في أحد أيام شهر فبراير من العام 2002، كنت أتابع إحدى مُحاضرات دبلومة دراسات اللاجئين بالجامعة الأمريكية، وكان المحاضر وهو موظف بالمفوضية كندي الجنسية قد دعا خمسة من اللاجئين ليعطوا شهاداتهم عن معاناتهم في بلدهم الأم، وما قد يقابلونه في بلد اللجوء- مصر- من تحديات. وبعد أن أدلى أحد اللاجئين من دولة سيراليون بشهادته، علقت إحدى الحاضرات (وكانت موظفة بالمفوضية) على كلامه قائلة: ما دام الوضع في مصر ليس جيدا، فلماذا لا تعد إلى بلادك؟ كان السؤال صادما، وكانت إجابة اللاجئ كالتالي: في مصر وأنا أسكن في منطقة شعبية، قد يطاردني الأطفال ويلقون علي الحجارة، ولكن في بلدي سوف أواجه من يطاردوني بالرصاص! الحقيقة أن السؤال قد أثار غضبي، خاصة أن لاجئى سيراليون عددهم ضئيل جدا ولا يوجد سبب لوجودهم في مصر ذلك البلد البعيد عن وطنهم سوى طلب الحماية فقط، فطلبت الكلمة ثم عقبت على كلام الموظفة قائلا: هناك أحد الملصقات المعلقة على أحد جدران مبنى المفوضية (وكان المقر في منطقة المهندسين آنذاك) يصور جدارا مكتوب عليه بالإنجليزية (أيها اللاجئ: عد إلى بلدك) وكان التعليق الذي تضمنه الملصق هو (هم سيغادرون فقط إن استطاعوا)، ثم أضفت معلقا، يبدو أن الزميلة لم تلاحظ هذا الملصق أثناء دخولها أو خروجها من المبنى، بعدها تدخل المُحاضر ليقول إن كلام موظفة المفوضية لا يمثل موقف المفوضية، وإنه يعول على تفهمنا لذلك.

الحقيقة، أن هذا الموقف قد تبادر إلى ذهني في عدة مناسبات وأتذكره جيدا ولا ألوم على موظفة المفوضية موقفها هذا، فبالتأكيد قد صادفت حالات، ممن يدعون تعرضهم للاضطهاد في بلدانهم من أجل الحصول على فرصة للتوطين في إحدى دول العالم الأول “أوروبا وأمريكا”، ولكن ما أثار خوفي هو التعميم، وافتراض أن كل من لجأ إلى بلد آخر هو مغامر، يريد أن يعيش مجانا وتتولى دولة اللجوء الإنفاق عليه، بينما هو يستطيع العودة إلى بلده. هذه الفرضية خطيرة جدا، وتغذي الحملات المطالبة بطرد اللاجئين، دونما أي اعتبارات إنسانية أو قانونية أو حتى سياسية، ولا زالت الأجهزة الأمنية تطارد وتعتقل وتقوم بترحيل أعدادا غير معروفة من اللاجئين وطالبي اللجوء بشكل قد أثار قلق بعض خبراء الأمم المتحدة، والذين أصدروا بيانا، أعربوا فيه عن دق ناقوس الخطر؛ بسبب ترحيل كل من اللاجئين المسجلين وغير المسجلين لدى المفوضية وتعريض مبدأ الحماية للخطر، مذكرين السلطات المصرية، بأن الترحيل لا بد وأن يكون مبنيا على تحديد الاحتياجات الخاصة بالحماية لكل حالة على حدة عملا بمبدأ “عدم الإعادة القسرية”، وهو جوهر مفهوم الحماية الذي من المفروض أن تلتزم به الدول.

والحقيقة، أن الحكومة المصرية قد تفضلت- مشكورة- بإرسال رد مفصل في أحد عشر صفحة، أجد أنه إنشائي أكثر منه يقوم على الحجة. ومن الواضح، أن صاغوا البيان غير مختصين بحقوق الإنسان أو اللجوء، بل أن الصياغة تضمنت كلمة الإعادة “القصرية” وليست “القسرية”، مما يؤكد عدم اطلاع المسئول عن الصياغة ومن راجعوا البيان على أي نص يشمل كلمة الإعادة القسرية! ومرة أخرى وكما عهدنا في مثل هذه البيانات أن تتطرق إلى المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقعت وصادقت عليها الدولة المصرية، والتي كلها تمنع الإعادة القسرية التي قامت السلطات المصرية بها، ثم تطرق البيان إلى سرد جميع الجهود التي قامت وتقوم بها الدولة المصرية- ولها جزيل الشكر في ذلك- لتحسين حالة اللاجئين، فيما يتعلق بالصحة والتعليم..إلخ، وأرى أن هذا السرد المفصل الذي تضمن حتى أرقام الخطوط الساخنة لخدمات المجالس القومية للأمومة والطفولة وخط نجدة الطفل، وهي أمور إيجابية، ولكن ربما لم يكن مجالها في البيان الذي تركز على العودة القسرية لبعض من يتمتعون بحماية كل من مفوضية اللاجئين والدولة المصرية.

