من الفاسد ومن النزيه؟ سؤال يبدو غريبا. هل الأمر مرتبط بالمهنة أم النوع أم العمر؟ تبدو الإجابة للوهلة الأولى سهلة. لا هذا ولا ذاك. فكل مهنة بها الضحل والفيض، وكل نوع به الكيس الفطن والعاجز عن التصرف، وكل عمر أو سن به الغث والسمين.
لكن ما هو مهم، أننا منذ نحو عقد ونيف، انتشر بين الناس؛ بسبب الإعلام الموجه من صحافة وتلفزيون، خاصة بعد أن هيمنت “المتحدة” على الإعلام المرئي، فأممته وأثرت في موضوعيته، ما يشير إلى أن كل ما هو مشروع مدني بالضرورة فاسد وغير نزيه، وكل ما هو مشروع غير مدني سواء عسكري أو خلافه فهو نزيه.
القاعدة التي أُريد لهم إثباتها، تبدو خطأ، وبياناتهم تبدو أنها تحمل عشرات الأمور الإيحائية. فلا كل مدني بالضرورة فاشل، ولا كل ما هو غير مدني بالضرورة ناجح. كثيرون تحدثوا عن تخوفهم في التعامل مع الجهات الإدارية البيروقراطية المصرية، لكون بعض الموظفين هم من طالبي الرشوة صراحة أو سرا، وبعض الناس يغتبطون عند سماع أنهم سيتعاملون مع غير المدنيين، إذ يكون ذلك لهم (بسبب الإعلام) مثير للاطمئنان. خذ على سبيل المثال عند سماع رنة موبيل بها أدعية؛ لتعرف أن محدثك يفصح عن هويته الدينية ومعتقداته التي يتمسك بها، وإذ به تجده في تعامله شخص آخر بالكلية، أو خذ أكشاك بيع اللحوم في الشوارع التي تقول، إنها تابعة أو مصرح لها بالعمل من هذه الجهة الأمنية أو تلك، لتُدرك بعدها أن أسعارها لا تفرق إن لم تزد عن أسعار المحلات المدنية.
تبدو الخلاصة هنا، أن الأمر لا يحمل أي قاعدة، في تصنيف الناس أو مؤسسة بين جيدين وفاسدين.
تخويف الناس ممن هم من المدنيين
وكما ذكر آنفا، شهد العقد الأخير تخويف الناس من كل ما هو مدني، ففي أي مجال من مجالات العمل، سواء بالقطاع العام أو الخاص، أشيع دون تصريح أن المدني خائف، يده مرتعشة، مرتشي، بيروقراطي، متردد، ضعيف الأداء، فاقد السيطرة، غير منضبط… إلخ. وكل تلك الأوصاف وارد أن تكون صحيحة، لكنها صحيحة عند الكافة بغض النظر عن انتمائهم، لكون هؤلاء تربوا بأساليب غير سوية؛ بسبب تأثيرات معينة من قبل أسرهم أو ضعف مؤسسات التعليم (المدرسة أو الجامعة). بعبارة أخرى، لا يجب أن تُلصق صفة بفئة، وتمنع عن فئة أخرى بشكل خالص.
من هنا، تكون على الأرجح أية أخطاء من الجانب المدني أخطاء فردية، لأنه يستحيل أن تكون هناك مؤسسة تأمر العاملين بها بنشر الفساد، وإلا نكون أمام حالات نشاز، تختلف عن الفطرة التي جبل المولى الإنسان عليها.
الاحتراف عامل مهم للنجاح والفشل
لذلك يبدو التخصص وبالأحرى الاحتراف أمر كيّس للغاية، فما دام تم اختيار العامل الجيد الأمين والمدرب تدريبا عاليا، والإداري الناجح الذي يستطيع إدارة الأزمات بكفاءة عالية، فإن النجاح هو على الأرجح المصير المحتوم.
