كثيرة هي التحريفات التي نالت من العقيدة اليهودية. التداخل البشري الذي طال التوراة متعدد الجوانب، لكونها- على عكس القرآن- لم تُسطر أو تُكتب وقت نزولها في حينه، إذ كُتبت خلال الفترة من القرن الخامس إلى القرن الثاني قبل الميلاد، أي بعد أكثر من ثمانية قرون من رحيل نبي الله موسى عليه السلام، وعلى الأرجح، أنها كُتبت على مراحل متعددة.

وإذا كانت تلك هي التوراة، فما بالنا بالعهد القديم بأسره، الذي لم يُذكر عنه كلمة واحدة في القرآن صراحة أو تلميحا. والعهد القديم هو عبارة عن التوراة والأسفار الأخرى، التي ادعى اليهود، أنها نزلت في أنبيائهم، إضافة إلى ما كتب فيها من قبل الأحبار من غير الأنبياء، وغالبيتهم العظمى جاؤوا بعد النبي موسى عليه السلام. ولقد روج غالبية كُتّاب العهد القديم للأيديولوجية الصهيونية منذ المهد، حتى يبرروا وجودهم وامتلاكهم لتلك الأرض المقدسة. لذلك كان الكثير مما سطروه فيها قد سُوق لسفك الدماء والعنصرية والاحتلال ونهب الأراضي وتدنيس المقدسات، وسلب المقدرات والأموال، والتعامل بالربا، وتشريد السكان أصحاب الأرض الأصليين، حيث هيمن عليها اليهود بدون وجه حق. صحيح، أن المولى عز وجل أمرهم بدخولها المشروط، بغرض تحريرها من عبادة الكنعانيين للأصنام، إلا أنهم نكثوا؛ بسبب أعمالهم الدنيئة من قتل وتعذيب الأنبياء وتحريف كلام الله، (نكثوا) عهد الله معهم، وهنا قال المولى فيهم في القرآن: “أوفوا بعهدي أُوفِ بعهدكم”.

كُتب ما أنزل الله بها من سلطان

ولمن يقرأ في سيرة اليهود، يُدرك للوهلة الأولى، أنهم أكثر شعوب الأرض تشويها لديانتهم، وأنبيائهم وأحبارهم. فهم من وصفوا أنبياءهم بأقدح الأوصاف، وألصقوا عليهم التهم والأباطيل، حتى نبي الله موسى لم يسلم من ألسنتهم. الناظر إلى التاريخ يلحظ أن الكثير من العذابات قد عانى منها كل هؤلاء الأنبياء تقريبا. في القرآن لم يرد عن المولى عز وجل اسم أية كُتب فيهم سوى التوراة، ونزلت على النبي موسى، والزبور، ونزل على النبي داود عليهما السلام. لكن تاريخ اليهود الذي كُتب بأيدي يهودية ملفقة، ذكر اليهود الأوائل فيه، أنها أسفار وإصحاحات نزلت فيما يربو على 30 نبيا لهم، إضافة إلى عديد الأحبار. هؤلاء الأنبياء لم يرد اسم أحدهم في القرآن، سوى الذين تهودوا مع أو بعد موسى عليه السلام من بنى إسرائيل وهم، هارون، يوشع بن نون، داود، سليمان، يونس، ذو الكفل، اليسع، إلياس، زكريا، يحيى، عيسى، عليهم جميعا السلام.

من هنا كان الادعاء بوجود أسفار سماوية غير التوراة والزبور، هو من الروايات التي يمكن تصديقها، ولا يمكن في ذات الوقت التأكد منها. بعبارة أوضح، إن الحديث عن أسفار لصمويل الأول والثاني وإشعيا وأراميا وحزقيال وهوشع وعاموس ويونان وميخا وغيرهم، ممن يدّعون النبوة من قبل اليهود، وهم قد يكونوا كذلك، لقول المولى: “ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك”، هو من قبيل الادعاءات التي لا دليل مؤكد على وجودها أو لا دليل على غيابها، لكن ما يسم تلك الأسفار حال وجودها مع التوراة، سمتين. الأولى، أنها أسفار تعرضت هي الأخرى للتحريف، لكون غالبيتها العظمى نزل بعد التوراة، التي هي أصلا قد حُرفت، كما سنورِد لاحقا بالدليل المنطقي، فما بالنا بالأسفار الأخرى الأقل منزلة من التوراة والتي لحقتها. ثانيا: أن التوراة ذاتها كُتبت بعد نحو 5 قرون من وفاة النبي موسى، فما بالنا بتاريخ وحال الأسفار الأخرى، التي يُفترض وجودها!!  

