الشبكات الإقليمية حين تعزل إسرائيل
تتبّعنا في المقالين السابقين خيطين من خيوط الهيمنة الإسرائيلية: خيطها البنيوي‑ الاقتصادي عالمياً، الذي انتهى بنا إلى «اندماجٍ تابعٍ ذي نتوءٍ وظيفيٍّ حاد»؛ وخيطها الشرعي، الذي انتهى إلى «سيطرةٍ دون هيمنة» يغذّيها صدعٌ داخلي. ويبقى أن نهبط بالسؤال من السماء العالمية إلى الأرض الإقليمية، حيث تجري الحرب فعلاً، وتُرسم الخرائط. والسؤال الذي تعرض له هذه المقالة هو: هل أصبحت إسرائيل، بعد حرب 2023-2926، العقدةَ الإقليمية، التي تُبنى الشبكة من حولها، أم شيئاً آخر تماماً؟
وحتى نجيب، نستعين بأداةٍ مفاهيميةٍ من عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز، الذي نقل تحليل السلطة من منطق الدول إلى منطق الشبكات. فالعقدة في الشبكة ليست مجرّد نقطةٍ على الخريطة، بل موقعٌ تكتسب مركزيّته من قدرة التدفّقات على المرور عبره دون بديلٍ منخفض الكلفة. ويميّز كاستلز بين عقدةٍ «لا غنى عنها» تنهار الشبكة بإزالتها، وأخرى «قابلةٍ للتجاوز» تجد التدفقات طريقها حولها ورغما عنها.
ومن هذا الجهاز نشتقّ تمييزاً بين ثلاثة أنواعٍ من المركزية، لا ينبغي الخلط بينها: مركزية «الاندماج الطوعي»، حيث تصبح الدولة عقدةً؛ لأنّ الآخرين يريدون التعامل معها لقيمةٍ لا توجد إلا فيها؛ ومركزية «الإكراه» حيث تفرض الدولة نفسها بالقوة، فلا يستطيع أحدٌ تجاوزها دون كلفة، لكن لا أحد يندمج فيها طوعاً؛ ومركزية «العزل»، حيث لا تكون الدولة نقطة ربطٍ، بل عقدة عزلٍ تُجبر الشبكة على بناء التفافاتٍ تتجنّبها.
ويجمع بين الأنواع الثلاثة شرطٌ كثيراً ما يُغفَل، هو شرط «القابلية للتنبؤ؛ فقيمة العقدة لا تنبع من قوّتها وحدها، بل من ثقة الفاعلين بأنّ سلوكها قابلٌ للحساب عبر الزمن؛ والعقدة التي تتأرجح قراراتها بتأرجح توازناتها الداخلية تتحوّل، مهما عظمت، من عقدةٍ يُعتمَد عليها إلى مخاطرةٍ يُتحوَّط منها. وهنا بالضبط ما يُدخِل الصدع الداخلي في إسرائيل مدار التحليل؛ ففاعلٌ متصدّع لا تُؤمَن قراراته، يصعب أن يكون عقدةَ اندماج، ويسهل أن ينزلق إلى عقدة عزل.
