نشرت “فورين بوليسي” في عددها الأخير لهذا الصيف (يونيو/ آذار 2026) ملفًا من نحو عشرة مقالات، خصَّصت كلا منها لنهايةٍ من نهايات “العالم كما نعرفه”: موت القانون الدولي، نهاية اللجوء، تصدُّع التحالف الأطلسي، فشل الحكم التكنوقراطي للمناخ، انقراض الحزب الجماهيري.. إلى آخره. والمنطق الجامع الذي يربط هذه النهايات، كما يقدِّمه محرِّرو الملف، هو التفكُّك المنهجي للنظام الدولي الليبرالي الذي تأسَّس بعد الحرب الثانية 1945، وترسخ بعد الحرب الباردة 1990، وانقلاب مهندسه الأكبر- الولايات المتحدة- عليه ليتصرف بوصفه قوة مفترسة لا ضامنًا للاستقرار.

غير أن قراءة هذا الملف من موقعنا في المنطقة العربية تستدعي تحفُّظًا منهجيًا، قبل أن تستدعي الموافقة. فلغة “النهايات” تُعيد إنتاج منطق السيناريو من بابٍ خلفي؛ فلكل نهايةٍ لحظة وفاةٍ وشهادة نعي، كأن النظام كائنٌ، يُولد فيكتمل ثم يموت فيُدفن. وهذا تصوُّرٌ خطّيٌّ للزمن السياسي، لا يتسق مع ما رصدتُه في كتبي على مدار سنوات. فما يجري ليس موتًا، بل تراجعُ وظيفةٍ وانكشافُ بنية وتآكل مؤسسة: الوظيفة تتسرَّب من حاملها المؤسسي القديم دون أن تُدفن، فيحدث ما أسمّيه- مستعيرًا تعبير زيجمونت باومان الذي أخذه من الفيلسوف الإيطالي فوكو- “خلوّ العرش” لا غياب الوظيفة، بل غياب من يؤدّيها على نحوٍ معترفٍ به.

ومن هذا التجاور والامتزاج بين قديمٍ مرتحلٍ، لم يمت بعد، وجديدٍ ناشئٍ لم يتمأسس بعد، تنشأ المفارقات، ومن فجواتها تتولَّد ظواهر معقَّدة متراكبة. فما يبدو لعين فورين بوليسي “نهايات” هو في حقيقته اتجاهاتٌ متعارضة تتجاور في الزمن نفسه: اتجاهٌ منتهٍ فقد قدرته التأسيسية واحتفظ بفاعليةٍ دفاعيةٍ فحسب، واتجاهٌ ناشئٌ يملك فاعليةً بلا شرعيةٍ بعد. ومنطقتنا هي المكان أو المختبر، الذي تتراكب فيه هذه الاتجاهات بأعلى كثافةٍ في العالم؛ لأنه دفع ثمن الوظيفة، حين كانت قائمة، ويدفع اليوم ثمن انكشافها.

وهذه هي الأطروحة، التي أبسطها في هذا المقال: لم تكن المنطقة العربية يومًا خارج النظام الليبرالي، تتفرَّج عليه من بعيد، بل كانت مختبرَه ومادَّتَه الأولى. اختُبرت فيها وعوده وتناقضاته دفعةً واحدة، فدفعت كلفةً مزدوجة؛ كُلفةَ النظام حين كان فاعلًا، وكلفةَ غيابه حين تسرَّبت وظائفه أو تآكلت. وأنا هنا لا أكتب نعيًا لنظامٍ غربيٍّ، بل أحاول أن أُظهر كيف كانت قراءتنا في المنطقة تلتقط التسريب والانكشاف، بينما كان الخطاب السائد لا يزال يتحدث بلغة الأنظمة المستقرة.

