البرادعي: ربط الاتفاق بالتطبيع هو استجابة لضغط إسرائيلي
في 22 يوليو 2026، وقعت الرياض وواشنطن اتفاقاً للتعاون النووي المدني (“اتفاق 123”) مدته 30 عاماً، وهو يفتح نظرياً الباب لإمكانية امتلاك قدرات تسلحية عبر إمكانية التخصيب.

وبعد الإعلان عن الاتفاق بأقل من 24 ساعة، أعاد الرئيس ترامب تعريف الاتفاق، رابطاً تفعيله بانضمام الرياض إلى اتفاقيات إبراهام، باعتباره شرطا للتفعيل، ونافياً وجود أي بند للتخصيب، وشهد الاتفاق ردود فعل، فيما يتعلق بالمعيار الذهبي والانتشار النووي والحد من التسلح، والتحذير من غياب الالتزام بالبروتوكول الخاص بالنشاط النووي.
على مستوى إقليمي، شملت ردود الفعل كلا من إسرائيل وإيران ودول عربية، كما حذر أعضاء في الكونجرس الأمريكي، من أن منح الرياض قدرات تخصيب قد يكون مزعزعاً للاستقرار الإقليمي، معتبرين أن الخطوة تدفع دولا في المنطقة لإعادة النظر في خياراتها النووية، وعارضوا الخطوة ووصفوها بإنها استجابة للمطالب السعودية.
وتأتي المعارضة من أرضية، أن الاتفاق يهدد بتقويض نظام منع الانتشار النووي، الذي يجب أن يظل أولوية رئيسية لواشنطن.
بينما اعتبرت الرياض الاتفاق خطوة هامة ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية، واستكمالًا لما أُعلن خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة في نوفمبر الماضي، حول انتهاء المفاوضات الخاصة بالتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
محطة الاتفاق بعد عقدين من التفاوض
يمتد تاريخ الملف الى عقدين سعت فيهما السعودية للحصول على تكنولوجيا نووية أمريكية مدنية، وقد استمرت المفاوضات عبر إدارتي ترامب الأولى وبايدن، واستجابت إدارة الأخير بشكل إيجابي لاهتمام السعودية بالتعاون النووي المدني لسببين: أولهما أن هذا التعاون شرط لتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، وهو ما كانت تدعمه واشنطن بقوة، وثانيهما أن الشراكة يمكن أن تعود بفوائد على كلا البلدين.

وخلال مباحثات مكثفة عام 2023، ربطت أي تعاون نووي بمسار أوسع للتطبيع ضمن صفقة ثلاثية، شملت أيضاً ضمانات أمنية أمريكية للرياض، وأُحرز تقدم في صياغة الخطوط العريضة لاتفاق من هذا النوع، لكن الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر، جمدت هذا المسار، إذ دفعت الحرب والغضب ضد إسرائيل في العالم العربي مفاوضي إدارة بايدن نحو مقاربة أكثر تحفظاً؛ لإعادة طرح الاتفاق مقابل التطبيع، ولم تفضِ المناقشات إلى اتفاق أو جرى تأجيله على الأرجح.
بينما عاد الملف عبر بيان مشترك بين وزيري الطاقة الأمريكي والسعودي في أكتوبر 2025، ثم التوقيع الرسمي في 22 يوليو 2026.
وقد ساهمت المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، في إعادة صياغة الحسابات النووية السعودية: فقد أظهرت واشنطن استعدادها لضرب المنشآت النووية الإيرانية عسكرياً، لكن في المقابل أبقت قضية قدرة إيران على التخصيب دون تسوية نهائية، وهو ما دفع الرياض (ودولا خليجية) لمراجعة مدى استدامة الضمانات الأمنية الأمريكية، والسعي لامتلاك مظلة تأمين ذاتية، والبحث عن شركاء خارج واشنطن.
طبيعة الاتفاق
يحمل الاتفاق تسمية “اتفاق 123” نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، وهو الإطار القانوني، الذي أبرمته عشرات الدول مع الولايات المتحدة من قبل، لكن ما يميز النسخة السعودية هو احتمال السماح بتخصيب اليورانيوم داخل المملكة، وهي قدرة يمكن من الناحية النظرية توظيفها لاحقاً في صناعة سلاح نووي.
