التاريخ يكتب بالوثائق الثابتة لا بالأهواء المتغيرة.

هذه حقيقة لا يصح إنكارها.

الإنكار بذاته جريمة تاريخية متكاملة الأركان بحق الأجيال القادمة.

إذا غابت الوثائق فسوف تظل عقدة الهزيمة في (5) يونيو (1967) قيدا حديديا، يُشْهر بالحق أو بالباطل أمام الإرادة الوطنية، حتى لا تستجيب لتحديات عصرها الضاغطة.

من حق مصر أن تعرف بأكبر قدر ممكن من التوثيق الأسباب الحقيقية لهزيمة يونيو حتى لا تتكرر مرة أخرى.

يستلفت الانتباه رغم مضي السنين والعقود على ما جرى في يونيو، أن هناك سعيا دؤوبا على تكريس عقدتها رغم النصر العسكري في أكتوبر (1973)، وكان يفترض أن تَعبُر أي مشاعر لحقت الهزيمة، لكنها تكرست.

لم يكن ذلك عملا عشوائيا، لكنه استثمار سياسي طويل الأمد؛ لتكريس الهزيمة في الوجدان العام.

لماذا حاربنا وضحينا إذن؟

في السؤال شيء من هزيمة الروح.

النتائج ناقضت التضحيات والسياسة خذلت السلاح.

كان الوجه الآخر لتبديد ثمار النصر في أكتوبر هو تكريس الهزيمة في يونيو.

بدا الأمر مقصودا حتى لا تثق مصر في نفسها مرة أخرى، حتى وصلنا إلى حافة الخروج من التاريخ.

ما هو متوافر- حتى الآن- شهادات لقادة عسكريين، يدافعون فيها عن أنفسهم، أو يتهمون آخرين بالمسئولية.

حسب المثل الشائع فإن “الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب”.

تلك الشهادات- رغم أهمية بعضها- لا تؤسس لرواية مصرية موثقة ومتماسكة ومصدقة عن أخطر حروبنا الحديثة.

وثائق يونيو مودعة في خزائنها، والخزائن عليها أقفال ومتاريس.

ليس من مصلحة مصر حجب ما تقصته لجنة برئاسة اللواء “حسن البدري” المؤرخ المعتمد للجيش المصري بعد يونيو مباشرة عن أسباب الهزيمة بالأسرار والخرائط.. ولا التقرير المفصل، الذي كتبه الفريق أول “عبد المنعم رياض” عقب توليه رئاسة الأركان إثر الهزيمة مباشرة.

لم يعد هناك سر واحد خاف على أحد في العالم.

تتوافر آلاف الوثائق عن يونيو وأسرارها غربية وإسرائيلية، دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة لها صفة الرسمية.

الدول تنشر وثائقها السياسية والعسكرية بعد عدد معين من السنين؛ لتضع الحقيقة أمام مواطنيها- أيا كانت مرارتها- حتى لا تتكرر أي أخطاء جرت في الماضي.

الأمر نفسه نفتقده في حربى “الاستنزاف” و”أكتوبر”.

هناك شهادات ودراسات نشرت، لكن الوثائق قضية أخرى.

للوثائق كلمة أخيرة تجيب عن كل الأسئلة: كيف هزمنا؟ ولماذا؟ وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الهزيمة في أكتوبر؟.. ثم كيف أجهضت الإدارة السياسية بطولات وتضحيات الرجال؟

هناك فارق بين مراجعة التاريخ بالوثائق المثبتة لإدراك حقائقه وتصحيح الذاكرة العامة وبين تعميق الشعور بالهزيمة كقدر إغريقي، لا يمكن الفكاك منه، أو نفي أسبابه.

بلغة الوثائق يتأسس الاتفاق والاختلاف على قاعدة معلومات صلبة.

كانت هزيمة يونيو كارثية بأي معنى عسكري وتسببت الثغرات السياسية في بنية نظام الحكم، أن تأخذ حجمها الخطير.

ذلك جانب أول في الواقعة التاريخية لا سبيل إلى إنكاره، أو التحلل من مسئوليته.

وقد جرت مراجعتان إثر الهزيمة العسكرية على قدر كبير من الأهمية.

الأولى، إعادة تصحيح دور القوات المسلحة، حتى لا تدخل في غير أدوارها.

أعيد بناؤها من تحت الصفر تقريبا، وفق مواصفات الجيوش الحديثة، التي تعلي من شأن الكفاءة والاحتراف وتمنع الانشغال بالسياسة.

وأُسندت مسئوليتها إلى نخبة من العسكريين الأكفاء في القيادة العامة، كما في جميع الأسلحة.

