تزامنت “نهاية” الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع تعاظم الجهود الدولية لوضع نهاية للانقسام السياسي والإداري الراهن في ليبيا، وتمثل هذه اللحظة، ربما، فرصة لمصر لتحقيق رؤيتها تجاه الأزمة الليبية بأقل الأدوات تكلفة مقارنة بالسنوات الماضية. مع ملاحظة أولى وهي، عدم نجاح حليف القاهرة الأساسي في ليبيا، المشير خليفة حفتر قائد “الجيش الوطني الليبي” في أكثر من ملف من الملفات الأساسية، وأبرزها تكوين جيش ليبي موحد والمضي قدمًا في مسار تسوية سياسية حقيقية؛ تعلي مصلحة الشعب الليبي فوق حسابات (أو ضوابط) التخادم “تبادل الخدمات” والمصالح الشخصية الضيقة سواء في حكم البلاد أم في إدارة مواردها، الأمر الذي قد يمثل دافعًا للقاهرة؛ لتعميق صلاتها بالأطراف المنافسة لحفتر، لا سيما في ضوء التطور الملفت في التعاون العسكري المصري- التركي، وما يمثله من رافعة رئيسة في خفض التوتر التقليدي بين البلدين في ليبيا، بل وفي تحقيق تفاهم غير مسبوق بين القاهرة وأنقرة في ضرورة فرض تسوية سياسية، مهما كانت التكلفة على أطراف الأزمة الليبية الراهنة.

مصر وحفتر: تفكيك العلاقة المعقدة

ظل مفهومًا أن تقارب القاهرة مع المشير خليفة حفتر يرتبط (من جانبها في المقام الأول)، باعتبارات جيو سياسية وأمنية خطيرة، طالما مثلت هواجس لها منذ نهاية فترة بقاء جماعة الإخوان المسلمين (يوليو 2013) في رئاسة البلاد، والانفلات الأمني الذي شهدته حدود مصر الغربية، الذي تمدد داخل الصحراء الغربية في شكل عمليات إرهابية خطيرة، نجحت القاهرة لاحقًا في كبحها بالتعاون مع حفتر؛ وهو التعاون الذي ظل وثيقًا طوال السنوات التالية بالرغم من مناورات حفتر المتقطعة لخدمة قوى وأطراف دولية وإقليمية (لديه ارتباطات استخباراتية وتمويلية وسياسية عضوية بها منذ عودته من مدينة لانجلي الأمريكية إلى ليبيا، وتعيينه قائدًا عامًا للجيش الوطني الليبي في العام 2015) على حساب تصورات مصرية تقليدية، مثل دعمه منذ نهاية العام الماضي لميليشيات الدعم السريع في السودان، وتيسير قواته وشبكة نفوذه في ليبيا حركة عدد من مقاولي الحرب الأمريكيين والغربيين والخليجيين بحكم وثاقة صلته بالممول الأول لميليشيا الدعم السريع: الإمارات.

ولم يُعلن تحديدًا شمول محادثات الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والإماراتي محمد بن زايد (العلمين الجديدة، 12- 15 يوليو الجاري) الوضع ليبيا، فيما لفتت التصريحات على تركيز المحادثات على “مراجعة الشراكات الاستراتيجية القوية والصلات الثنائية التاريخية بين البلدين”، والتشاور المعمق حول الأمن والاستقرار الإقليميين والتطورات الجارية والجهود المبذولة؛ لمنع مزيد من التصعيد في الشرق الأوسط. لكن توقيت زيارة الرئيس الإماراتي (المتكررة في حقيقة الأمر على نحو قد يضعف من قوة الاستدلال الجاري) بالتزامن مع التقارب المصري التركي المتصاعد، (والذي سيكون له مردود على الوضع في ليبيا، حسب رؤية القاهرة وأنقرة، وهما فاعلتان بارزتان في هذا الوضع)، يشير إلى ضرورة حضور الملف في تلك المحادثات، ومحاولة أبو ظبي الحصول على تطمينات من القاهرة، بألا تقدم الأخيرة على خطوات مباغتة في الملف بمنأى عن الإمارات وحلفائها في ليبيا.

