راحت السَكرة، فهل جاءت الفكرة؟

كانت السكرة التي راحت هي اطمئنان الإخوة في دول الخليج العربي إلى الحياة تحت مظلة الحماية العسكرية الأمريكية، وبلغ هذا الاطمئنان حد النشوة- وربما الاغترار- عند البعض بدخول إسرائيل طرفا في معادلة الأمن والدفاع الخليجيين، وبالتالي، بدأنا نقرأ ونسمع عن سقوط خرافة الأمن القومي العربي، واعتبار أمن الخليج قضية أو مصلحة حيوية قائمة بذاتها، بعيدا عن أية ترتيبات أو اتفاقات، بل بعيدا حتى عن أية مصالح ومخاوف عربية، ثم اخترعت وذاعت نظرية اللحظة الخليجية، لقيادة النظام الإقليمي العربي بعد أفول عصر القيادة المصرية المنفردة أو بالمشاركة مع آخرين لهذا النظام.

لم يكن الحديث عن قيادة خليجية لما يسمى بالنظام الإقليمي العربي ينسجم- لا منطقيا ولا منهجيا- مع مقولة سقوط خرافة الأمن القومي العربي، فكيف سيقود أصحاب نظرية اللحظة الخليجية نظاما خرافيا، لم يعد له وجود أصلا، وليس هناك مبرر لإحيائه، لكنها السكرة ونشوتها، والرضا الخادع عن النفس، كما سبق القول.

الآن لا خلاف بين الخبراء والمراقبين في المنطقة وفي العالم على سقوط اللحظة الخليجية، أولا بفعل الغارة الإسرائيلية على قطر، في شهر سبتمبر من العام الماضي، وثانيا مع انكشاف الأمن الخليجي للضربات الإيرانية المباشرة، ردا على الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية عليها، والتي يجزم الإيرانيون أن القواعد الأمريكية في الدول الخليجية كانت منطلقا لها، وهكذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية التي جاؤوا بقواعدها العسكرية عندهم لتحمي ولا تهدد، ولتصون ولا تبدد، كانت هي السبب المباشر في ذلك الانكشاف المُحرج للأمن الخليجي.

وجوه الحرج هنا كثيرة، فقد بدأت هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية، دون تنسيق بل دون علم معظم الدول الخليجية، كما يفترض أن يكون الحال فيما بين الحلفاء، ولم يتحدث أي مصدر موثوق في أي مكان في العالم عن أخذ رأي الخليجيين في التقديرات، والحسابات التي اتخذ على أساسها الرئيس الأمريكي قرار الحرب، ليتضح فيما بعد أنها كلها خاطئة، وأنها كلها حسابات وتقديرات إسرائيلية، برغم ان أبجديات الحسابات الرشيدة تقول، إن دول الخليج ستكون الجبهة الأولى للانتقام الإيراني، مثلها مثل إسرائيل تماما.

الأخطر مما سبق هو ثبوت العجز الأمريكي عن إعادة فتح مضيق هرمز الذي تمر منه صادرات الخليج البترولية، بوصفها مصدر الثروة الوحيد تقريبا، وقوام الاقتصاد الخليجي كله، والذي تمر منه أيضا واردات الدول الخليجية من سائر المواد الغذائية، وهي أصلا ليست منتجة لنسبة يعتد بها من احتياجاتها من الغذاء.

وكذلك ثبت أن الرئيس الأمريكي متردد إلى حد الشلل في اتخاذ قرار الغزو البري لإيران، وهو ما يلزم لإسقاط النظام الإيراني، باعتبار أن ذلك كان هو الهدف المعلن لتلك الحرب من البداية، والذي سيترتب على تحقيقه استكمل بقية الأهداف، ومنها تصفية البرنامج النووي الإيراني، وكذلك برنامج التسلح الصاروخي، وإقامة نظام موال لواشنطن، ومنظم صديق لدول الخليج.