ثمن النظام حين كان قائمًا

لم تكن الدولة العربية الحديثة ثمرةَ جماعةٍ سياسيةٍ، تبلورت حول رابطةٍ من دينٍ أو قوميةٍ أو عرق، ثم بحثت لنفسها عن حدودٍ تُعبِّر عنها. كان العكس هو ما جرى: رُسمت الحدود الجغرافية أولًا بفعل موازين القوى بين الدول الأجنبية المسيطرة واحتياجاتها، ثم قامت الدولة المركزية الحديثة على أساسٍ “قُطريٍ” داخل تلك الحدود المفروضة. أي أن فاعلا سياسيًّا خارجيًّا هو الذي حسم أمرًا، يتعلق بجوهر الجماعة السياسية ذاتها. ومن هذا الخلل التأسيسي وُلد الصدام البنيوي بين دولة ما بعد الاستقلال وبين المشاريع البديلة، التي حملت روابط ما فوق- قُطرية، إسلاميةً كانت أو قومية، أو ما دون قطرية.

هذا الثمن التأسيسي الأول- ثمن جغرافيا فُصِّلت على مقاس المسيطر- ظل يُسدَّد على أقساطٍ طوال القرن العشرين، لكن القسط الأثقل جاء مع التحوُّل النيو ليبرالي، الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي وتسارع في ثمانينياته وتسعينياته. فقد استُخدمت “أزمة ديون العالم الثالث” وسيلةَ ضغطٍ لفرض “شروط” القروض المدوَّنة في “الوصايا العشر” لإجماع واشنطن: خصخصةٌ، وتحريرٌ للتجارة، وتفكيكٌ لشبكات الأمان الاجتماعي. وهكذا أُعيدت هيكلة المنطقة وطنيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، بحيث صار الاقتصاد ذو الطبعة النيو ليبرالية- القائم على فكرة السوق- هو القاطرةَ التي تُسحب خلفها السياسة والمجتمع والثقافة.

ولم يكن هذا التحوُّل اقتصاديًّا محضًا. لقد أنتج نمطًا من الحكم نقلَ الأنظمة، من صيغةٍ احتفظت بدرجةٍ من إعادة التوزيع الشعبي إلى أنظمةٍ أكثر استبدادًا، تراجعت عن التزاماتها الاجتماعية، وتشابك فيها جهاز الدولة مع مصالح رأس المال الخاص الناشئ، فترسَّخت رأسمالية المحاسيب. ومن مصر- حيث بدأ المسار مع انفتاح السادات، وبلغ ذروته في “حكومة رجال الأعمال” 2004- إلى سوريا ولبنان والجزائر وغيرهم، تكرَّر النمط نفسه: طبقةٌ جديدةٌ تُثري نفسها بالقرب من السلطة، وأجهزة الإكراه المادي توسع إمبراطوريتها الاقتصادية المعفيّة من الضرائب والرقابة، وبترو دولارٌ خليجيٌّ يُعاد تدويره؛ ليُموِّل تحرير الاقتصاد والهجوم على الحماية الاجتماعية في آنٍ معًا.

وكانت دول الخليج هنا عقدةً مركزية. فبعد أزمة النفط 1973، صارت مراكز إقليميةً لتكوين رأس المال، وسمح تدويلُ رأس المال الخليجي-مستندًا إلى برامج التكيُّف الهيكلي في الدول المجاورة- للشركات الخليجية بأن تستثمر بكثافةٍ في المصارف والعقارات والاتصالات في مصر ولبنانَ وغيرهما، فأعادت تشكيل اقتصادها السياسي من الخارج. حتى دورة الأزمة صارت تُصدَّر؛ فبعد انخفاض أسعار النفط 2014، استجابت دولٌ خليجيةٌ بحملات ترحيلٍ، طردت ملايين العمال المهاجرين، فنُقل عبء الانكماش إلى الدول المصدِّرة للعمالة.

هكذا اعترف إجماع واشنطن صراحةً بازدرائه لمخاوف المساواة، وفُكِّكت مكاسبُ حقبة التنمية الأمن الوظيفي ودعم الغذاء والتعليم المجاني تفكيكًا منهجيًّا.

