تثبت التطورات المستمرة في منطقة الخليج العربي تزايد التنافس الاستراتيجي بين السعودية والرياض، وتغير ديناميكيات القوى الإقليمية الاقتصادية من التنافس الخفي المحسوب إلى الصراع العلني، حتى وصلت الأمور إلى وصف العلاقة بين الطرفين بصراع أقرب إلى “الحرب الباردة”.
كان ملف التحويلات المصرفية بين البنوك السعودية والإماراتية آخر التطورات بين البلدين، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة تأخيرات غير معتادة في حركة نقل الأموال بينهما، ما أثار مخاوف الشركات والأفراد العاملين بين أكبر اقتصادين بالخليج والمنطقة العربية، واللذين يصل حجم التبادل التجاري الثنائي السنوي بينهما إلى 20 مليار دولار.
رغم تحاشي الطرفين الحديث عن تلك التطورات رسميًا، لكن مسئولي الشركات الغربية اشتكوا علنا منها، كمدير تنفيذي غربي لشركة رعاية صحية مقرها دبي، والذي قال إن ثلاث دفعات من عميل سعودي، يتعامل معه منذ سنوات تم تجميدها وإعادتها من قبل البنوك السعودية منذ منتصف مايو، موضحًا أن الأموال “عادةً ما تُحتجز لمدة أسبوع تقريبًا دون أي استفسار من المرسل أو المستفيد، ثم تُعاد ببساطة”، لكن الأمر هذه المرة مختلًفا.
أضاف المسئول أن الطرفين (الإماراتي والسعودي) حاولا إجراء تحويل شخصي، لكن تم رفضه أيضًا، وتحدثوا مع مسئولي البنك، الذين قالوا إن هناك تجميدًا من قبل البنك المركزي السعودي، ولا يمكنهم تقديم المزيد من التفاصيل، بينما أكد مسؤول تنفيذي آخر الفكرة ذاتها، فمدفوعاته من شركة سعودية باتت تستغرق وقتاً طويلاً، وكثير من الموردين للسعودية تتعرض مصالحهم للضرر.
حلقة في سلسلة تصاعدية
البنك المركزي السعودي نفى فرض أي قيود تستهدف أي دولة بعينها، موضحا أن البنوك تتبنى إجراءات قائمة على تقييم المخاطر بشكل موحد في جميع المعاملات لضمان سلامة النظام المالي، بينما قال مسؤول إماراتي، إن وزارة الاقتصاد الإماراتية لم تتلقَّ حتى الآن أي شكاوى من شركات القطاع الخاص بشأن تأخيرات غير معتادة، لكن خلف الكواليس هناك أمورا أخرى.
رجل أعمال إماراتي قال لـ“فايننشال تايمز“، إنه اضطر إلى تحويل الأموال عبر البحرين، بعد أن واجهت شركته عوائق غير مبررة في التحويلات المصرفية من السعودية إلى الإمارات، كما أُلغيَت دفعة مصرفية من عميل سعودي لشركة خدمات أخرى مقرها دبي الشهر الماضي، ما اضطرها إلى استخدام خيار “باي بال” الأكثر تكلفة.
“باي بال” هو نظام عالمي للدفع الإلكتروني، يسمح للمستخدم بتحويل المال عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني لعناوين مختلفة. كما يمكن للمستخدم إرسال المال المرسل إليه إلى الآخرين أو تحويله لحساب في المصرف، وتم الاعتماد عليه أخيرًا بين الإماراتيين والسعوديين، خاصة بعدما تم إلغاء التحويلات الشخصية بين أفراد العائلة والتحويلات الصغيرة، التي تجريها الشركات متعددة الجنسيات بشكل مفاجئ.
ألكسندر فان فيجنين، خبير في استراتيجية الاستثمار، يقول إن الصراع بين السعودية والإمارات يظهر مؤشرات جديدة على التصاعد، مضيفا أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يُثير ذلك تساؤلات حول مصير 3 تريليونات دولار، تُديرها صناديق الثروة السيادية بكلا البلدين، والتي يتدفق جزء كبير منها إلى الأسواق الغربية.