الشبكة الأمنية: عقدةٌ إكراه تابعة لواشنطن
تبدو الشبكة الأمنية الإقليمية، للوهلة الأولى، أقوى دليلٍ على «اندماجٍ إسرائيلي» في محيطها. ففي يناير 2026 افتتحت القيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد بقطر خلية الدفاع الجوي المشترك للشرق الأوسط، تضمّ سبع عشرة دولة، وأعلن قائد القيادة المركزية أمام مجلس الشيوخ في 14 مايو 2026 أنّ المنظومة اعترضت أكثر من ستة آلاف طائرةٍ مسيّرة وألفٍ وخمسمئة صاروخٍ باليستي، واصفاً ذلك بأنه أكبر مظلة دفاعٍ جويٍّ متكاملة، فُعِّلت على الإطلاق (CENTCOM-2026)
غير أنّ القراءة الدقيقة تكشف عكس الانطباع الأول. فالشبكة ليست «إقليمية»، بمعنى أنها تربط إسرائيل بجيرانها العرب، بل هي أمريكيةٌ تضمّ شركاء إقليميين حيث قلبها في قاعدة العديد، وقيادتها أمريكية، ومعظم اتصالاتها تمرّ عبر الأمريكي. الدول العربية لا تتعاون مع إسرائيل مباشرة، بل مع واشنطن التي تتعاون مع إسرائيل. وبمصطلح كاستلز، فإنّ من يربط الشبكتين هو الولايات المتحدة، لا تل أبيب. ولا يغيّر هذا الحكمَ سوى استثناءٍ واحدٍ ضيّقٍ ومثقلٍ بالثمن: الإمارات، التي أرسلت إليها إسرائيل مبكراً منظومة قبة حديدية مع جنودٍ لتشغيلها، في أول نشرٍ تاريخيٍّ للمنظومة خارج إسرائيل والولايات المتحدة (Axios-2026)
ومع ذلك، يكشف هذا النشر حدوده بقدر ما يكشف دفء العلاقة؛ فقد اضطُرّت إسرائيل إلى رفض طلبٍ إماراتيٍّ ببطارياتٍ إضافية؛ لأنّ كلّ بطاريةٍ تُرسلها هي بطاريةٌ أقلّ لدفاعها هي (CNN-2026) إسرائيل في الشبكة الأمنية، إذاً، مستهلكٌ للأمن لا موزّعٌ له.
أمّا بقية الخليج فالصورة فيه توترٌ متصاعدٌ لا تحالف. فقطر تلقّت أكبر ضربةٍ لمكانتها وسيطاً، حين قصفت إسرائيل مفاوضي حماس على أراضيها في سبتمبر 2025- أول هجمةٍ في التاريخ على دولةٍ وسيطة أثناء وساطتها، بينما ظلّت الدفاعات الأمريكية في العديد صامتة. والسعودية كشف معهد INSS الإسرائيلي ذاته عن «تحوّلٍ بنيوي» في نهجها تجاه التطبيع، فقد ربطته بمسار موثوق لإنشاء الدولة الفلسطينية (INSS-2026)
والخلاصة، أنّ إسرائيل في الشبكة الأمنية ليست عقدةً جامعة، بل محورٌ إكراهيٌّ فرعيٌّ مشتقٌّ من قوةٍ أمريكية، لا تجمع الخليج حولها بل تشقّه. وضربة الدوحة بالذات لم تكن قراراً استراتيجياً بارداً، تخدمه مصلحة إسرائيل الأمنية، بل خطوةً تخدم منطق الكتلة اليمينية المتطرفة الحاكمة، التي ترى في كل تهدئةٍ خيانةً للوعد، أي أنّ الصدع الداخلي هو ما يجعل إسرائيل شريكاً أمنياً، لا يُؤمَن جانبه حتى لمن يتعاون معها. وهكذا يمكن الحديث عن مشاريع “إسرائيل الكبرى”، أو الهجوم على مصر.