من الناحية التعاقدية، تشير التقارير المنشورة حول الاتفاق إلى ما يلي:
تبلغ المدة الزمنية للاتفاق 30 عاماً، على أن تحصل السعودية على تقنيات الطاقة النووية عبر شركات أمريكية، مع دور ثانوي محتمل لموردين أجانب، تتعامل معهم تلك الشركات، بما يمنح واشنطن نفوذاً على البرنامج السعودي، مع إمكانية إنشاء منشأة تخصيب يورانيوم على أراضيها، تديرها شركات أمريكية بالكامل، على أن تُحسم الحاجة الفعلية لها بعد دراسة مشتركة تمتد لعامين.
ولا تلتزم الرياض بقيود الرقابة، كما “المعيار الذهبي”، الذي تبنته الإمارات سابقاً (تعهد دائم بعدم التخصيب)، وبالتالي، رفض الخضوع الكامل للبروتوكول الإضافي لوكالة الطاقة الذرية الدولية.
الإطار المعلن يتضمن اتفاقية ضمانات نووية ثنائية، بحسب بيان وزارة الطاقة الأمريكية، ما يعني أن الاتفاق صفقة محكومة بضوابط تشغيلية.
مواقف الأطراف
الموقف السعودي
وصف بيان وكالة الأنباء السعودية “واس” الاتفاق، بأنه يأتي في إطار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، واستكمالاً لما أُعلن خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر 2025، مؤكداً التزام الطرفين بتطبيق أعلى المعايير الدولية للأمن والأمان النوويين ومنع الانتشار، ولم تصدر الرياض رداً رسمياً على ربط ترامب الاتفاق بالتطبيع.
وسبق وكررت السعودية، موقفها التقليدي الرسمي، أن أي تطبيع دبلوماسي مع إسرائيل مشروط بوجود مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية.
وفى السياق، انتقد محمد البرادعي، المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ربط اتفاق نووي مدني بالتطبيع، معتبراً ذلك استجابة لضغط إسرائيلي رغم امتلاك إسرائيل نفسها ترسانة نووية غير معلنة.
الموقف الأمريكي
وصف وزير الطاقة كريس رايت الاتفاق، بأنه “إنجاز تاريخي في التعاون النووي”، مؤكداً أنه يرسّخ أعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار، ويتضمن اتفاقية ضمانات ثنائية مرافقة، كما يعزز العلاقات التجارية الأمريكية- السعودية وتحقيق الازدهار في الداخل والأمن للحلفاء في الخارج”.
بينما ترامب، أعلن عبر منصته “تروث سوشيال”، أن الاتفاق “سيحظى بالموافقة” لكنه “مرهون بالكامل” بانضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام، ونافياً وجود أي بند للتخصيب.
كما حذر عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي إدوارد ماركي، في بيان رسمي صادر عن مكتبه، من أن منح الرياض قدرات تخصيب “قد يفجّر الصراع بين إيران والسعودية، وبين الولايات المتحدة وإيران”، مضيفاً أن المملكة “أبدت من قبل اهتماماً بامتلاك أسلحة نووية”.
ستحال الاتفاقية إلى الكونجرس للمراجعة، حيث يتوقع أن تواجه معارضة، ومع ذلك، ومع سيطرة الحزب الجمهوري على كلا المجلسين “الشيوخ والنواب”، ليس من المرجح، أن يمنع المشرعون تنفيذها، ويبقى أنها تلقى معارضة من جماعات مناهضة للانتشار النووي ومؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن.
الموقف الإيراني
صرّح متحدث حكومي إيراني في 23 يوليو 2026، بأن الولايات المتحدة لها تاريخ في السماح لبعض الدول ببرامج نووية، بينما تحرم دولاً أخرى، مؤكداً التزام إيران القانوني وعدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، محذراً من أنه في حال اندلاع سباق تسلح إقليمي، فإن يد طهران ستكون “أكثر تحرراً من الجميع”.
كما وصفت وكالة أنباء فارس الإيرانية الصفقة، بأنها منعطف خطير يكشف نفاقاً أمريكياً، وفى المشهد يبدو أن طهران تنظر إلى الاتفاق كمحاولة أمريكية لإقامة جبهة ضدها قائمة على تحالف إسرائيلي- خليجي.