وثمة وجهٌ ثالثٌ لهذا الثمن، قلَّما يُلتفت إليه: وهو زيادة حضور أجهزة الإكراه المادي دون بقية أجهزة الدولة في الاقتصاد. فرغم الدفع الأيديولوجي للمؤسسات المالية الدولية نحو تقليص القطاع العام، نجحت هذه الأجهزة في أنحاء المنطقة في الاستفادة من قوتها المؤسسية؛ لتوسِّع إمبراطورياتها الاقتصادية. فتعاون منتسبو هذه الأجهزة مع رأس المال الأجنبي- وخاصة الخليجي- وتوسَّعوا في الصناعات والزراعة التجارية والبناء، حتى حلُّوا محل رأس المال الخاص قوةً رائدةً في السوق والحكومة معًا، وعزَّزوا احتكاراتٍ قلَّصت النخبةَ التجارية القديمة إلى مقاولين من الباطن أو همَّشتها تمامًا. وهكذا ضمن توسع هذه الأجهزة الاقتصادي بقائها ركيزةِ أمن النظام- مخلصةً مدعومةً، فتعزَّز الاستقرار الاستبدادي على الرغم من التقشُّف المفروض على الجميع.

النيو ليبرالية إذن لم تُضعف الدولة في منطقتنا كما يُتوهَّم، بل أعادت توزيعها لصالح أكثر أجهزتها انغلاقًا.

هذا هو الثمن الأول بمعناه الدقيق: لم يكن النظام الليبرالي العالمي في المنطقة وعدًا بالديمقراطية والسوق الحرة، بل كان آليةً لإعادة توزيع الثروة والسلطة لصالح تحالفٍ عابرٍ للحدود من نخبٍ محليةٍ ورأس مالٍ عالمي. والانتفاضات الشعبية في 2010 و2011، وما تلاها من موجة 2019، لم تكن انفجارًا مفاجئًا بقدر ما كانت الإعلانَ العلني عن فشل هذا النموذج في “قصص النجاح”، التي رفعتها المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها مصر وتونس. لقد كشفت تلك اللحظة أن الأزمة الهيكلية في تراكم رأس المال والحوكمة لم تُحَلّ، وأن السخط الكامن ما زال يشكِّل تحديًا للأنظمة جميعها.

المفارقة التأسيسية في “الحمض النووي” الليبرالي

ثمة مفارقةٌ ينبغي الوقوف عندها طويلًا، وهي أن النظام الليبرالي العالمي حملَ مصادر زواله داخل “حمضه النووي” ذاته. فمن خلال ترسيخ نفسه في مبادئ كونيةٍ- سيادة القانون والمنافع العامة المعمَّمة- صار جامدًا غير مستجيبٍ لمطالب الإصلاح، فشجَّع القوى، التي تسعى إلى تقويضه من شعبوية وقومية اقتصادية. أي أن قوته- التزامه الصارم بمبادئه- كانت بعينها مصدرَ هشاشته. وهذا تشخيصٌ بالغُ الأهمية لفهم موقعنا: المنطقة لم تتضرَّر من “خيانة” النظام لمبادئه فقط، بل تضرَّرت من مآلاته أيضًا، الذي أنتج قوى تنقلب عليه الآن.

لكن الانكشاف الأخلاقي الأعمق لم يتجلَّ إلا مع محرقة غزة بعد طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023. فبينما أدانت القوى الغربية تصرفات روسيا في أوكرانيا باسم القانون الدولي، قدَّمت في الوقت نفسه دعمًا عسكريًّا ودبلوماسيًّا غير مشروطٍ لإسرائيل في غزة. هذا النفاق المزدوج، والمعايير المنتقاة، عرَّى الادعاء الكونيَّ من أساسه، وأظهر أن النظام “المبني على القواعد” يعجز عن فرض قواعده، حين تصطدم بالمصالح الاستراتيجية لحلفائه الأقوياء. وهنا تحديدًا، يتقاطع الثمنُ القديم مع الثمن الجديد: المنطقة التي دفعت كلفة إعادة هيكلتها وفق وصفة النظام، تكتشف أن النظام نفسه لا قواعدَ له، حين يتعلق الأمر بحياة أبنائها.

والمفارقة الإضافية، أن أكثر ما يُهدِّد هذا النظام جاءه من داخل الغرب لا من خارجه. فالمقاومة التي نشأت ضد ليبرالية “المجتمع المفتوح” في معقلها الأمريكي ذاته- عبر تيارٍ “ما بعد ليبرالي” يستلهم نماذج المجر وبولندا- تحوِّل الدولة القومية من قوةٍ دوليةٍ مهيمنةٍ مستقرة، إلى قوةٍ تسعى إلى هدم النظام القديم لاقتناص مكاسبَ مباشرة.

