سمعت مقولة أن المصريين لا يدركون حقائق تاريخهم، أو يتهربون منها بدعوي الوطنية، أو بدعاية السلطة- وهي مقولة اتفق معها تماما- كل من المرحوم المستشار طارق البشري، والمرحوم الأستاذ محمد حسنين هيكل.
تتلخص هذه الحقائق عند الرجلين في أن تاريخنا المصري لم يعرف الاستقلال الحقيقي الكامل إلا في حقبتين، الأولي تحت قيادة محمد علي باشا من عام ١٨١١ حتى معاهدة لندن عام ١٨٤٠، والثانية تحت قيادة جمال عبد الناصر من عام ١٩٥٦ حتى هزيمة يونيو عام ١٩٦٧، ويمكن أن تمتد هذه الفترة حتى عام ١٩٧٤، التي انخرط فيها الرئيس أنور السادات في (زواج كاثوليكي) مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزال مستمرا، ولا تبدو له نهاية قريبة.
ليس معنى ذلك، أن مصر كانت في غير هاتين الحقبتين في حالة تبعية مطلقة للخارج، حتى في أثناء الاحتلال البريطاني، ولكن التبعية درجات ومستويات، مثلما أن الاستقلال درجات ومستويات، وإذن فطبقا لهذه المقولة فقد كانت مصر منذ مجيء الحملة الفرنسية وخروجها عرضة لنفوذ أجنبي متعدد المصادر والأهداف.
وليس في ذلك في حد ذاته ما يوجب الخجل من تاريخنا، وليس في ذلك أيضا ما يجعلنا حالة فريدة ومعيبة بين الدول، فقد كانت الدولة العثمانية، والتي كنا جزءا منها، مسرحا للنفوذ الفرنسي ثم البريطاني ثم الألماني، ثم لكل هذه القوى وغيرها، حتى أنقذها أتاتورك بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.
لكن المفارقة المحزنة والمخجلة في تاريخنا هي أن الإصلاحات السياسية الكبرى في حياتنا جرت كلها- تقريبا- تحت الضغط الخارجي، باستثناء ما ترتب على ثورة ١٩١٩ من دستور أقر مبدأ المواطنة المتساوية، والحكومة المنتخبة، وذلك برغم ما شاب تطبيق الدستور وحقوق المواطنة من أخطاء، وما تعرضت له هذه الإصلاحات من ضربات ونكسات، وأيضا باستثناء الإصلاحات الاجتماعية، وتصفية النفوذ الأجنبي في الحقبة الناصرية.
كانت أول مناسبة تجلت فيها تلك المفارقة، بحيث كان الإصلاح على حساب الاستقلال، هي معاهدة لندن لعام ١٨٤٠ التي نصت على إلزام الوالي محمد علي باشا بإلغاء نظام الاحتكار، وهو النظام الذي كان يجعل من الحاكم مالكا وحيدا لكل أراضي مصر، أي للبلاد والعباد، وتاجرا وحيدا في السوق الداخلية والسوق الدولية، وخاصة في بيع القمح والحبوب الزيتية والقطن، واستيراد كل ما يلزم مشروعاته الصناعية، وأسلحة الجيش والأسطول الحربي والتجاري، وهو كذلك الصانع الوحيد، وقد رضخ الباشا لهذا المطلب، وإن حاول الالتفاف والمراوغة كثيرا.
إلغاء الاحتكار كان- حقا- يستجيب لمصالح الدول الأجنبية، خاصة بريطانيا، بما أنه يدخل مصر في السوق العالمية الرأسمالية المتوسعة، لتستقبل السلع المصنعة، ولتصدر المواد الخام، وبالذات القطن والحبوب الزيتية، والقمح لإطعام الجنود البريطانيين تحديدا في قواعد وسفن البحر المتوسط، ولكن ذلك كان في الوقت نفسه تحريرا للفلاح المصري في بيع محصوله، دون تسعيرة جبرية، تفرضها الحكومة، كما أدى هذا التطور بطبيعة الحال إلى ظهور فئة أو شريحة التجار، الذين سرعان ما راكموا رؤوس أموال، استُعملت في تمويل أنشطة أخرى مثل (الفابريقات الأهلية) كنواة لرأسمالية صناعية جنينية.
ألا يذكرنا ذلك بالمطلب المتكرر لصندوق النقد الدولي حاليا بتخارج الدولة من الاقتصاد، وبوثيقتي تنظيم ملكية الدولة، ثم بالالتفاف على المطلب بالخروج شكلا ثم العودة، باسم مستقبل مصر والتنمية المستدامة، على الطريقة المعهودة منذ محمد علي باشا.