تصدر المشهد العسكري المصري أفضل ما في البلد من كفاءات متاحة.

وكانت الوطنية المصرية مستعدة أن تقدم كل ما لديها من طاقات عطاء ودم بإيمان حقيقي، أن البلد تحارب معركة وجودها ومستقبلها.

لم تكن مصادفة بعد أيام من الهزيمة أن تفرض قوات محدودة في “رأس العش” كلمتها على الإسرائيليين، وتوقع بهم خسائر فادحة في لحظة انتشاء عسكري.

بهذه الروح تمكنت القوات المصرية من خوض حربي “الاستنزاف” و”أكتوبر”، وكان الجندي المصري العادي بطلهما بلا منازع.

كان ضروريا لإعادة بناء القوات المسلحة على أسس احترافية، تصفية أوضاع قديمة؛ تسببت في الهزيمة منها، التدخل في الحياة السياسية، ومنها ما هو منسوب للمخابرات العامة على عهد “صلاح نصر” من انحرافات جرى التحقيق فيها.

بعض التحقيقات سربت وأغلبها ما زال مودعا في خزائن الدولة، ولا يصح أن تظل في مكامنها إلى الأبد بعيدا عن علم الرأي العام، وحقه أن يعرف ما حدث بالضبط.

والثانية، إعادة النظر في طبيعة النظام نفسه.

وقد ترددت في المراجعات، التي احتوتها محاضر رسمية للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، شارك فيها الرئيس “جمال عبد الناصر” بنفسه، عبارات “المجتمع المفتوح” و”دولة المؤسسات”، كما بدأ التفكير في التحول إلى التعددية الحزبية.

بنفس الوقت بدأت بالجامعات المصرية أقوى وأطول حركة طلابية على خلفية الهزيمة العسكرية، تدعو إلى تعبئة الجبهة الداخلية لمتطلبات القتال على الجبهة الأمامية وتوسيع المشاركة السياسية في اتخاذ القرار.

هكذا استأنفت مصر المواجهات العسكرية.

شاع وقتها شعار “يد تبني ويد تحمل السلاح”.

البناء والحرب معا، القتال والتصحيح في نفس الوقت.

مثلت الهزيمة تراجعا فادحا في المشروع القومي، لكنها لم تكن نهاية المطاف.

كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات “عبد الناصر”، بالنظر إلى حجم العطاء الذي بذل.

أرجو ألا ننسى أن المصريين قرروا وسط ظلام الهزيمة عدم الاستسلام، وأعلنوا المقاومة في تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو المليونية، التي كلفت “عبد الناصر” استئناف القتال.

كانت المقاومة بالسلاح والدماء الجانب الآخر في قصة يونيو وما بعدها.

هكذا يبدو تعبير “النكسة”، الذي صكه الأستاذ “محمد حسنين هيكل” في خطاب “التنحي”، الأكثر دقة بوصف الإرادة المصرية الكامنة عند لحظة هزيمة عسكرية مروعة.

معنى التعبير أن الهزيمة مؤقتة، وأنه يمكن تحديها وتجاوزها بتصحيح وتصويب أسبابها.

بالنتائج العسكرية ثبت صحة وصف “النكسة”.

غير أن المفارقة الكبرى أن ما هو مؤقت من انكسار عسكري تحول بالإدارة السياسية لحرب أكتوبر إلى إقرار متأخر بالهزيمة.

بين تحولات السياسة والانقلابات الاستراتيجية، نشأت صناعة الهزيمة في الوجدان العام، فـ”أكتوبر آخر الحروب”، و”لن نحارب بالنيابة عن الفلسطينيين والعرب لآخر جندي مصري”، كما تردد على نطاق واسع في الخطابين الإعلامي والسياسي.

جرى تسطيح قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وقضية الأمن القومي المصري الذي دافعت عنه قبل أي شيء آخر.

أُهدرت التضحيات الهائلة التي بُذِلت في ميادين القتال، ونشأت طبقة جديدة، وصفت في البداية بـ”القطط السمان” لتساند السلام مع إسرائيل.

شعر جيل كامل، وهب حياته لقضية تحرير بلاده بقوة السلاح بالخديعة الكاملة، فقد حارب من أجل حلم ليستيقظ على كابوس.

كانت تلك هي الهزيمة الحقيقية، التي أرادوا إخفاءها وراء تكريس “عقدة يونيو” في الوجدان العام جيلا بعد آخر.

أخطر ما يتعرض له أي بلد، أن تدخل ذاكرته العامة في شبه غيبوبة، كأنه لا يتعلم شيئا من تجاربه وحروبه.

وهذه مسألة وثائق ثابتة قبل أي شيء آخر.