شبكة الطاقة: مورّدٌ وظيفيٌّ قابلٌ للاستبدال
وإذا كانت الطاقة هي الورقة، التي يُراد بها إثبات «المركزية البنيوية» الإسرائيلية، فإنّ حرب 2026 كشفت هشاشتها. صحيحٌ أنّ الحكومة صادقت في ديسمبر 2025 على توسعة تصدير الغاز من حقل ليفياثان إلى مصر بقيمة 34.7 مليار دولار حتى 2040، فرأى فيها المعهد اليهودي للأمن القومي انتقالاً «من السعي إلى القبول إلى موقع الأهمية البنيوية» (JISS-2025)، لكنّ هذا الاستنتاج ينهار عند أول اختبار: فمع بدء الحرب أمرت إسرائيل بإغلاق حقلَي ليفياثان وكاريش لأسبابٍ أمنية، وامتدّ الإغلاق ثلاثةً وثلاثين يوماً (Haaretz-2026)، فكانت النتيجة في مصر ضغوطات واسعةً علي توفير الكهرباء واضطراراً إلى شراء نحو 290 شحنة غازٍ مسال من السوق الفورية (MEES-2026)
أي أنّ إسرائيل، كعقدة طاقة معطّلةٌ في الأزمات الكبرى، وبالذات في الأوقات التي تحتاج فيها مصر إلى المورّد أكثر ما تكون. هذه ليست عقدةً موثوقة بل عقدةٌ هشّة؛ ولا غنى عنها إلا في زمن السلم، وهو الزمن الذي لا تُختبر فيه العقد أصلاً. والأبلغ أنّ هذه علاقة طاقةٍ بلا علاقةٍ سياسية: فمصر التي وصف رئيسها إسرائيل بـ«العدو» علناً في قمة الدوحة في سبتمبر 2025- لأول مرةٍ من رئيسٍ مصري منذ زيارة السادات للقدس عام 1977 (الهيئة العامة للاستعلامات- 2025) – ظلّ الغاز يتدفّق إليها؛ لأنّ المصلحة الاقتصادية تفوق التوتر السياسي. وحين حاول وزيرٌ إسرائيلي تجميد الصفقة ضغطاً على القاهرة، لم يفعل سوى تحفيز مصر على التنويع، فبنت وحدات استيرادٍ عائمة للغاز المسال.
إسرائيل هنا ليست عقدةً تكاملية، بل مورّدٌ قسريٌّ في شبكةٍ مصرية‑ أوروبية يجري استبداله فعلاً.
الشبكات اللوجستية: عائقٌ تُبنى حوله الالتفافات
وفي اللوجستيات يتجلّى النوع الثالث من المركزية- مركزية العزل- في أوضح صوره. فممرّ الهند‑ الشرق الأوسط‑ أوروبا، المُعلَن في قمة العشرين بنيودلهي عام 2023، يضع ميناء حيفا نقطةَ الدخول إلى المتوسط. لكنّ المشروع يعاني مفارقاتٍ قاتلة: فميناء حيفا يعالج ثلاثين مليون طنٍّ سنوياً فقط، مقابل تسعين مليوناً لميناء جبل علي ومئةٍ وثمانين مليوناً لقناة السويس (ORF-2025)، وما لم تتضاعف سعته فلا يمكن أن يكون بديلاً واقعياً للسويس؛ ثم إنّ حالة الحرب الدائمة على الحدود الشمالية تجعل المقطع في الممر الإسرائيلي غير قابلٍ للتشغيل، حتى إنه لم يُعقد اجتماعٌ رسميٌّ للممرّ منذ إعلانه (Chatham House-2026)
والأهمّ أنّ البدائل التي تلتفّ حول إسرائيل تتكاثر بسرعة. فطريق التنمية العراقي‑ التركي، الممتدّ ألفاً ومئتي كيلو مترا من ميناء الفاو الكبير على الخليج إلى تركيا، باستثمارٍ يناهز سبعة عشر مليار دولار، استُكمل إطار تمويله ويُتوقّع تشغيله جزئياً بحلول 2028 (Türkiye Today-2026)؛ وجسر الملك سلمان بين السعودية وشرم الشيخ يلتفّ- كما لخّص المجلس الأطلسي- حول إسرائيل تماماً، فيتيح للسعودية ربط أوروبا عبر البوابة المصرية المتوسطية، مقدّماً بديلاً «منزوع التسييس» عن المسار الإسرائيلي (Atlantic Council-2025).
والدالّ هنا أنّ السعودية، الحليف المفترض لممرّ الهند‑ أوروبا، تدعم في الوقت نفسه ممراتٍ تلتفّ حول إسرائيل؛ وهذا ليس تحوّطاً عابراً بل استراتيجيةٌ مزدوجة.