ربما لم يكن من الموفق أن يتطرق بيان خبراء الأمم المتحدة لموضوعات تتعلق المثليين والمتحولين جنسيا؛ لأن الحملات لم تكن لتتعلق بهذه الفئات أو تستهدفهم، وإن ذِكر هذه الفئات ربما أعطى انطباعا بوجود عدد كبير منهم بين اللاجئين، وهذا ربما غذى مشاعر العداء ضد اللاجئين في مصر. ومن جانب آخر، كان الرد المصري موفقا جدا، حين اشار إلى أن القانون يجرم فقط ما كان في إطار الدعارة، وأن العلاقات الرضائية بين البالغين لا يعاقب عليها القانون. ولكن صدمتني الترجمة بالعربية لكلمة homosexuality فقد ترجمت لكلمة الشذوذ! رغم أنها قاموسيا تعنى المثلية الجنسية، وربما فتح النص العربي الباب لانتقادات من تيارات محلية دينية، حيث نص على أن “لا تُحرم البنية التشريعية الوطنية الشذوذ”.

أيضا، ولأول مرة تقر الدولة المصرية، بأن عدد اللاجئين هو أكثر قليلا من مليون شخص فقط بخلاف الرقم الرسمي المعلن منذ حوالي عقد من الزمن، ويلقى رفضا كبيرا، وهو عشرة ملايين لاجئ! وأتمنى أن يكون هذا الرقم هو المعتمد فرقم العشرة ملايين لاجئ يقابل باستهجان شديد من قبل المؤسسات الدولية العاملة في مجال الهجرة واللاجئين.

كنت أتمنى أن ينصب البيان الرسمي على وضع تفسيرات لعمليات القبض والترحيل خاصة وأنها تدخل شهرها الثالث الآن مسببة لحالة من الذعر بين الذين يتمتعون بالحماية الدولية من الإعادة القسرية سواء بسواء مع هؤلاء الذين ليس لهم إقامة أو حماية. أيضا كان من الواجب أن يشمل البيان الأعداد التي تم القبض عليها مع إحصائية بهؤلاء الذين تم الإفراج عنهم، وهؤلاء الذين تمت مطالبتهم بمغادرة البلاد، وأي من الحالات التي وافقت على المغادرة الى بلد غير بلدهم الأم ومدى تسهيل ذلك الاختيار لهم، فالسلطات المصرية في العديد من الأحيان تمنح هذا الخيار مشكورة، لمن يخشى العودة إلى بلاده.

إن عدم ذكر عدد الحالات التي تم توقيفها يجعل أي رقم تعلنه أي جهة أخرى (مسئولة أو غير مسئولة) هو رقم قابل للتصديق حيث لا توجد أرقام أو إحصائيات رسمية تجعلنا على الأقل نفاضل بين الرقمين. ذكرت إحدى المواقع التي تتحدث باسم اللاجئين، أن إجمالي عدد من تم توقيفهم هو عشرين ألف حالة حتى الآن، وهو رقم ضخم لا أعتقد بصحته ولكن في ظل صمت رسمي حتى في مواجهة بيان صادر من الأمم المتحدة، يصبح هذا الرقم الهائل مُصدَقا للأسف، حيث يصبح لسان حال من يعتمدون عليه: “أعطوني رقم رسمي مخالف لهذا الرقم وسوف أصدقه!”.

أيضا، كنت أتمنى أن تبادر السلطات المصرية بإصدار بيان استباقي أو بيان موجه للرأي العام لتبرير هذه الحملات والرد على بعض الادعاءات، فالرأي العام المصري أيضا له الحق في معرفة ما يدور في هذا الموضوع، وربما صدور بيان، كان من شأنه أن يستبق البيان الأممي الذي أعتبره أيضا متأخرا.

أخيرا، كانت هناك العديد من الادعاءات بطلب أموال مقابل عدم الشروع في تطبيق ما جرى من إجراءات سواء إزاء لاجئين وغير لاجئين، وأتمنى التحقيق في هذه الادعاءات.

هذا المقال ليس ردا، ولا حتى تحليلا للبيان المصري الرسمي الصادر بدوره ردا على البيان الأممي، بل هي بعض الانطباعات من القراءة الأولية للرد الرسمي من الدولة المصرية، والذي رغم أي انتقادات أرى به بعض النقاط التي توجِب التأكيد على قوتها، وإن شابه بعض النقصان فيما يتعلق بالغرض الذي صدر من أجله بيان خبراء الأمم المتحدة. ولا زلت أؤكد على أن كتابتي لهذه السطور بغرض استجلاء الحقيقة والإدلاء بدلوي كمتخصص لا يتبع أية جهة، فيما يتعلق بقضية اللاجئين، بل كمحام مصري يهمه الحفاظ على من استظلوا بحماية بلاده وعلى صورة بلاده في المقام الأول، وتظل نداءاتنا تتكرر، من أن حماية اللاجئ وطالب اللجوء هي مفاهيم أممية أصيلة تساندها اتفاقيات دولية وقعت وصادقت عليها الدولة المصرية والتي نطلق عليها في القانون الدولي “الالتزامات التعاقدية” أي أن الدولة المصرية تعاقدت مع الأمم المتحدة أن تلتزم بما تعهدت به من خلال صكوك دولية، وحتى ولو تكن الدولة المصرية قد صادقت عليها، فإن اللاجئ يصبح حاصلا على الحماية بموجب قرارات أممية ويكون اسمه “لاجئ الولاية” أي محمي بموجب ولاية مفوضية الأمم المتحدة للاجئين المحددة بالقرار رقم 428 الفقرة الخامسة الخاصة بإنشاء المفوضية في الرابع عشر من ديسمبر 1950 حتى قبل الإعلان عن اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين.

أشرف ميلاد روكسي- الخبير بالمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان