران استخدمت نظامًا مصرفيًا موازيًا، يعتمد على شركات واجهة ومكاتب صرافة في الإمارات وهونج كونج لتحويل عائدات النفط والتحايل على العقوبات، فضلاً عن أن جزءًا كبيرًا من عمليات “النظام المصرفي الموازي” الإيراني، مرّ عبر شركات مسجلة في الإمارات العربية المتحدة؛ نظرًا لسهولة تأسيس الشركات وانخفاض مستوى الرقابة مقارنةً بدول أخرى.
حسين عبد الحسين باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يقول، إن الحملة الإماراتية ضد عشرات من الصرافين المرتبطين بطهران، وإغلاق مكاتبهم، ليست مجرد إجراء أمني محلي، بل كانت تحولًا استراتيجيًا يمنح الولايات المتحدة الآن ميزة حاسمة جديدة في حملة الضغط القصوى، التي تشنها ضد النظام المصرفي الموازي الإيراني.
لكن سليمان العقيلي، عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية، يقول عبر منصة إكس، إن السنوات الأخيرة، كشفت ملامح الدور المالي الخفي، الذي تلعبه الإمارات، وتحديدًا دبي، في شبكات غسل الأموال وتمويل الأنظمة والمليشيات الخاضعة للعقوبات الدولية.
لم يعد الأمر محصورًا في “ثغرات” رقابية أو تجاوزات فردية؛ بل أصبح جزءًا بنيويًا من نموذج اقتصادي قائم على تدفق الأموال من كل مصدر ممكن، تحت شعار “المركز المالي العالمي”. هذه البنية المرنة حولت الإمارات إلى ملاذ مفضل للأموال غير المشروعة، بحسب العقيلي.
يضيف أنه رغم الخطاب السياسي المعادي لإيران، الواقع المالي يعكس علاقة تعاون معقدة. دبي تمثل الشريان الرئيس، الذي مكّن طهران من الالتفاف على العقوبات الدولية طوال العقدين الماضيين. آلاف الشركات الإيرانية تنشط في الإمارات، بعضها بأسماء وهمية وأخرى مسجلة تحت جنسيات مختلفة لإخفاء الملكية الحقيقية.
شبكات الشركات والمصارف وشركات الصرافة في دبي والشارقة تقوم بعمليات تحويل أموال معقدة، تُغطي تجارة النفط والذهب والسلع المحظورة، بينما تشير تقديرات غير رسمية، إلى أن مليارات الدولارات تمر سنويًا عبر هذه الشبكات، مما يتيح للحرس الثوري الإيراني تمويل حلفائه الإقليميين مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والمليشيات الشيعية في العراق.
هل تغير العلاقة مع إسرائيل المعادلة؟
الديناميكيات التي تحكم أبوظبي حاليًا هي الدور المتنامي لإسرائيل في بنية الأمن الإماراتي، فبينما يرتكز جوهر استراتيجية الإمارات الشاملة على علاقة أوثق مع الولايات المتحدة، أدت الحرب الإيرانية إلى تحالف غير مسبوق مع إسرائيل.
بالنسبة لأبوظبي، تُقدّم إسرائيل موارد وشبكات وقدرات دفاعية وتفوقًا تكنولوجيًا ونفوذًا، وفي ظل تقليص الولايات المتحدة لنفوذها وتراجع ثقة المنطقة في مصداقية واشنطن، يُنظر إلى التقارب الوثيق مع إسرائيل كوسيلة لترسيخ التزام أمريكي أكثر استدامة وشمولية.
كانت أنظمة الليزر الإسرائيلية المضادة للطائرات المسيّرة ونظام القبة الحديدية الإسرائيلي حاسما في اعتراض المقذوفات الإيرانية، التي استهدفت الإمارات، وبالنسبة لأبوظبي، يتناقض هذا تمامًا مع ما يراه العديد من المسؤولين الإماراتيين غيابًا تامًا للتضامن العربي الملموس خلال الأزمة، ونتيجة لذلك، تآكلت الثقة في مؤسسات مثل جامعة الدول العربية وعضوية مجلس التعاون الخليجي بشكل أكبر.
لكن يبدو في الوقت ذاته أن الإمارات حريصة على عزل العلاقات الاقتصادية مع إيران عن السياسة، والاصطفاف مع إسرائيل؛ لأن العائد من تدفق رؤوس الأموال الإيرانية إليها ازداد أهمية بعد موجة نزوح من رأس المال الأجنبي عنها بعد الحرب الأخيرة، بعدما فقدت صورتها الذهنية كجنة اقتصادية وسط الصحراء.