كما تتمسك مصر بصلتها بحفتر كورقة رابحة وموازنة لأطراف ليبية، باتت تأخذ مواقف متحفظة تجاه القاهرة، وتنظر بعين الشك لأية خطوات تقوم بها الأخيرة نحو التقارب معها. وهو موقف يقوم على قراءة المشهد الليبي على النحو التالي: أن الخطط الدولية الراهنة (لا سيما ما تقوم به إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) تعزز مبدأ المشاركة في السلطة كسيناريو مقبول لتكريس المحاصصة في إدارة الدولة الليبية (decode39, July 15, 2026)، ورؤية واشنطن تحديدًا أن مثل هذا الاتفاق بين خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة- رئيس الوزراء في منطقة غرب ليبيا وهي الحكومة المعترف بها دوليا “يمكن أن ينهي 15 عامًا من الصراع والانقسام السياسي”؛ الأمر الذي يكرس في النهاية حفظ القوى الدولية والإقليمية المستفيدة من انتهاك سيادة الدولة الليبية ومواردها بشكل مكشوف تمامًا على مصالحها برعاية أطراف الأزمة الليبية نفسها، وإن  كان بغطاء سياسي أكثر مقبولية. ومن هنا فإن علاقة القاهرة بحفتر تظل علاقة “زواج المصلحة”، حيث لا يمكن فصم هذه العلاقة رغم ولاء حفتر الدائم وغير المشروط (والذي لا يمكنه التراجع عنه لأسباب التخادم المطلق، وليس البرجماتية السياسية) لسياسات الولايات المتحدة والإمارات في الشرق الأوسط، وفي السودان تحديدًا، وهي سياسات تهدد بشكل مباشر وغير مباشر الأمن القومي المصري.        

حفتر وليبيا ما بعد “النشوة” الأمريكية

تمضي إدارة ترامب في نشوتها الإقليمية في الشرق الأوسط، باعتباره الإقليم الأبرز الذي نجحت فيه واشنطن في تحقيق انتصارات مالية كبيرة، تبعت إعادة هندستها لمشاكله والبروز كقوة وحيدة قادرة على مواجهة هذه المشكلات وحلها بتكلفة مضاعفة تتحملها دول الإقليم. وامتدت هذه “النشوة” للملف الليبي، الذي لا يزال معقدًا بعد نحو 15 عامًا من سقوط نظام معمر القذافي على يد قوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة نفسها؛ إذ تقدم الولايات المتحدة مبادرتها الأخيرة القائمة على تقاسم السلطة بين الدبيبة وحفتر، ومن ثم، تهميش أي دور محتمل للشعب الليبي في إجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية لاختيار قياداته بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الراهن، الذي يختزل الصراع في حفتر والدبيبة. وحسب تحليلات مطلعة فإن المبادرة قد تساعد على توحيد مؤسسات ليبيا المنقسمة، لكن مسألة “مساومة النخبة” elite bargain بين الأسر المهيمنة في ليبيا، يمكن أن تحجم مسار الانتخابات الذي تدعمه الأمم المتحدة، ويثير مقاومة من الفصائل المستبعدة من “تقسيم السلطة”، وتعزز النظام السياسي، الذي أبقى ليبيا مقسمة حتى اليوم. 

وحسب المبادرة الأمريكية المقترحة، والتي عمل على صياغتها مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية طوال عام كامل، فإن عائلة الدبيبة (ذات الصلات الممتدة بأصول عائلية في تركيا) ستحتفظ بمنصب رئيس الوزراء، فيما ستتولى عائلة حفتر السيطرة على ثلاثة مقاعد في المجلس الرئاسي، (مما يضمن تصعُد أبناء حفتر لدوائر سياسية عليا في ليبيا). وقد لوح بولس بإمكان توقيع الاتفاق/ المبادرة في وقت قريب وبحضور الرئيس ترامب نفسه، ويعزز قرب تحقق هذا السيناريو (رغم عدم الكشف عن توقيتات دقيقة بعد) جولة مسعد بولس الأخيرة بين مالطا ومصراتة وطرابلس وبنغازي، والتي شملت لقاءات هامة لبولس مع الدبيبة وحفتر ومسؤولين ماليين ليبيين ووزير الداخلية الليبي والممثلة الخاصة للأمم المتحدة في ليبيا هانا سيروا تيتيه (غانية الجنسية).

وهكذا تتسق تصورات حل الأزمة الليبية مع مجمل التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران: فرض تسويات أمريكية إلزامية تراعي مصالح الأطراف، التي تبدي مرونة أكبر في قبول الوصاية الأمريكية، والإقرار بأن واشنطن هي اللاعب الأساسي (وشبه الوحيد من جهة التأثير) في الأزمة. ولا يخفى أن أي اتفاق لتقاسم السلطة في ليبيا سيعني عمليًا نهاية مسار التسوية، التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، وهي حقيقة كاشفة عن مبررات مرونة القاهرة في التعامل مع خليفة حفتر، دون أن تنفي احتمالات دعم القاهرة للخطط الأمريكية في ليبيا على نحو مبدئي، على الأقل لصالح توقعات حفظ مثل هذه الخطط لاستقرار ليبيا في أعوام قليلة مقبلة، وتوقع القاهرة الحصول على تعهدات ملزمة بعدم دعم الإرهاب والميليشيات النشطة في السودان، وكذلك في ضوء التفاهمات الأمريكية المصرية منذ وصول دونالد ترامب للسلطة في ولايته الثانية.