ومن منظورنا، فإنّ ما يدفع المنطقة إلى بناء هذه الالتفافات ليس فقط هشاشة الجغرافيا الإسرائيلية، بل عدم موثوقية الفاعل ذاته: فلا أحد يبني بنيةً تحتيةً بمليارات الدولارات، ويستغرق استكمالها سنوات، تمرّ عبر دولةٍ تتأرجح سياساتها مع تقلّب ائتلافاتها الداخلية، وقد تشنّ حرباً أو تضمّ أرضاً أو تطلق شعار «إسرائيل الكبرى» تبعاً لتوازنٍ داخليٍّ لا يستطيع الشريك التنبؤ به.
الصدع الداخلي، إذاً، يُترجَم مباشرةً إلى مخاطرةٍ لوجستية، والمخاطرة تُترجَم إلى التفافٍ مادي. والحكم على الشبكة اللوجستية ينتهي: أنّ إسرائيل عقدةٌ دعائية على الورق لا تشغيلية، تمرّ المشاريع عبر حيفا، وعلى الأرض تُبنى البدائل بسرعةٍ تلتفّ عليها. ولا تخفى الميزة الحاسمة لتركيا في هذا السباق (وتملك مصر إمكانية تحتاج أن تستكمل): فبينما تستطيع أنقرة الحركة في كلّ اتجاه – عضوٌ في الناتو، واتحادٌ جمركيٌّ مع أوروبا، وعلاقاتٌ وظيفية مع الجميع- تظلّ إسرائيل محصورةً في الاتجاه الأمريكي‑ الغربي وحده؛ ومن يستطيع الحركة في كلّ اتجاهٍ أَولى بأن يكون عقدةً ممن لا يملك إلا اتجاهاً واحداً.
اتفاقيات إبراهام: علاقاتٌ متوازية لا شبكة متقاطعة
يبقى أن نختبر اتفاقيات التطبيع بوصفها «شبكة» مفترضة. وأرقام التجارة تبدو مشجّعةً في ظاهرها: بلغت التجارة الإسرائيلية‑ الإماراتية 3.24 مليارات دولار في 2024 (Heritage Foundation-2025). لكنّ هذا التكامل يصطدم بثلاث حقائق، تنزع عنه صفة «الشبكة»: فالبحرين علّقت سفارتها فعلياً بنقل سفيرها وترك المنصب شاغراً (The Media Line-2025)؛ والدعم الشعبي للتطبيع في المغرب هبط من 31% قبل أكتوبر 2023 إلى 13% بعده (Arab Barometer-2025)؛ والفجوة بين الحكومة والمجتمع مُسلّمةٌ حتى في الإمارات نفسها.
الحكم على هذه الاتفاقات، إذاً، أنها ليست شبكةً بل مجموعة علاقاتٍ ثنائيةٍ رفيعةٍ لا تتراكم في «مركزية»؛ فكلّ علاقةٍ قابلةٌ للتجميد منفردة، وكلٌّ منها مشروطةٌ بعدم اشتعال غزة أو لبنان أو ضم الضفة.
وكما لخّصت قراءاتٌ نقدية، فإنّ ما أُنتج لم يكن سلاماً بين أطرافٍ متنازعة، بل تطبيعاً بين إسرائيل ودولٍ غير منخرطةٍ في النزاع، مقترناً بتعميق الاستيطان (MERIP-2025). والعلاقة الثنائية، مهما علت، لا تصنع شبكةً ما لم تتقاطع خيوطها؛ وخيوط إبراهام متوازيةٌ لا متقاطعة.