بمرور السنوات، وإزاء التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة على إلغاء الاحتكار، وكذلك بتأثير الأفكار الحديثة على الوالي محمد سعيد باشا، فقد بادر الرجل إلى إدخال أكبر إصلاحين سياسيين في التاريخ المصري قبل برلمان الخديوي إسماعيل الثورة العرابية، وهما إلغاء نظام الجزية على الأقباط، و قبولهم في الجيش ١٨٥٥، فكان ذلك أول تطبيقات الحداثة، من خلال حقوق المواطنة المتساوية، بغض النظر عن العقيدة الدينية، وثانيا ما يسمى باللائحة السعيدية لعام ١٨٥٨، التي ألغت نظام الالتزام في الأراضي الزراعية، وسمحت للمزارع المصري لأول مرة في التاريخ بملكية الانتفاع للأرض الزراعية، ثم بالملكية الكاملة بعد ذلك بعامين.
فإذا وصلنا إلى عهد الخديوي إسماعيل، فإن أول إصلاح سياسي وحقوقي مهم، جرى في عهده، كان بفضل النفوذ البريطاني أيضا، في صراعه مع النفوذ الفرنسي في مصر، وهو نظام القضاء المختلط، الذي كان وقتها خطوة تقدمية، للحد من مظالم المحاكم القنصلية للمصريين مدنيا وجنائيا لمصلحة الأجانب، وهو ما كان يرجع لنظام الامتيازات الأجنبية، الذي كان موروثا من الدولة العثمانيةّ، و كما يقول نوبار باشا ناظر خارجية الخديوي، ورجل إنجلترا، فقد كان إسماعيل يقاوم المشروع اعتقادا منه، بأنه سيحد من سلطته المطلقة، لا سيما إذا تبعه إنشاء ما عرف بعد ذلك بالقضاء الأهلي، كنواة لسلطة قضائية مستقلة عن إرادة ولي النعم.
سوف نمر سريعا على مناورة الخديوي إسماعيل الإصلاحية من خلال الدستور ومجلس شورى النواب اللذين قصد بهما مواجهة نفوذ الدائنين الأجانب، فهي على كل حال شاهد جديد على الإصلاح بضغط الخارج، كذلك سنمر سريعا على ملابسات الثورة العرابية، لنصل إلى إصلاحات اللورد كرومر، عميد الاحتلال البريطاني، فبكل أسى لا بد أن نعترف أن إصلاح مالية مصر، والفصل بين ميزانية الدولة وبين ميزانية الحاكم، وتحميل الدائرة السنية مسئولية ديون الخديوي الشخصية، كان كرومر هو الذي فرضها، وكذلك إلغاء عمل الفلاحين بالسخرة، وإبطال عقوبة الجلد، والتشدد في تطبيق إلغاء الرق وملاحقة تجار الرقيق.
وأيضا سوف نمر سريعا- لدواعي الاختصار والتركيز- إلى الموجة الأحدث من الإصلاحات السياسية والحقوقية، وهي التي بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، وسوف نجد أن الضغوط الخارجية (الأمريكية والأوروبية) هي التي أسفرت عن كثير من تلك الإصلاحات، ومنها تصفية حالات عديدة من سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا في أيام حسني مبارك، وإنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، وإقرار حقوق أساسية للأقباط في موضوع بناء الكنائس وإجازات الأعياد ومقاعد البرلمان، كذلك للمرأة، فتولت مناصب قضائية، وأنشأت محاكم الأسرة وسهلت إجراءات الطلاق من زيجات فاشلة وظالمة، وأدخل مبدأ الخلع للتغلب على تعنت بعض الأزواج..إلخ.
طبعا كنا ولا زلنا نتمنى مثل كل مصري يحب وطنه، أن يكون إصلاح أحوالنا السياسية والحقوقية والمعيشية نابعا من داخلنا، ولو في إطار التضاغط الطبيعي، والصراع السياسي السلمي، ودون تدخل من الخارج، ولكي يتحقق ذلك، فينبغي أولا التوقف عن ترديد فولكلور المؤامرة لوصف، أو في الحقيقة لدمغ كل مطلب للإصلاح، وتجريم كل تحرك سلمي في اتجاهه.
فهذا هو طريق السلامة للوطن وللمواطن وللنظام الحاكم على السواء.