بالنظر إلى المستقبل، يقول فيجنين: “يُمكننا أن نُقارن بالصراع بين قطر والسعودية بدعم من الإمارات، والذي أدى إلى حصار قطر عام ٢٠١٧. وقد تسبب هذا الحصار في انخفاض حاد في الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد لسنوات، وقد يتبع ذلك صدمة مالية مماثلة، ولكن أكبر بكثير، إذا استمر تصاعد الصراع بين السعودية والإمارات، موضحا أنه بعد الحصار الذي فرضته دول الخليج المجاورة عام ٢٠١٧، انهار الاستثمار الأجنبي في قطر، ولم يتعافَ منذ ذلك الحين.
صراع سياسي استراتيجي يدخل حلبة الاقتصاد
لسنوات، اعتمد صانعو السياسات الغربيون على افتراض مُريح: أن السعودية والإمارات العربية المتحدة تُشكلان كتلة استراتيجية موحدة، وقوة استقرار في مواجهة التوسع الإيراني، وبحلول أوائل عام 2026، انهار هذا الافتراض، ما ظهر بدلًا من ذلك هو تنافس مُتزايد العلنية بين الرياض وأبوظبي، يُعيد تشكيل ديناميكيات القوة الإقليمية، ويخلق فراغات أمنية في الشرق الأوسط.
هذا ليس نزاعًا ناتجًا عن خلافات شخصية أو سوء فهم دبلوماسي، ففي جوهرها، تعكس الخلافات السعودية الإماراتية رؤى متضاربة جذرياً للنظام الإقليمي، إذ تُعطي السعودية الأولوية للتسلسل الهرمي، والسلامة الإقليمية، وخفض التصعيد، وهي استراتيجية تهدف إلى حماية حدود المملكة والحفاظ على استقرارها الداخلي.
في المقابل، تسعى الإمارات إلى تعزيز نفوذها من خلال المواني، والوكلاء، وحرية المناورة في الدول الهشة، ولا يمكن لهذين النهجين المتباينين أن يتعايشا إلى الأبد، ولم يكن التناقض بين الاستراتيجيتين السعودية والإماراتية أكثر وضوحاً في أي مكان منه مثلما في اليمن، الذي وصل فيه الأمر للصدام المباشر.
صراع خفي بين حلفاء
بدأ البلدان العمل باليمن كتحالف عربي مشترك ضد الحوثيين المدعومين من إيران، وتحوّل الأمر بعدها إلى صراع خفي بين الحلفاء، إذ قد ازداد قلق الرياض إزاء دعم أبوظبي للقوى الانفصالية في جنوبي وشرقي اليمن، وهي قوى تُهدد بشكل مباشر هدف السعودية الأساسي المتمثل في منع انقسام الدولة على حدودها الجنوبية الهشة.
تصاعدت التوترات أكثر بين البلدين منذ أن اتهمت الرياض أبوظبي بدعم فصيل يمني انفصالي، شنّ هجوماً على القوات المتحالفة مع السعودية في اليمن في ديسمبر 2025، ما يهدد مصالحها الأمنية الوطنية.
وفي يناير 2026، شهد الصراع وتيرة أكثر حدة بعملية عسكرية سعودية، استهدفت سفينتين إماراتيتين في ميناء المكلا اليمني، تحملان أسلحة وذخائر وعربات، وبررت الرياض العملية بتعرض أمنها القومي لأخطار حقيقية بتحريض من الإمارات.
مع اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، خففت من حدة الخلاف في البداية، حيث سعت دول الخليج إلى توحيد صفوفها، بعد أن أصبحت الهدف الرئيسي لرد طهران، لكن الإمارات فاجأت جيرانها بإعلان انسحابها من منظمة أوبك، وهي منظمة النفط التي تقودها السعودية بحكم الأمر الواقع.