أمّا أبلغ دليلٍ على أنّ إسرائيل ليست عقدةً دبلوماسية بل مشكلة دبلوماسية، فهو هويّة الوسطاء في كلّ أزمةٍ منذ 2023: في غزة مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا؛ وفي لبنان واشنطن وفرنسا وقطر؛ وفي سوريا قطر والأردن وتركيا، حتى إنّ إسرائيل أُجبرت على التفاوض عبر وسيطٍ أمريكيٍّ في أذربيجان لا مباشرةً مع دمشق؛ وفي إيران باكستان وقطر وسلطنة عُمان من قبل. ولا واحدةٌ من هذه الوساطات تمرّ عبر إسرائيل.
هذا تعريف عقدة العزل بدقّة: ليست نقطة ربطٍ، تحتاجها الشبكة، بل العقدة التي تحتاج الشبكة إلى «تخفيف عبئها» عبر الوسطاء.
وتكشف الساحتان السورية واللبنانية المعادلة في أجلى صورها. ففي سوريا، نفّذت إسرائيل في الأشهر السبعة الأولى بعد سقوط الأسد نحو 988 ضربةً جويةً ومدفعية- أي ثلاثة أضعاف ما نفّذته في السنوات السبع السابقة كاملةً (Stimson Center-2026)، فتوسّعت جغرافياً لكنها لم تُنتج اندماجاً، إذ رفضت الحكومة السورية الجديدة كلّ عرضٍ مباشر للتطبيع أو التعاون دون انسحاب. أمّا في لبنان فأوقعت حرب 2026 أكثر من ثلاثة آلاف ومئتي قتيلٍ ومليون نازح أو يزيد (وزارة الصحة اللبنانية-2026). وفي الخلفية يدور صراعٌ تركيٌّ‑ إسرائيليٌّ على دور «العقدة» في سوريا ما بعد الأسد. تركيا تريد دولةً موحّدةً صديقة، وإسرائيل تفضّل دولةً ضعيفةً مفتّتة ،(Middle East Policy-2026) وهذا التناقض يكشف الفرق الجوهري بين منطقَي القوة: منطق التوسّع الجغرافي الذي يُنتج عداوات، ومنطق الربط الشبكي الذي يُنتج اعتماداً. إسرائيل تُتقن الأول وتعجز عن الثاني، وليس هذا العجز محض خيارٍ عقائدي، بل انعكاسٌ في أحد أبعاده للصدع الداخلي: فمنطق «الدولة الضعيفة المفتّتة» في الجوار هو امتدادٌ طبيعيٌّ لمنطق الكتلة، التي ترى الأمن في إضعاف الآخر لا في الاندماج معه.
الخلاصة التركيبية: النمط الواحد، والصدع الذي يحرّكه.
حين نَلمّ الخيوط الثلاثة معاً، والتي تناولناها في المقالات حتى الآن، وهي البنيوي‑ الاقتصادي، والشرعي/ الأخلاقي، والشبكي الإقليمي، يتكشّف أنّ النمط ذاته يتكرّر على المستويات الثلاثة جميعاً.
فعلى المستوى الاقتصادي، رأينا قوةً وظيفية محدودة مرهونةً بالمنظومة الأمريكية، التي تشتري وحداتها وتموّلها وتمنحها شرعيتها. وعلى المستوى الشرعي، رأينا سيطرةً بلا قيادة ولا رضا، وتفوّقاً عسكريا مُعاراً من الراعي ومستنزَفاً أسرع مما يُجدَّد. وعلى المستوى الشبكي، رأينا حضوراً بلا اندماج، وإكراهاً بلا قبول، وممرّاتٍ تُبنى رغم العقدة لا حولها.
ثلاثة مستويات، ونمطٌ واحد، يمكن تكثيفه في عبارة: قوةٌ بلا شرعية، وحضورٌ بلا اندماج، وكلاهما مرهونٌ بالكامل للمظلّة الأمريكية.
لكنّ القراءة التي قدّمتها هذه السلسلة حتى الآن تضيف خيطاً رابعاً، يسري تحت الخيوط الثلاثة ويربطها برباطٍ سميك: الصدع الداخلي الإسرائيلي.