الموقف الإسرائيلي
يأتي الاتفاق السعودي الأمريكي بشأن التعاون النووي بعد صفقة طائرات إف-35 مع تركيا، وعارضت إسرائيل صفقة السلاح الأمريكي لأنقرة وعودتها لبرنامج التصنيع الذي وعد ترامب بدراسته، وكذلك تعارض التخصيب على الأراضي السعودية، حتى لو كان سلمياً وبرقابة أمريكية، غير احتمال وقوع المنشآت لاحقاً في يد سلطة غير مضمونة حال حدوث تحول سياسي داخلي.
واعتبر زعيم حزب “معسكر الدولة” بيني جانتس أن الاتفاق يشكل “خطرا لإسرائيل”.

بينما رأى رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، أنه يشير إلى فقدان الثقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ودعا زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان لمعارضة الاتفاق المحتمل بكل قوة، وأن يتخذ موقف حاسم أمام الكونجرس الأمريكي لوقف هذه الخطوة.
بينما قال نتنياهو في منشور على منصة إكس، إن انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام سيشكل قفزة تاريخية باتجاه السلام في الشرق الأوسط، وتجاهل مكتبه الحديث عن الاتفاق بشكل مباشر، واكتفى بالإشارة إلى ربط أمريكي بين الاتفاق وانضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام .
البعد الإقليمي: أي آثار للاتفاق
يظهر إقليميا، أن الاتفاق يحمل رسائل لدول المنطقة، فمن ناحية، يعد إنجازا للسعودية السماح لها بالتخصيب، بينما لم تحظ به الإمارات الملتزمة سابقاً بـالمعيار الذهبي، كما يشجع الاتفاق تركيا التي تعمل على تطوير برنامجها النووي، وأبدت اهتماماً بقدرات التخصيب، كما أن لمصر تجربة تاريخية في إنشاء محطة نووية لأغراض سلمية، وكذلك برامج أخرى، كما الأردن والجزائر.
وفى كل الأحوال، لا يمكن قراءة الاتفاق بمعزل عن أثره على بنية التوازن النووي في الشرق الأوسط ككل؛ فالسابقة التي يرسّخها تتجاوز العلاقات السعودية الأمريكية وذات صلة بخمس قوى رئيسية في الشرق الأوسط.
يمثل الاتفاق للنظام الإيراني ورقة مزدوجة الاستخدام، فمن جهة، يستخدم كدليل على “ازدواجية المعايير” الأمريكية؛ لتبرير تمسك طهران بحقها في التخصيب أمام الرأي العام الدولي؛ ومن جهة أخرى، يطرحون سؤالا عن مبرر حرمان طهران، مما سيسمح للرياض بامتلاكه من حق التخصيب ودون رقابة.
وفى ذات السياق، من الممكن أن تطلب الإمارات، التي كانت أول دولة خليجية، توقّع اتفاق 123 مع واشنطن عام 2009 مقابل تعهد دائم بعدم التخصيب بمراجعة اتفاقها بشروط جديدة.
بينما من الممكن، أن يدفع الاتفاق تركيا التي تدير مفاعلا بالتعاون مع روسيا إلى خطوة تطوير قدرات التخصيب، وستجد في السابقة السعودية حافزاً، خاصة مع تنافس إقليمي بين أنقرة والرياض على لعب الدور قيادي في محور سني بالمنطقة.
وليست مصر بعيدة عن هذا السياق، ويدفع الاتفاق أيضا تطوير التعاون مع روسيا في محطة الضبعة النووية للأغراض السلمية، وقد لا تتأخر القاهرة في إثارة سؤال مماثل حول حقها في دورة وقود نووي متكاملة كمعيار إقليمي جديد للمشروعات في المنطقة.
بينما في إسرائيل، هناك خطابان، الأول رسمي لحكومة نتنياهو يربط الاتفاق بالتطبيع، واعتبر أن ذلك يمثل خطوة تاريخية، والآخر يأتي من أحزاب معارضة في الأغلب، يحذر من الاتفاق، ويطالب بمنع تمريره باعتباره خطرا.