خذ على سبيل المثال، الجيش والوقائع التي خاضها خلال السنوات الأخيرة لمواجهة الإرهاب بالتعاون مع الشرطة المصرية، فقد تمت كل تلك العمليات بنجاح مذهل، كونها حمت نظام الحكم في مصر من الانهيار، فقضت على الإرهاب في سيناء، واستغلت الاتفاق مع العدو الصهيوني في سيناء لاتساع رقعة الانتشار؛ كي تحارب جماعات العنف الديني. هكذا دافع الجيش من خلال تخصصه وحرفيته على المواطن، كونه عمل في مجال تخصصه الذي تدرب عليه، والذي نشأ من أجله في كافة دول العالم، وهو الحفاظ على الثغور، والحفاظ على الأمن القومي من المنظور العسكري والاستراتيجي.
توقع الإنجاز المحدود في كل من يعمل خارج حرفته
ولأن المدني لا يجيد التعامل أمنيا مع أعداء الخارج، ولربما أعداء الداخل أيضا، مقابل نجاحه عادة في إدارة الشأن البيروقراطي في الواقع المدني المعاش خدمة لكل المواطنين من كافة الفئات، بما فيها العسكريين. فإن العسكري فائق النجاح في الشأن العسكري، لن يدير الاقتصاد بأسلوب ناجح على الإطلاق، فهو خارج نطاق عمله، ولم يتدرب على ذلك، ولربما استعان بمدنيين من الباطن لإدارة المؤسسة الاقتصادية. لذلك كله، هو معذور؛ لأنه وضِع في مكانة ليست له. هنا من المهم، أن نُشير إلى أنه رغم ما يكنه الكثيرون من كراهية لأجندة صندوق النقد الدولي، لكنه قال عام 2016 الصواب عندما انتقد وجود ميزانيتين للدولة، وطالب بحتمية بيع المنشآت الاقتصادية العملاقة، التي تدار من قبل ما اصطلح على تسميته بالجهات السيادية إلى مستثمرين استراتيجيين، مدنيين بالطبع. لذلك جاءت وثيقة ملكية الدولة الأولى والثانية- التي نُفذ منها القليل- لتؤكد حتمية التخلص من هذا العبء، الذي حول الدولة إبان حكم مبارك من 78% قطاع خاص إلى 18% فقط اليوم.
أمثلة على ارتباط النجاح بالتخصص والاحتراف
ولأن النقد هو سر النجاح، فمن الملائم للناس تقييم التجارب دون مؤاخذة، بل يجب أن يقابل ذلك بالاستحسان والعرفان. فالله عز وجل نفسه يمنح الكافر الرزق، كما يمنحه للمسلم، رغم أن من نطق بالشهادتين هم فقط لا يتعدوا 20% من بني البشر في العالم.
من هنا، نقول إنه كما ثبُت النجاح لكل ما هو غير مدني بالضرورة وعلى طول الخط في مواجهة الإرهاب، لكون هذا العمل مرتبط بمحترفين آخرين، كان هناك كلام آخر في إدارة هذا القطاع غير المدني لمشروعات مدنية صرفة، فمزارع غليون على سبيل المثال، التي اُنشأت لمواجهة ارتفاع أسعار الأسماك، لم تكن ناجحة، صحيح أنها زادت من الثروة السمكية بشكل واضح، لكن أسعار البلطي مثلا ارتفعت عند تأسيسها من 15 جنيها للكيلو إلى 80 جنيها اليوم.
خذ كذلك شراء واستيراد القمح، والذي كان يتم عبر التعاقدات والمناقصات والمزايدات من الهيئة العامة للسلع التموينية منذ نشأتها عام 1968. اليوم يتم ذلك بالأمر المباشر من جهاز مستقبل مصر. هنا من المهم الإشارة إلى ما قاله أحد نواب مجلس النواب مؤخرا، من أن الجهاز استورد القمح بثمن يفوق ما كان يتم من هيئة السلع (وهي هيئة مدنية) بـ20-30 دولارا لكل طن!!