فالنمط المتكرّر ليس مصادفة، ولا هو مجرّد «بنية» قائمة بذاتها، بل هو في جذره انعكاسٌ خارجيٌّ لأزمةٍ عضويةٍ داخلية. ومن هنا تكتمل صياغة أطروحة «الهيمنة المتمايزة» في صورتها الأنضج: إسرائيل ليست فاعلاً موحّداً، يوزّع قوّته بحسابٍ بارد عبر الحقول، بل فاعلٌ متصدّع يُنتج تمايزه الخارجي من صدعه الداخلي. فالتمايز بين الحقول- مهيمنةٌ سيبرانياً، تابعةٌ مالياً، عائقٌ لوجستياً، منبوذةٌ أخلاقيا- ليس خريطةً ساكنةً لمواقع متفرّقة، بل هو الأثر الذي يتركه على السطح صراعٌ داخليٌّ بين كتلتين: كتلةٍ علمانيةٍ‑ تكنوقراطية تُنتج الميزة البنيوية وتتآكل قيادتها وتغادر بأقدامها، وكتلةٍ دينيةٍ‑ استيطانية تمسك بالقرار وتُغلق أبواب الاندماج وتُحوّل القوة إلى عزلة. فالعقدة الإسرائيلية ليست عقدةً قائمةً بذاتها، تشدّ الشبكة من حولها، بل عقدةٌ معلّقةٌ بخيطين: خيطٍ خارجيٍّ هو الراعي الأمريكي، وخيطٍ داخليٍّ هو عقدٌ اجتماعيٌّ يتمزّق؛ وحين يهتزّ أيُّ الخيطين، تهتزّ العقدة كلها.
لا تبشيرٌ بانهيار بل اتجاهٌ بطيء
ولأنّ هذا هو جوهر البنية، فإنّ الحديث عن «سيناريوهات» مستقبلية منفصلة يُضلّل أكثر مما يُنير. الأصدق منهجياً أن نرصد اتجاهاً واحداً يتحرّك ببطء: ميلٌ هيكليٌّ نحو الالتفاف على إسرائيل بقدر ما تستطيع الدول العربية والإقليمية أن تفعل، وتحوّلٌ تدريجيٌّ للعقدة من «نتوءٍ وظيفيٍّ لا غنى عنه» إلى «وظيفةٍ يمكن أن تستضيفها هياكل خليجية‑ أوروبية‑هندية‑ تركية- مصرية، متعددة كلما تعب الراعي وهاجرت العقول وتكاثرت الممرّات البديلة، واشتدّ الصدع الداخلي. فالمنطقة في 2026 لا تُبنى حول إسرائيل، ولا رغمها بالكامل، ولا ضدّها بالكامل، بل في الطبقات الثلاث معاً بنِسبٍ متفاوتة.
غير أنّ النضج التحليلي يقتضي ألّا نُترجم هذا التشخيص إلى تبشيرٍ بانهيارٍ وشيك. فالتاريخ يُعلّمنا أنّ أنظمة «السيطرة بلا هيمنة» الاستعمارية في الهند والجزائر دامت عقوداً قبل أن تنهار. الإطار الزمني المرجّح للأزمة الإسرائيلية ليس سنواتٍ قليلة، ما لم يطرأ تسارعٌ غير متوقّع. فالقوة العارية، بثمنها الباهظ في الذخائر والعزلة والانقسام، قد تدوم طويلاً ما دام الراعي قادراً على دفع الثمن والداخل قادراً على احتواء صدعه؛ وحين تتعب المظلّة الأمريكية – وكلّ المظلات تتعب- أو حين يتجاوز الصدع الداخلي عتبة الاحتواء، سيكشف الواقع الإقليمي حقيقته: شبكةٌ بُنيت رغم إسرائيل، تنتظر فقط أن تكتمل.
