حطت طائرة المنتخب الوطني لكرة القدم في مطار العلمين، وليس في مطار القاهرة، فقال كثيرون، إنها واحدة من وقائع التمييز بين عموم الناس، الذين هتفوا للاعبين على المقاهي في الشوارع الخلفية، وبين أصحاب الحظوة، الذين تمكنهم السلطة الحالية من المال والمناصب.

تم تصحيح الموقف جزئيا بتنظيم احتفال للمنتخب في استاد القاهرة، حضره جمهور مر من البوابة الأمنية، كما يحدث في مباريات الدوري العام، لكن هناك من عزا هذا الإبعاد المزدوج إلى مخاوف لدى أهل الحكم، من أن يندس صائدو فرص بين المحتفين بالمنتخب، ويحولون جمهرة الكرة إلى احتجاج سياسي.

لم ينبع رأي الفريق الأخير من فراغ، إنما كان يتكئ على ما يحدث خلال المباريات المحلية على مدار أكثر من عشر سنوات، وما قامت به الشرطة من أفعال حيال التجمعات، التي حضرت المباريات على مقاه قريبة من ميدان التحرير على وجه الخصوص.

في الليلة التي هزم فيها منتخب مصر نظيره الأسترالي، ذهبت إلى المقهى في ساعة متأخرة، فسمعت من بعض الزبائن أن قوة من الشرطة قد جاءت عقب انتهاء المباراة، وطلبت من المحتفلين الانصراف سريعًا إلى بيوتهم، فامتثلوا للطلب وغادروا صامتين.

بالطبع لم يكن هذا لتيسير المرور، ولا لمنع التشاجر، فالناس كانت في وئام وبهجة، والسيارات نفسها تحولت إلى قاعة أفراح، حين أطلقت أبواقها طربًا، ومد بعض راكبيها أيديهم بأعلام مصر، أو أخرجوا رؤوسهم من نوافذها هاتفين.

كان هذا جريًا على غريزة التحسب والحذر، وربما الذعر الساكن في عقول ونفوس لا تعرف، رغم كل هذه السنين شيئًا عن نفسية المصريين وعقليتهم، فهم لم يكونوا في أي يوم شعبًا غدارًا، وحتى في انتفاضاتهم وثوراتهم أعلنوا عنها مسبقًا، أو أعطوا إشارات قوية عليها، بعد أن أعطوا السلطة فرصًا عديدة للإصلاح، وهم لا يخلطون هذا بذاك، فحين انفجروا غاضبين في انتفاضة الخبز 1977 لم ينتظروا فوزًا في مباراة ليستغلوه في ملء الشوارع بالغاضبين، إنما احتجوا مباشرة على قرار رفع الأسعار، وحين عادت السلطة عنه عادوا هم إلى بيوتهم.

أتذكر عقب مباراتنا مع الكونغو في 8 أكتوبر 2017، والتي فزنا بها فصعدنا إلى كأس العالم 2018 في روسيا، أنني قلت لصديق كان يشاهد معي المباراة على المقهى: لا بد أن نذهب الآن مباشرة إلى ميدان التحرير؟

سألني: لماذا؟

أجبته: أريد اختبار افتراض أو الإجابة على سؤال يخص “علم الاجتماع السياسي”، وليس بعيدًا أيضًا عن كتابة الروايات والقصص والشعر.

ولمَّا وصلنا الميدان وجدنا الشباب يحتفلون في صخب عارم، وعربات شرطة تحوطهم، ومخبرين منتشرين بينهم، تعرفهم من عيونهم لفرط التلصص والترقب. نظرت إلى المشهد وابتسمت، ولاح لي شرطي برتبة عقيد، فذهبت إليه، وألقيت عليه التحية، وعرفني وحياني، فقلت له:

طبعًا يا سيادة العقيد أنت مكلف بمنع تحول الاحتفال إلى مظاهرة ضد السلطة؟

ابتسم، وقال:

ـ نخشى من يستغل الحشد.

قهقهت، وقلت له:

لو ظهر هذا المستغل، سيوسعه هؤلاء المحتفلون ضربًا.

نظر إلي في استغراب، فقلت:

ـ أجهزة الأمن لدينا في حاجة إلى دروس في علم النفس الاجتماعي، وأصحاب القرار في هذا البلد في حاجة إلى دراسة شخصية المصريين، وأتعجب ممن يديرون بلدًا، لا يفهمون شعبها جيدًا.

هناك من قرأ خطأ كتاب عالم الاجتماع الإيراني ــ الأمريكي آصف بيات “الحياة سياسة.. كيف يفكر الناس في الشرق الأوسط؟” الذي قال فيه إن أي تجمع للناس حتى لو كان لتقضية وقت الفراغ على الكورنيش، هو مشروع لاحتجاج محتمل. فما أثبته الكتاب، الذي لا أدري إن كان أحد في السلطة بمصر قد قرأه أم لا، يبدو بعيدا عن الطريقة التي يفكر بها المصريون.