تناقض الأسفار وتطاولها على الأنبياء وبني البشر يُؤكد تحريفها

وتتألف التوراة من خمسة أسفار هي: التكوين (وتحكي عن الفترة من خلق الأرض حتى نبي الله يوسف عليه السلام، مرورا بخلق آدم). وسفر الخروج (ويحكي عن الفترة ما بين النبي يوسف حتى النبي يوشع بن نون خليفة موسى عليهم جميعا السلام). وسفر اللاويين (ويضم أحكام الطهارة والذبائح والنذور وتعظيم النبي هارون عليه السلام لبعض الشرائع). وسِفر العدد (وبه حصر لعدد القبائل الإسرائيلية وممتلكاتها منذ يعقوب عليه السلام). وسفر التثنية (ويتضمن عبادات وأمور اجتماعية وسياسية واقتصادية، وبعض الخطابات الموجهة للنبي موسى).

ويعترف اليهود بتحريف التوراة، ويبررون ذلك، بأنه حدث نتيجة الاضطهادات والحرق والسبي المتكرر لهم. أما أبرز الأدلة على تحريف التوراة، لدعم العنصرية والهيمنة، فيمكن قسمتها إلى أمرين: –

الأول: من حيث الشكل، ويرتبط بما هو موجود بها ذاتها، حيث يوجد بها سرد مكثف، يذكر فيها عبارات عديدة مثل “قال الرب لموسى” و”قال موسى للرب”، بما يوحى أن الكاتب ليس المولى عز وجل، وليس موسى عليه السلام. وقوله في سفر التثنية إصحاح 5/34 (فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب) أي شرق البحر الميت. والسؤال هنا كيف يقول النبي موسى في التوراة كلاما بعد موته وعن موته.

والثاني: من حيث المضمون، وهذا الأمر يرتبط بألفاظ لا حصر لها، يستحيل أن يكون المولى عز وجل قد جاء بها. خذ مثلا في سفر التكوين إصحاح 32 يقول: “الله تصارع مع يعقوب ليلة كاملة فصرعه يعقوب” “الله ندم على خلق البشر، لما رأى من معاصيهم” “أنه بكى حتى رمد فعادته الملائكة”. وفي سفر الخروج إصحاح 9/24 أن هارون وموسى وشيوخ بني إسرائيل “رأوا إله بني إسرائيل” وتناقض تلك الرواية أو المقولة مع ما ورد في سفر التثنية إصحاح 12/44 “فكلمكم الرب من وسط النار، وأنتم سامعون صوت كلام، ولكن لم تروا صوره، بل صوتا”. وفي سفر الخروج إصحاح 11/33 “ويكلم الرب موسى وجها لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه”، ثم عكس الرواية في ذات السفر إصحاح 30/33 حيث يُنسب للمولى عز وجل “لا تقدر أن ترى وجهي؛ لأن الإنسان لا يراني ويعيش”. وفي سفر التكوين إصحاح 25/17 تقول التوراة: إن الذبيح هو نبي الله إسحاق، وليس النبي إسماعيل عليهما السلام!!

خارج التوراة، لكن ضمن العهد القديم، تردد أسفار الأنبياء (يوشع وإشعيا وصمويل ودانيال وزكريا…. إلخ) عشرات العبارات، التي تتناول سبا علنيا وألفاظ سيئة، تطال الملك سليمان عليه السلام. ففي سفر التكوين الأول (إصحاح11) أوصاف مقززة للنبي سليمان، فهو “عمل الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه”. ولما لا يصدق المرء كونهم قد سبوا داود عليه السلام، وهو من قال المولى على لسانه في القرآن: “لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون”.  

عقيدة العنف وسفك الدماء

وبالأسفار أقاويل عديدة منسوبة إلى الله افتراء على الله، تبرر الاستحواذ والعنصرية، يستحيل لعاقل أن يقول إن المولى عز وجل قد ذكرها، تلك الأقاويل تتحدث عن إبادة العُزل، والوعد الإلهي، وشعب الله المختار، وأرض بلا شعب لشعب بلا أرض. جدير بالذكر أن اصطفاء الله في القرآن لبني إسرائيل كان مرتبطا من حيث الشكل بوقت محدد فقط، وهو وجود فرعون مصر الذي أمعن في التنكيل بهم، ومن حيث المضمون لكون الأخير كافر، وهم فقط الموحدون ولو من حيث الشكل.

في سفر يوشع، يقول اليهود، إن به عبارة “حرّموا (أي أبيدوا) كل ما في المدينة (اللد أو أريحا) من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف” “أحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها، إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد، فجعلوها في خزانة بيت الرب”، أي أنها لا تحرق لكونها مُعرضة للنهب والسرقة والسلب وغيرها من أمور، اعتادوها ولا زالوا حتى اليوم.

كل ما سبق من كلام وغيره، هو حديث غريب للغاية، كونه يقال على لسان المولى عز وجل، وما هو معروف من صفاته ومحامده في الرحمة والعدل والسلام، ناهيك عن كونه الرؤوف، العفو، الغفور، الحق، الحكيم، البر، المقسط، الودود.

الشتات
لقد كتب الله على اليهود الشتات، بسبب أفعالهم وخصالهم الشاذة، وفي ذات الوقت، كتب عليهم كراهية الناس لهم، بسبب أعمالهم وشعورهم بالتفرد والتميز.. وللحديث بقية.