مصر والملف الليبي: أية فرصة

رأى محللون معنيون، أنه يمكن لرهان واشنطن على التوصل لاتفاق لتقاسم السلطة بين القوى المتنافسة في ليبيا، أن ينتهي بحكومة موحدة، فيما فشلت في تحقيقها سنوات من الدبلوماسية الأممية. لكن رؤية مدققة تكشف عن أن وضع نهاية للانقسام المؤسساتي في ليبيا عبر تعزيز سلطة اللاعبين الذين يهيمنون على الحكم في ليبيا، بالفعل يمكن أن يحقق استقرارا قصير المدى على حساب الانتقال السياسي بعيد المدى في البلاد. ويمكن رؤية تَوجه مصر نحو ليبيا في الفترة الراهنة ضمن هذا السياق الإشكالي بشكل واضح: فالأمور تتجه في ليبيا نحو تكريس مزيد من الانقسام السياسي الحالي وإضفاء سمة شرعية عليه عبر خيار المحاصصات السياسية، ما يعني عمليًا استبعاد الشعب الليبي من تقرير مصيره والاحتكام لعملية ديمقراطية واضحة، تكون له الكلمة العليا فيها.

وبينما انتهجت القاهرة في الشهور الأخيرة نهجًا تقليديًا بالتشاور مع دول جوار ليبيا (نهاية مايو 2026)،  ودول مثل مالطا وتركيا والإمارات، فإن التقارب العسكري الملفت مع تركيا، مضافًا له دعم القاهرة لخطط واشنطن في ليبيا كحل مرحلي، يوفر فرصة كبيرة للقاهرة؛ للحفاظ على الوضع الراهن في ليبيا، وتفادي مواجهة خيارات سياسية صعبة (كانت ستقود لها تسوية سياسية مغايرة وضامنة لوصول سلطة سياسية ليبية جديدة للحكم بناء على اختيار شعبي ديمقراطي ليبي ملتبس وغامض إلى حد ما بالنسبة للقاهرة).

ويضاف إلى ذلك، أن تقارب القاهرة وأنقرة، الذي شهد دفعة قوية بأول زيارة لوزير الدفاع المصري لتركيا منذ 13 عامًا في منتصف يوليو الجاري، شهد بدوره توقيع مذكرة تفاهم لتوطيد التعاون الدفاعي بين البلدين، هذا التقارب لا يمثل واقعًا استثنائيًا بقدر تمتعه بسمة استراتيجية، إذ تعمل القاهرة على الاستفادة من خبرات تركيا في تصنيع السلاح (على سبيل المثال، اتفقت مصر على المشاركة في برنامج إنتاج الجيل الخامس من طائرات KAAN المقاتلة قيد التطوير حاليًا، وعلى أن تقوم وزارة الدفاع التركية والشركات التابعة لها بإنشاء خط إنتاج لدرونز بيرقدار TB-2 في مصر، لخدمة حاجات مصر من هذه الطائرة وتصدير الفائض منها لأسواق خارجية)، ما يعني ضمنيًا شراكة بعيدة الأجل، ستشمل بطبيعة الحال ليبيا، خاصة بعد اتفاق البلدين على العمل المشترك على دعم استقرار ليبيا.

بأي حال، فإنه يتوقع أن تحقق القاهرة من هذه الظروف مجتمعة أفضلية جديدة في مقاربتها للوضع في ليبيا بشكل عام، وبعيدًا عن المسار الأممي (الذي يبدو أنه في طريقه للخفوت) لصالح المقاربة الأمريكية المنتشية بتراجعات وتناقضات “الدولة” في الشرق الأوسط. ورغم أن هذه المقاربة مأمونة في تحقيق نتائج مرتقبة مع الأطراف الإقليمية والدولية، وتأمين مقعد ملائم على مائدة هذه الأطراف، لكن تظل القاهرة، بحكم الجوار مع ليبيا وطبيعة اهتمامات الأمن القومي المصري بها، بحاجة إلى بذل جهد لضمان، أن تكون المبادرة الأمريكية وما يتوقع أن يليها مقبولة شعبيًا، وأن تكون التوازنات السياسية المترتبة عليها مرحلة أولى، ربما لمسار سياسي شامل، وليس تكريسًا بعيد المدى لهذه المحاصصات، وإن ظل هذا السيناريو بعيدًا إلى حد كبير في ضوء طبيعة رؤية القاهرة وسياساتها الإقليمية نفسها في عالم “الشرق الأوسط الجديد”، والتي تميل لحلول سياسية فوقية وملزمة بغض النظر عن الخيارات والتفضيلات الشعبية.