لنبدأ بالقصة التالية البعيدة عن مصر كل البعد، والتي سوف تكشف لنا كم هي مغرضة ومصطنعة نظرية المؤامرة على الطريقة المصرية! وكم هم ساذجون أو تنقصهم الخبرة من يصدقون الفولكلوريات الشائعة في حياتنا السياسية حول المؤامرات الخارجيةّ، التي لا تتوقف، إلا لتبدأ من جديد على الدولة المصرية.

 القصة من إسرائيل، وقد وقعت فصولها في ليلة إعلان نتائج انتخابات الكنيسيت في يونيو عام ١٩٩٢.

 كانت تلك النتائج أشبه بزلزال سياسي، فقد أعادت حزب العمل بزعامة إسحق رابين إلى قيادة السياسة الإسرائيلية بأغلبية كبيرة، لأول مرة منذ عام ١٩٧٦، ومن ثم هُزم تكتل الليكود بزعامة إسحق شامير، لأول مرة منذ ١٩٧٦ كذلك، وكان شامير ساهرا في المقر الانتخابي لحزبه، ينتظر النتيجة، وفور إعلانها ألقى كلمة، اعترف فيها بالهزيمة، وأعلن اعتزاله السياسة، حزنا على نجاح المؤامرة “لإسقاط المعسكر القومي، وذلك تمهيدا لتقديم تنازلات في يهودا والسامرة للفلسطينيين، وفقا لمبدأ الأرض مقابل السلام “، في حين أنه لم يكن ليتنازل عن شبر، وإن بقي مستعدا للتفاوض- إرضاء لواشنطن أو رضوخا لضغوطها- ولو لعشر سنوات وأكثر.

   ما صلة هذه القصة بالفولكلوريات السائدة عندنا في مصر عن المؤامرات علينا؟

 الصلة تتمثل في نقطتين: الأولى أن شامير قال إنها مؤامرة عليه وعلى حزبه، ولم يقل إنها مؤامرة على إسرائيل، فهو ليس إسرائيليا، وكذلك حزبه وجميع حلفائه ليسوا إسرائيل، ويتفق مع هذه النقطة، بل ينبثق منها إحجامه عن اتهام منافسيه الفائزين الضالعين في هذه المؤامرة بخيانة الوطن، بل إنه بالقطع لم يفكر في شيء من هذا القبيل.

 النقطة الثانية هي التسليم بحقائق السياسة العالمية، وحقائق الحياة السياسية الإسرائيلية، فهو- أي إسحق شامير- يعرف مثل غيره من السياسيين في إسرائيل وفي جميع دول العالم، أن الجهة الأجنبية التي يتهمها بالتآمر لإسقاطه، تملك نفوذا قويا داخل إسرائيل، لا يمكن إلغاؤه، أو مصادرته، وإن أمكن مقاومته في حدود معينة، أو ترويضه أحيانا بوسائل مختلفة، أو التفاهم معه أحيانا أخرى، أو حتى التحايل عليه في أحيان ثالثة، فما هي تلك الجهة؟

 من الواضح أنها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الملفت، أن التدخل الأمريكي في توجيه التصويت في انتخابات إسرائيل ضد الليكود قد تكرر في عام ١٩٩٨، فأسقط حكومة بنيامين نتنياهو، وجاء بحكومة إيهود باراك، وفي هذه المرة أيضا لم يتحدث أحد في إسرائيل عن مؤامرات أو خيانات.