وأخطر ما يمكن أن يقع فيه التحليل العربي هو انتظار «ثمار» انهيار الشرعية الإسرائيلية وحدها، أو انتظار انفجار صدعها الداخلي، وكأنها قَدَرٌ يعمل تلقائياً. الشرعية المنهارة شرطٌ لازمٌ لا كافٍ؛ والطريق إلى تحوّلٍ حقيقي يمرّ ببناء قوةٍ عربية ذاتية – اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية ومعرفية- تملأ الفراغ الذي يتركه «القديم» وهو يموت، بدل تركه لقوى أخرى أقدر على ملئه. فلا قيمة لرصد تآكل العقدة الإسرائيلية ما لم يقترن ببناءٍ موازٍ: استثمارٌ جادٌّ في «عقدٍ» تكنولوجية بديلة قادرة على المنافسة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتكثيفٌ للممرّات البديلة كخيارٍ تنويعيٍّ عقلاني، واستجابة راشدة لتطلعات الشعوب.. فالشبكات، كالمياه، تجد دائماً طريقها حول العائق، لكنها لا تجده إلا حيث حُفِر لها مجرى.
اقرأ أيضا: في تشريح الهيمنة الإسرائيلية بعد حرب 2023- 2026 (1ــ 5)
في تشريح الهيمنة الإسرائيلية بعد حرب 2023-2026 (2من5)
الهوامش والمصادر
1. Castells, Manuel (2009). Communication Power. Oxford: Oxford University Press.
2. CENTCOM — شهادة الأدميرال براد كوبر (2026). إفادةٌ أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، 14 مايو 2026.
3. Axios — براك رافيد (2026). تقرير نشر القبة الحديدية الإسرائيلية في الإمارات، إبريل 2026.
4. CNN (2026). تقارير عن العلاقة الأمنية الإسرائيلية– الإماراتية وحدودها، مايو 2026.
5. INSS — معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (2026). «التحوّل البنيوي في نهج السعودية تجاه إسرائيل»، فبراير 2026.
6. JISS / عمانوئيل نافون (2025). ورقة «اتفاق ليفياثان–القاهرة».
7. Haaretz / هآرتس (2026). تقرير استئناف إنتاج حقل ليفياثان بعد إغلاق الحرب، إبريل 2026.
8. MEES — Middle East Economic Survey (2026). بيانات استيراد مصر للغاز المسال خلال إغلاق ليفياثان.
9. الهيئة العامة للاستعلامات المصرية / ضياء رشوان (2025). بشأن وصف الرئيس المصري إسرائيل بـ«العدو» في قمة الدوحة، سبتمبر 2025.
10. ORF — Observer Research Foundation (2025). تحليل سعة ميناء حيفا ومشروع الممر الهندي‑الأوروبي.
11. Chatham House (2025–2026). تحليلات تحوّل الموقف المصري وتشغيلية الممر.
12. Türkiye Today (2026). تصريح وزير النقل التركي بشأن تمويل طريق التنمية العراقي.
13. Atlantic Council / المجلس الأطلسي (2025). تحليل جسر الملك سلمان والممرات البديلة، نوفمبر 2025.
14. Heritage Foundation (2025). متتبّع التجارة الإسرائيلية–الإماراتية، يوليو 2025.
15. The Media Line (2025). تقرير تعليق سفارة البحرين لدى إسرائيل، إبريل 2025.
16. Arab Barometer — Wave VIII (2025). بيانات الدعم الشعبي للتطبيع في المغرب.
17. MERIP — Middle East Report (2025). مراجعة كتاب إلهام فخرو The Abraham Accords، أكتوبر 2025.
18. Stimson Center / عمر أوزكزيليتشيك (2026). “Turkey–Israel Rivalry in the New Syria”.
19. وزارة الصحة اللبنانية (2026). حصيلة ضحايا حرب لبنان 2026.
20. Middle East Policy (2026). تحليل التنافس التركي– الإسرائيلي على سوريا ما بعد الأسد