وما ينتظر المنطقةَ من هذا التحوُّل ليس تحرُّرًا من الهيمنة، بل دخولًا في “فوضى هوبزية” لا تحكمها قاعدةٌ ولا يقيِّدها قانون.

الاتجاهات المنتهية والناشئة

وإذا كانت المنطقة قد دفعت الثمن مرتين، فإن السؤال المنهجي يصير: كيف نقرأ ما يجري دون أن نسقط في خطاب النهايات الكارثية؟ هنا تحديدًا تنفع المقاربة، التي اعتمدتُها في كتبي؛ مقاربةٌ تتحدث عن اتجاهاتٍ لا عن سيناريوهات، وعن تجاورٍ وامتزاجٍ لا عن وفاةٍ وميلاد. فالاتجاهات المنتهية لا تختفي دفعةً واحدة، بل تفقد قدرتها التأسيسية وتحتفظ بفاعليةٍ دفاعية؛ تستطيع أن تمنع وتقمع وتعطِّل، لكنها لا تستطيع أن تبني شرعيةً أو تنتج مستقبلًا.

على المستوى الإقليمي، الاتجاه المنتهي الأبرز هو هيكل الاستقرار، الذي بُني قبل السابع من أكتوبر/ تشرين أول على البرجماتية الاقتصادية وتهميش القضية الفلسطينية وعزل الأيديولوجيا، وعلى رأسه مسار التطبيع في “اتفاقيات إبراهام”. هذا الاتجاه فقد قدرته التأسيسية: لم يعد قادرًا على إنتاج نظامٍ إقليميٍّ مستقر، لكنه يحتفظ بفاعليةٍ دفاعيةٍ، تتجلَّى في إصرار الأنظمة على المضيِّ فيه رغم انكشافه.

وعلى المستوى المحلي، الاتجاه المنتهي هو معادلة “الأمن مقابل الصمت”، أو ما أسمّيه ميثاق الحماية، حيث جُرِّد العقد الاجتماعي إلى مبدأ هوبز الأدنى- توفير الأمن المادي- بينما يُقدَّم ما تبقَّى من توزيعٍ للموارد بوصفه منحةً وإحسانًا لا حقًّا ممولًا من ضرائب المواطنين.

ولفهم كيف يُحافَظ على هذا الاتجاه المنتهي رغم تآكله، طوَّرتُ مفهوم “تصحير المجال العام” أي تحويله إلى صحراءَ جرداءَ لا مجتمع مدنيٍّ فيها ولا أحزاب ولا صحافةٍ حرةٍ ولا نقاباتٍ مستقلة ولا جامعاتٍ ولا بحثٍ علميٍّ حر. والمفارقة أن الأنظمة التي تصحر السياسة توظف “فائض التدين” في المجتمعات لإذكاء الجدل الديني، لأن هذا الجدل يصرف النقاش العام عن قضيةٍ مركزيةٍ واحدة: توزيع السلطة والثروة؛ فيرتفع سقف الجرأة على الدين ولا تناظره جرأةٌ على مرتكزات الثروة والسلطة، وتُهندَس خطابات الهوية لمصادرة سياسات التوزيع. وهذه هي المقايضة البسيطة، التي حكمت المسرح السياسي العربي عقودًا: الهوية في مقابل التوزيع، والاستقرار في مقابل الاستبداد.

أما الاتجاهات الناشئة، فهي تملك فاعليةً بلا شرعيةٍ مكتملةٍ بعد. أوضحها صعود “الجنوب العالمي” بوصفه قوةً تسعى إلى استعادة فاعلية القانون الدولي والتحرر المتجدد من هيمنة المستعمر، كما تجلَّى في دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وفي محاولةٍ للانتقال من “عدالة المنتصر” إلى “عدالة الضحية”، وكما يظهر في سياسات البريكس والتحرر من هيمنة الدولار. غير أن هذا الجنوب ليس موحَّدًا؛ فالمواقف تتباين تبعًا للأيديولوجيا والمصلحة الوطنية، حتى إن الهند- بدافع قوميتها الهندوسية- انتقلت من الإجماع التاريخي على دعم فلسطين إلى التحالف الوثيق مع إسرائيل.