من الواجب- وقد وصلنا إلى هنا- الانتباه إلى أن النفوذ الأمريكي في الحياة السياسية الإسرائيلية ليس حالة منفردة في العلاقات الأمريكية مع الغالبية الغالبة من دول العالم، برغم الاعتراف بوجود بعض الخصوصيات الاستثنائية في العلاقات الأمريكية الاسرائيلية، مثل الالتزام الأمريكي القطعي بأمن إسرائيل وتفوقها عسكريا على جيرانها، ومثل الدور الضخم لليهود الأمريكيين في تشكيل سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، ودور هؤلاء اليهود الأمريكيين المؤثر بقوة في الداخل الإسرائيلي بالمقابل، لكن كل ذلك لا ينفي أن لأمريكا نفوذا وتأثيرا  مباشرين في غالبية الدول الأخرى الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ربما باستثناء  عدد من الدول لا يزيد عن  عدد أصابع اليد الواحدة، وهي حصرا الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، لكن  التأثير الأمريكي  غير المباشر  موجود في تلك الدول أيضا، سواء في الاقتصاد والتجارة والاستثمار، أو حتى بالعقوبات والمواجهات العسكرية.

  كل ذلك مرجعه بنية النظام العالمي في هذه الحقبة من التاريخ، فالولايات المتحدة شأنها شأن روما في الأزمنة القديمة، طرف في كل مشكلة، وفي كل صراع، وفي كل اتفاق أو اختلاف ثنائي أو إقليمي أو عالمي، وهي شريك ورائد في كل تقدم إنساني، وفي كل انتكاسة أو كارثة بشرية أو كونية، فهي أكبر  قوة عسكرية واقتصادية وعلميّة وثقافية، وأكبر سوق، وأكثر مجتمعات الدول تنوعا، وكمثال واحد، فإن الولايات المتحدة تملك حوالي ١٢٨ قاعدة عسكرية كبرى في ٤٩ دولة في العالم، فإذا احتسبنا النقاط الأمنية، والتسهيلات العسكرية والمرافق الأمنية الأخرى، يصل العدد إلى ٧٥٠ قاعدة مختلفة الأحجام، دون التطرق إلى مبيعات السلاح والتعاون المعلوماتي، ولذلك، فالولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالم حاليا القادرة على خوض عدة حروب على عدة جبهات في ذات الوقت.

 أخيرا في هذه النقطة، نقول إنه حتى في الدول الأوروبية الكبرى تمارس الولايات المتحدة نفوذا وضغوطا سرا وعلانية، وليست مساندة إدارة دونالد ترامب الحالية في الولايات المتحدة لمختلف القوى والاتجاهات اليمينية الفاشية العنصرية في أوروبا، سوى أحدث هذه التدخلات، ومن قبلها حدثت تدخلات ضد أحزاب يسارية، بل وحدثت انقلابات حكومية (بوسائل ديمقراطية طبعا)، لعل أشهرها إسقاط حكومة هيلموت شميت الألمانية في أوائل ثمانينات القرن الماضي، بسبب المعارضة الداخلية القوية لنشر صواريخ بيرشينج الأمريكية في الأراضي الألمانية،  وكان ذلك في سياق  استئناف  الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان سياسة سباق التسلح، من أجل مزيد من استنزاف وإرهاق الاقتصاد السوفيتي، وبالطبع يتذكر المخضرمون الحملات الأمريكية على الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول، والتحريض المستمر ضده داخليا،  في  كل هذه الحالات وغيرها، لم يتحدث أحد عن مؤامرات ضد الأوطان، أو عن خيانات داخلية، أو عن أهل شر وأهل خير.. إلخ، لكن إذا عدنا إلى مصر، فالحديث الرسمي وغير الرسمي عن المؤامرات لا ينقطع، ومع ذلك فلا أحد من المسئولين يسمي الجهة المتآمرة، ولا يشرح أهدافها من هذا التآمر، والسبب بسيط، فهم يقصدون الولايات المتحدة، وهو ما يتعارض مع قوة العلاقات الرسمية (بل والشخصية من أكثر هؤلاء) معها في كل الميادين، تلك العلاقات  التي توصف دائما بالاستراتيجية، والتي وصفها أحد وزراء خارجيتنا ذات مرة، بأنها زواج كاثوليكي. وليست غرام ليلة واحدة.