وإذن باختصار أثبتت الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران، أن أمن الخليج لا تحميه مظلة عسكرية أمريكية، ولا تحالف استراتيجي مع إسرائيل، وإنما تحميه الترتيبات السلمية المتفق عليها مع إيران.

لأجل ذلك دعونا الخليجيين لأخذ قضيتهم بأيديهم وطرح مشروع شامل للأمن والتعاون بينهم وبين إيران، يمتد إلى بقية جيران وشركاء إيران من العرب، والأتراك سواء الدول أي الحكومات، أو الفاعلين من غير الحكومات بهدف دمجهم في دولهم، وذلك دون وصاية أمريكية أو مشاركة إسرائيلية، ويبقى الباب مفتوحا أمام إسرائيل، إذا انسحبت من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقبلت قيام دولة فلسطينية فوق تلك الأراضي، بدلا من أوهام وضلالات الرئيس ترامب حول مزاعم السلام الإبراهيمي، وضلالات بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي المسماة بإسرائيل الكبرى، بمعنى القوة الإقليمية العظمى الوحيدة، وهذا هو جوهر الفكرة التي تساءلنا في السطر الأول من هذا المقال عما إذا كانت قد جاءت بعد زوال السكرة أم لا؟

مما يبدو على السطح، خاصة الخطاب الرسمي لبعض دول الخليج، يفهم أنهم لم يصلوا بعد إلى هذه النتيجة، فذلك الخطاب يكاد يقترب من إعلان النصر على إيران، استنادا على صمود الجبهات الداخلية في الدول الخليجية، في حين أن زعزعة تلك الجبهات ليس ولم يكن هدفا إيرانيا في المواجهة الأخيرة.

كذلك دأب مسئولون من الصف الثاني، ومعهم بعض قادة الرأي العام إلى تحويل انتباه مواطنيهم إلى وجهات أخرى، منها مثلا انتقاد مصر الرسمية، لعدم تدخلها عسكريا ضد إيران، وانتقاد تعاطف الجمهور المصري مع إيران ضد إسرائيل وأمريكا، وتفسير هذا التعاطف، بأنه نكران للجميل الخليجي، أو بأنه من قبيل حقد الفقراء على الأغنياء، وكأن هذه العبارات الساذجة المرسلة تغني عن الفهم الصحيح للأزمة والاجتهاد لوضع الحلول الملائمة لها.

هذا الفهم الصحيح يبدأ بتنبيه المواطن الخليجي إلى الدرس الحقيقي من المحنة، وهو أن أمن الخليج لا تضمنه القوى الأجنبية، وإنما تضمنه ترتيبات السلام والتعاون وحسن الجوار بين كافة دول الإقليم- كما سبق التنويه- من ناحية، وترتيبات إقرار حقوق المواطنة المتساوية، ودمج الأقليات المذهبية في المجتمع والنظام السياسي، من الناحية الأخرى.

وفي هذه النقطة الأخيرة، وعملا بالقول المأثور، صديقك من صدقك لا من صدّقك، فإن التهديدات الإيرانية لدول الخليج لم تكن في أي وقت من الأوقات تهديدات عسكرية مباشرة، في شكل حشود أو تحرشات أو عدوان على الحدود مثلا، ولكنها تندرج تحت بند التدخل في الشؤون الداخلية للجيران، وذلك من خلال دعمها لمطالب الأقليات الموالية، ويبقى التمويل و التسليح الإيرانيين لجماعة الحوثيين في اليمن هو الاستثناء، وبما أن أول وأهم مبادئ التعايش وحسن الجوار هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فإن هذا يدعم مطلب الحوار، ودعوتنا للخليجيين لأخذ قضيتهم مع إيران بأيديهم.

على أية حال فإننا جميعا لانزال في مرحلة زوال السكرة، ولذا لم يفت الوقت بعد على عودة الفكرة، خاصة عندما تبدأ التحولات المترتبة على الفشل الأمريكي الإسرائيلي في إيران في التبلور، سواء في الداخل الأمريكي، أو في النظام الدولي نفسه.