أصرت الإمارات، التي كانت ثالث أكبر منتج للنفط في أوبك، على أن هذه الخطوة مرتبطة بـ”رؤيتها الاقتصادية وتطور قطاع الطاقة لديها”. إلا أن أبوظبي كانت تشعر بالإحباط منذ فترة طويلة من حصص الإنتاج، التي تفرضها أوبك، واعتُبر القرار بمثابة ضربة للسعودية، وإعلانا عن تحول في نمط إدارة النفوذ في الخليج من العمل الجماعي إلى الاستقلال.
كان من المفترض أن تُمهّد اتفاقيات إبراهام، التي تقودها الولايات المتحدة، لتحالف إقليمي جديد، بالتنسيق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، لكنّ التطبيع أصبح ساحةً أخرى للتنافس السعودي الإماراتي، إذ تحرّكت الإمارات بسرعة في مفاوضات تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في 13 أغسطس 2020، مُحوّلةً الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل والعمل معها إلى هيبة ونفوذ إقليمي.
أما السعودية، التي لا ترغب في أن يُنظر إليها، على أنّها تتبع خطى أبوظبي، ومُقيّدةً باعتبارات داخلية، فقد تراجعت في ذلك الملف، واشترطت ضمان مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية، والاعتراف بـحل الدولتين، واستبدال القيادة السياسية الحالية في إسرائيل، وإلغاء بعض الإجراءات المتعلقة بالاستيطان.
بحسب تقارير غربية، فإن أخطر ما في التنافس السعودي الإماراتي هو غياب الضوابط، فلا توجد آلية لإدارة التصعيد، ولا تسلسل هرمي متفق عليه، ولا خطوط حمراء مشتركة، دولتان ثريتان طموحتان، تسحبان المنطقة في اتجاهين متعاكسين، كل منهما مقتنعة بأن التنافس يُعزز مكانتها، حتى وإن أضعف تنافسهما الموقف الخليجي العام.
كيف تتعامل مصر مع التصاعد المستمر؟
مع تفاقم التوترات بين السعودية والإمارات، تقف مصر على الحياد بين الخصمين الخليجيين، فاختيار الانحياز إلى أحدهما مكلف اقتصاديًا، ولذلك تقوم على تعزيز التقارب مع الإمارات، فيما يتعلق بتدفقات السيولة والصفقات الاستثمارية الكبرى، وفي الوقت نفسه تعمق التنسيق مع المملكة العربية السعودية في القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي، مع الحفاظ على هامش من الاستقلال الاستراتيجي في ملفاتها الأساسية “الخطوط الحمراء“.
هيثم حسنين، محلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، يقول إن مصر تتفق عموماً مع توجهات السعودية بشأن الأمن البحري الإقليمي وإعطاء الأولوية لحماية الممر بين قناة السويس ومضيق باب المندب، والحفاظ على حرية الملاحة، ودعم الحكومات المركزية باعتبارها العمود الفقري للنظام الإقليمي، خاصة أن مصر تساورها شكوك بشأن نمط الإمارات في بناء نفوذها من خلال المواني والجزر والوكلاء المحليين، كما هو واضح في جنوبي اليمن والقرن الإفريقي.
يضيف أن الإمارات العربية المتحدة تمثل مصدرا مهما للسيولة السريعة، إذ أظهرت حزمة الاستثمارات لعام 2023 في رأس الحكمة، والتي تبلغ قيمتها حوالي 35 مليار دولار، كيف يمكن لأبوظبي ضخ العملة الأجنبية في مصر، والمساعدة في استقرار الجنيه، وتمويل مشاريع البنية التحتية البارزة.
وبحسب حسنين تُعد السعودية ركيزة اقتصادية استراتيجية للاقتصاد المصري، إذ يُنظر إلى رأسمالها، على أنه أكثر مؤسسية، من خلال توفير المملكة ودائع طويلة الأجل لدى البنك المركزي، ومنتجات بترولية بشروط ميسّرة عبر ترتيبات مع شركة أرامكو السعودية، إضافة إلى تحويلات مالية حيوية من العمالة المصرية، تسهم في دعم استقرار أسرهم.