أما غير الرسميين ومعهم كثير من المسئولين السابقين، فينطلقون في الحديث الفولكلوري عن المؤامرة الأمريكية على مصر دون حدود، فمنهم من يقول إنه أو (إنها)، رأى بعينه خرائط تقسيم مصر المقدمة إلى الكونجرس، وينسبها مثلا إلى وزير خارجية أمريكي سابق، ولكنه يذكر تاريخاً، كان وزير الخارجية الأمريكية المذكور فيه، قد غادر المنصب منذ سنوات، ثم ينسى هذا المتحدث أو تلك المتحدثة، أن مصر منذ توحيد القطرين على يد مينا لم تقسم قط، مع أنها قد تضعف كدولة ومجتمع، وقد  تُغزى من الخارج، وكذلك يتناسى هؤلاء، أن تقسيم مصر رأسيا، أي مجتمعيا على أسس طبقية أو فئوية أو ثقافية  حادة و جامدة، أو تحولها– لا قدر الله- إلى دولة عاجزة تنمويا، ومهددة كلما حان انتقال السلطة هو الخطر الأكبر، لأنه وارد دائما، و ممكن نظريا وعمليا، وتلوح بالفعل بعض مخاطره، في حين يستحيل تقسيم البلاد أفقيا، أي جغرافيا، من الأصل وقولا واحدا.

   أكثر من ذلك، لم أحصل على إجابة من رئيس وزراء مصري سابق، قال في غمار ثورة يناير أو في أعقابها، إنه رأى بعينيه وثيقة تقسيم مصر، وذلك عندما سألته عن هذه الوثيقة، لأنشرها موثقة المصدر، أو منسوبة إليه مع تحديد جهة وضع هذه الوثيقة وخطة تنفيذها (على الأقل)، فأكتفى بالقول، إنه رآها في صحيفة كويتية!!! ومن هذا القبيل أيضا ما جزم به رجال معلومات كبار جدا عندنا، من أن أبا بكر البغدادي خليفة دولة داعش المدحورة ليس سوي رجل يهودي، وكأنه تكرار فولكلوري لعقيدة التآمر اليهودي ضد الإسلام منذ فسر البعض مأساة الفتنة الكبرى في صدر الإسلام بمكائد عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل!

  ليس معنى ما تقدم كله نفي وجود المؤامرة في الماضي والحاضر والمستقبل، ولكن اعتبار التاريخ كله مؤامرة، وأن هذه المؤامرة علينا بالذات، وعدم التفريق بين التآمر السري، وبين النفوذ الطبيعي، وما يقتضيه أحيانا من تدخلات وخلافات، وكذلك عدم التمييز بين الوطن والدولة، وبين نظام الحكم وأشخاصه… كل ذلك خلط للأمور، وباطل يراد به باطل، وهو مجرد فولكولوريات مصطنعة بغرض التوظيف السياسي غير البريء.

 وبهذه المناسبة، فإذا قيل إن الولايات المتحدة كانت ترغب في استمرار جماعة الإخوان المسلمين في حكم مصر، وإنها ساندت وصولها للسلطة، وإن هذه هي المؤامرة، فإن الشق الأول من هذه المقولة صحيح، وأما الشق الثاني، أي القول بإنه مؤامرة فهو غير صحيح، لأن الاتصالات أو ما سُمي بالحوار البناء بين واشنطن وبين جماعة الاخوان، كان علنيا ومعلوما بالتفصيل للسلطة المصرية منذ عام ٢٠٠٧، حين أصدرت كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الرئيس بوش الابن قرارا تاريخيا بالدخول في هذا الحوار، لتأهيل الجماعة للمعايير الأمريكية للمشاركة في الحياة السياسية، ولمن يريد المزيد، فالتفاصيل الكاملة واردة في كتابي المعنون: “الوحي الأمريكي… قصة الارتباط البناء بين أمريكا و جماعة الإخوان”.