خذ أيضا مشكلات إضافة الماء إلى البنزين في عديد محطات الوقود التابعة لجهات سيادية عام 2025. صحيح أن الأمر تم تداركه بإصلاح عديد السيارات، التي أثبتت أنها قامت بتموين البنزين من تلك المحطات بالمجان، لكن ما شاب هذا العمل، أن الناس لم تعرف إلى اليوم من المسئول عن هذا العمل وما عقابه؟
خذ كذلك جهاز التنمية المستدامة وريث “الغير مدني” وصلاحيات الدولة داخل دولة، التي أتت بها الحكومة وسنها البرلمان لجهاز مستقبل مصر منذ أيام قليلة، والتي بها عمليا يقضي الجهاز المقنن على وظيفة عشرات الوزارات والمحافظات والمحليات، ويُعلن دون أدنى إثبات أنها فاشلة وغير ناجحة، رغم نجاحها منقطع النظير في عديد من الأمور العامة والخاصة كالبتروكيماويات والسبائك الحديدية وإدارة السد العالي ومنظومة الخبز ومجمع الألومنيوم ومصر الجديدة للإسكان وممفيس للأدوية (10 قصص نجاح لشركات قطاع الأعمال، اليوم السابع 27/12/2025). لقد أعفى القانون هذا الجهاز المقنن من العديد والعديد من الالتزامات التي تقع على عاتق المؤسسات العامة والخاصة، بموجب القوانين المنظمة للعمل الإداري، كالخدمة المدنية وحد الأجور ومنح الهدايا والتعاقدات والمزايدات.. إلخ.
خذ أيضا إدارة أغلب محطات كارتات الطرق، عبر الشركة الوطنية للطرق، والتي لا يخضع عملها للمساواة بين الناس، لكونها لا تُحصل المال من حاملي بعض الكارنيهات المرتبطة بوظائف معينة، حتى لو متقاعدين منها، كما أنها تُسعر الحمولات الضخمة بشكل مزاجي، يختلف من سلعة لأخرى، ومن مدير محطة لأخرى.
المدني الفاشل يحتاج للإصلاح وليس العزل
خذ كذلك العمل في إدارة البحيرات كالبردويل، والعمل في كروت الكهرباء، والعمل في سفلته الطرق، والعمل الشخصي عبر التعيين المباشر في عديد الهيئات القومية، والعمل في التعليم والتدريب الوظيفي، وتربية المواشي.. كل تلك الأعمال وغيرها وغيرها، من المهم أن يتم سرعة تقييم الأداء بها مقارنة بغيرها المدني.
لا شك أنه بعد تقنين جهاز مستقبل مصر، أن نفتح المجال على مصراعيه لتقييم محايد لأدائه، وأن تفتح أبوابه لنقد الجهاز المركزي للمحاسبات وللبرلمان والأحزاب والمحليات، وأن نقيس مداخيله وعوائده للدولة بالجودة الكاملة، وأن نقدر بجدية أثره على عمل الأجهزة المشابهة بالوزارات والمحافظات.
ما سبق لا يجب أن يثنينا عن القول إن هناك أعمالا يقوم بها الموظف المدني سواء بالقطاع العام أو الخاص تتعرض للفشل، وبعض تلك الأعمال ناتج عن سوء الإدارة وليست لعيوب شخصية. خذ هنا شركات الغزل والنسيج والحديد والصلب بحلوان والقومية للأسمنت والدلتا للأسمدة، وكلها مشروعات قطاع أعمال فاشلة بامتياز، لكن هذا العدد السابق يجب أن يُنظر إليه أنه يأتي ضمن 120 شركة قطاع أعمال ناجحة أو أن بعضها يمكن النهوض به عبر التطوير الإداري والتقني (بوابة الأهرام 18/ 2/ 2021).
يحتاج القطاع المدني لثورة إدارية، وتقنيات، ولا بأس من الاستعانة بالقطاع غير المدني في التمويل فقط؛ لتحقيق هذا، أي الأخذ بيد المدني وتطويره وليس عزله.
خلاصة القول إن لكل مجال عمل واحتراف ومجال اهتمام، والكيّس هو من يوسد أمر الناس للمتخصصين. هنا نذكر بالحديث النبوي الذي يربط بين الأمانة وبين إسناد الأمر لأهله، وإلا- كما قال سيدنا- انتظروا الساعة.