إن الروح المصرية تختزن الغضب طويلًا، وهي غالبًا لا تنفجر به إلا في وقته، ولا توجهه إلا إلى قضيته الحقيقية. لهذا يفرق المصريون بين تجمعهم أو احتشادهم لفعل سياسي، وآخر لفعل ترويحي أو لأداء طقس ديني معين.

فعلى مدار عقود من الزمن، هي التي عشناها وعرفنا أحداثها، طالما اجتمع الناس بمئات الآلاف في موالد الأولياء والقديسين، وصلوات العيدين، وفي المساجد لصلاة الجمعة، وحول موائد الرحمن في شهر رمضان، وفي الحدائق العامة خلال عطلات الأعياد الدينية والقومية، وإجازات نهاية الأسبوع، وفي الأسواق ومحطات القطارات والباصات، وفي حفلات العرس وسرادقات المآتم، وللفرجة على مباريات كرة القدم في الاستاد أو المقاهي المتجاورة، ولم نسمع أن أيًا من هذه التجمعات قد انعطف إلى نوع من التسييس. وحتى إن هتف جمهور الكرة، لا سيما من الألتراس، بشيء يعلن فيه موقفه السياسي، فإن هذا لا يبرح مكانه، ولا يحرك ساكنًا لدى متابعي المباريات على المقاهي وفي البيوت.

وتفيدنا مطالعة الحوليات التاريخية، بأن خروج المصريين للاحتجاج كانت تسبقه الشروط، التي تؤدي إلى هذا الفعل، وكان هذا يًُعلن عيانا بيانا، بلا مواربة، وأن الانفجارات العفوية المحدودة لم تكن تخلو من أسباب موضوعية، ولم تستغل فيها التجمعات غير المسيسة، ولم تكن تجذب إليها إلا من امتلأت نفوسهم بإرادة الغضب فعلًا.

وفي وقتنا المعاصر، ورغم أن هناك أصواتا سياسية تتحدث دومًا عن استغلال هذه المناسبات لإطلاق مظاهرات أو احتجاجات، ويتوهم بعضها أنها قد تمتد إلى أن تصبح ثورة كاملة، فإن أصحابها أخفقوا في كل هذه المرات، لأنهم لا يدركون هذه الخاصية النفسية عند المصريين، وأنه إن لم يكن الناس على اقتناع بهذه النداءات أو ذلك التحريض، فإنهم لا يستجيبون أبدا.

 وإذا كانت الموجة الأوسع من مظاهرات ثورة يناير، قد خرجت من المساجد، فيما سميت “جمعة الغضب“، فما كان هذا يحدث إلا لأن هناك طليعة خرجت قبل هذا الموعد بثلاثة أيام، معلنة الثورة، وداعية الناس للانضمام إليها. بل أتذكر أن الاختراق الكبير ما كان له أن يحضر على النحو الذي رأيناه، لولا امتداد هذه الدعوة إلى البيوت، حين مرت طليعة ثورية قليلة العدد في كل شارع طالبة من الناس الانضمام، وفق هتاف شاع وقتها يقول: “يا أهالينا انضموا لينا.. قبل بلدنا ما تغرق بينا”.

ولا تخلو التنظيمات السياسية نفسها من قادة، يدركون هذه الخاصية، لذا رأيناهم يستغلون المناسبات الدينية في استعراض القوة الشعبية، سواء كانت تضم المنتمين إليها، أو المتعاطفين معها، أو المتحلقين من بعيد حولها، أو حتى المتفرجين عليها، لكنهم قصروا تصرفهم السياسي، في حال الممارسة السلمية، على إجراءاته المعروفة بدءا بانتخابات الاتحاد الطلابية وانتهاء بالبرلمانية، مرورًا بانتخابات النقابات المهنية والعمالية. أما في حال الممارسات العنيفة، فإنهم اعتمدوا على أعضاء منهم، حملوا السلاح في وجه السلطة والمجتمع.

لقد فهم الاحتلال الإنجليزي مثلًا هذه الخاصية عند المصريين، فلم يضيق على الناس في تجمعاتهم غير السياسية، وصرف ذهنه وجهده الأمني إلى السياسي الصرف، سواء كان ينزع إلى السلم، أو يجنح إلى تكوين تنظيمات سرية تتبنى العنف طريقا للتغير. ومن أسف أننا نجد الآن من لا يدركون هذا المعطى التاريخي جيدًا، ويتصرفون على أساسه.