لم نَعْتد في تاريخ المواجهات العسكرية، أن نرى هذه المراوحة من أجل الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار مثل ما يجري حاليا بين إيران وأمريكا، فمنذ إعلان وقف إطلاق النار في ٨ إبريل الماضي، والعالم يسمع عن اتفاق قريب، ويخرج ترامب ويؤكد ذلك ثم يعود ويهدد إيران باستئناف الحرب، وظللنا في هذه المراوحة لما يقرب من شهرين، دون الوصول لاتفاق نهائي لوقف الحرب.
والحقيقة، أن أسباب تلك الحالة الفريدة للوصول للاتفاق المنتظر ترجع لعدة أسباب أولها، طبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، ومعها حليفتها إسرائيل وأيضا طبيعة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وكلاهما له طبيعة خاصة، ساعدت على عدم التوصل لاتفاق حتى الآن، أما السبب الثاني فهو، هذا الصراع المزدوج حول نص الاتفاق وحول اليوم التالي لانتهاء الحرب، ورغبة كل طرف ألا تكون فقط نصوص الاتفاق في صالحه، إنما أيضا تكون قابلة “للتسويق” الداخلي والدولي على أنه انتصار.
قيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإننا سنجد لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة إدارة متطرفة وفي نفس الوقت عشوائية ومتخبطة على خلاف حكومة إسرائيل المتطرفة شديدة التنظيم والقادرة على السيطرة على رئيس أكبر دولة في العالم، الذي يرد “بالبعبعة” والصوت العالي، وادعاء البطولة، وقول التصريحات، وعكسها.
والحقيقة، إن التطرف العشوائي لترامب كانت تداعياته، إنه نسج صورة متخيلة عن إيران تقريبا لا علاقة لها بالواقع، فقد تصور بعد اغتيال المرشد أن هناك تيارا منفتحا وعقلانيا من قادة الصف الثاني ومن المفاوضين الإيرانيين سيقبلون فورا بالاستسلام، دون قيد أو شرط وهو ما لم يحدث، أو يقول إن إسرائيل نفذت توجيهاته بوقف إطلاق النار في لبنان، وإن حزب الله استمع أيضا لتوجيهاته بوقف الحرب، في حين أن غارات إسرائيل لم تتوقف على مدن الجنوب اللبناني، واستمرت أيضا مسيرات حزب الله في استهداف بعض مناطق الشمال الإسرائيلي.
أما النظام الإيراني فقد مثل صورة مختلفة من علاقة التحالف العقائدي الأمريكية الإسرائيلية، فقد نسج علاقة تحالف عقائدية مع وكلائه في لبنان والعراق واليمن، واتضح عمق هذا التحالف مع حزب الله.
إن أحد أسباب تعقيدات التوصل لوقف إطلاق النار، إن هذه الحرب لم يشارك فيها مع أمريكا إلا “حليفها العقائدي” أي إسرائيل، فقد اعتبرتها أوروبا ليست حربها، كما أن دول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية لم تدخل هذه الحرب، وبقيت محافظة على موقفها الثابت رغم المغريات والضغوطات في العمل على وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، كما تمسك البعض بكلام، بدا قديما عن القانون الدولي، وظل التحالف الأمريكي الإسرائيلي فوق أي قانون وتغيب عنه الرشادة والمصلحة الوطنية. كما حملت هذه الحرب أيضا تحالف إيران مع “أذرعها العقائديين” في لبنان والعراق في حين أن حلفاءها “غير العقائديين” في روسيا والصين دعموها خلسة ودون التورط في الحرب.
إن كل الحلفاء الذين لا ينتمون لهذا “التحالف العقائدي” لم يشاركوا في الحرب، سواء كانوا بين حلفاء أمريكا في أوروبا ودول الخليج أو دول إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وسواء كانوا من حلفاء إيران فلم يشارك في الحرب إلا الحليف الأكبر ممثلا في حزب الله، الذي أدخل بلدا وشعبا بأكمله في حرب “إسناد إيران” دون أي حسابات للمصلحة الوطنية، ودون احترام لرفض أغلب شركائه في الوطن الدخول في هذه الحرب.
ستظل تعقيدات إنهاء هذه الحرب تتمثل في أن قادتها اعتمدوا بصور مختلفة على حسابات، لا تتعلق بهم فقط، إنما أيضا بحلفاء آخرين، سواء تخص حسابات الحكومة الإسرائيلية الحليف “المقدس” والمدلل لأمريكا، أو سواء حسابات إيران المتعلقة بحزب الله، وهو ما عقد الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار.
أما المسألة الثانية، فتتعلق برغبة كل دولة، أن تصوغ اتفاقا تبدو فيه إنها منتصرة، وتروج لشعبها وللرأي العام الداخلي، إنها ربحت الحرب، وبالتالي، فإن الخلاف بين أمريكا وإيران لا يتعلق فقط بنصوص الاتفاق وهي موجودة، إنما أيضا برغبة أمريكا أن “تقصقص ريش” إيران وتضعفها. ولذا نجدها تصر على أن تحصل من طهران على اليورانيوم عالي التخصيب في محاولة لكسر الصورة الرمزية، التي خلقها النظام الإيراني عن نفسه، بإنه نظام قاوم وحارب الولايات المتحدة من أجل الاستقلال الوطني وبناء قدرات نووية مستقلة، وتعرض لهجمات، دمرت جانبا كبيرا من قدراته العسكرية؛ من أجل الحفاظ على مشروعه النووي، ثم يأتي بعد ذلك، ويسلم اليورانيوم عالي التخصيب لعدوه الأمريكي.
إن جانبا من الصراع الجاري حول نص الاتفاق يرجع إلى كونه صراعا على صورة اليوم التالي، ومن المنتصر في الحرب؛ لأن أمريكا تعلم أن ورقتها الأساسية هي “اتفاق مجحف” أو اتفاق يصورها بأنها انتصرت انتصارا ساحقا؛ لأنها تأكدت أن هذه الحرب لن ترفع فيها إيران “الراية البيضاء” كما حدث في أفغانستان والعراق، والتي أسقطت واشنطن نظاما يحكم في البلدين بالقوة المسلحة، وهندست صورة “أمريكا المنتصرة” في اليوم التالي، حتى لو أقامت نظما هشة، لم تستمر طويلا.
سيبقي الاتفاق المنتظر قريبا وبعيدا لأسباب من خارج نصوصه، وتتعلق بطبيعة النظم المتحاربة ونمط تحالفاتها والأهم الصراع الضاري على نسج كل طرف لصورة المنتصر، سواء أسمته أمريكا “النصر الساحق” أوأسمته إيران “صمود المنتصرين”.