 والاتجاه الناشئ الثاني، هو إعادة تعريف السياسة على يد “جيل زد” جيلٍ رقميٍّ عالميٍّ، يقرأ الصراع عبر عدسةٍ أخلاقيةٍ كونية، ويمارس “سياسةً شبكيةً” لا مركزيةً تتجاوز الأطر التقليدية. غير أن هذا الاتجاه يحمل التباسه: نشاطٌ غير هرميٍّ مرنٌ وسريع التعبئة، لكنه يكافح ليترجم نفسه إلى سلطةٍ سياسيةٍ رسميةٍ مستدامةٍ، تُغيِّر هياكل “السياسة العليا”، بل إن فشل القنوات الرسمية قد يدفع جزءًا من هذا الجيل إلى رؤية العنف مسارًا مشروعًا للتغيير، كما قد يدفع آخرين إلى حلولٍ فرديةٍ، تتمحور حول المسؤولية الشخصية والتفكير في الهجرة، ما دام المجال الجماعي يبدو متقلبًا غير موثوق.

تتعدد الاتجاهات وتتباين المسارات، مما يحتاج إلى حوار متمدد لاستيضاح معالمه، إلا إن الخلاصة الأساسية تكمن في أن المنطقة لا تعيش نهايةً واحدةً قابلةً للتأريخ، بل تحيا حالة “خلوّ عرشٍ” ممتدة؛ القديم مرتحلٌ لم يكمل رحيله، والجديد ناشئٌ لم يكمل تأسُّسه. وفي الفجوة بينهما تتراكب الظواهر المعقَّدة: تطبيعٌ ينهار ولا يموت، أنظمةٌ تقمع ولا تبني شرعية، أجيالٌ تحرِّك الشارع ولا تمسك بالقرار، جنوبٌ عالميٌّ يطالب بالعدالة ولا يملك أدوات فرضها. وهذا التراكب هو الثمن الثالث- ثمن العيش في الفجوة- الذي يلي ثمن النظام وثمن انكشافه.

 من النعي إلى التأسيس

إن الفرق بين أن نقرأ المشهد بوصفه “نهاية العالم كما نعرفه” وأن نقرأه بوصفه “خلوّ عرشٍ” ليس فرقًا في التشاؤم والتفاؤل، بل فرقٌ في الموقع والفاعلية. فخطاب النهايات يضعنا متفرِّجين على احتضار نظامٍ صنعه غيرُنا، ينتظر أن يُكتب نعيُه في مجلةٍ غربية. أما خطاب خلوّ العرش فيضعنا في قلب اللحظة التأسيسية: ما دام العرش خاليًا، فالسؤال ليس متى يموت القديم، بل من يملأ الفراغ وبأي شروط.

والمنطقة التي دفعت ثمن النظام مرتين- حين كان قائمًا وحين انكشف- هي نفسها المؤهلة؛ لأن تطرح بدائله من داخلها لا أن ينتظرها من خارجه. فإعادة تعريف الاستقلال الوطني اليوم- على سبيل المثال- لم تعد مجرد إنهاءٍ للاحتلال العسكري، بل تحرُّرٌ من “الاستبداد النيو ليبرالي” المندمج في النظام الرأسمالي المعولم، عبر تضافر مكوِّنٍ سياسيٍّ ديمقراطيٍّ ومكوِّنٍ اقتصاديٍّ، يكافح رأسمالية المحاسيب ومكوِّنٍ حضاريٍّ ينحاز إلى معنًى إنسانيٍّ مشترك للعدالة. وهنا تحديدًا تتبدَّى قيمة المقاربة، التي تتحدث عن اتجاهاتٍ لا نهايات: فهي وحدها التي تُبقي السؤال مفتوحًا على الفاعلية، بدل أن تُغلقه على الانتظار، وتذكِّرنا بأن الفراغ الذي يخلِّفه ارتحال القديم ليس قدرًا محتومًا، بقدر ما هو مساحةٌ للتأسيس. هذه هي المهمة التي تنتظرنا في الفجوة، وهي مهمةٌ تأسيسيةٌ لا رثائية، وعلى الله قصد السبيل.