اتضح بعد مرور ١٠٠ يوم على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران جوانب القوة التي تمتلكها طهران، وأيضا نقاط الضعف، وبقيت حصيلة هذه الحرب، تحمل معاني الصمود الإيراني وفشل أمريكي في تحقيق انتصار ساحق، كما يقول ترامب، مثلما فشلت إيران في تحقيق انتصار، كما تقول دعايتها، إنما هي صمدت؛ نتيجة أوراق قوة، تمتلكها وخسرت معركة بالنقاط مع أمريكا، وفقدت جانبا كبيرا من قدرتها العسكرية والصناعية.
والحقيقة، أن أوراق القوة التي تمتلكها إيران كثيرة، بعضها يتعلق بقدرات نظامها السياسي وكفاءته ومهارات جهازها الدبلوماسي، وهنا يجب القول إن النظام الديني الذي فرض قيودا كثيرة على حرية الرأي والتعبير والحريات المدنية والشخصية، ووضع رجل دين كزعيم فعلي (مرشد الجمهورية) فوق المؤسسات المدنية المنتخبة من رئيس الجمهورية إلى مجلس الشورى (البرلمان)، ومع ذلك، فإن الهامش الذي أعطاه هذا النظام للتنافس السياسي بين أجنحته، وأيضا حيوية المجتمع الإيراني وقدرته على انتزاع الاحتجاج والتظاهر ضد النظام رغم القمع، كل ذلك أنقذ إيران من المصائر السوداء، التي وقعت فيها بعض النظم العربية، التي قضت بالكامل على المعارضة، وأغلقت المجال السياسي مثل النظام السوري السابق، الذي كان سقوطه مثل “السكينة في الجاتو” على يد فصائل مسلحة، وليس جيش دولة عظمى أو غير عظمى، ونتيجة هشاشته وفقدانه لأي شرعية داخلية، بعد أن قتل مئات الآلاف من أبناء شعبه، وارتكب جرائم مخزية.
أما إيران فصمدت في مواجهه هجمات أكبر قوة في العالم، ليس فقط أو أساسا بسبب قدراتها العسكرية، إنما بسبب تماسك جبهتها الداخلية وقناعة الناس بأنهم قادرون على تحديد مستقبل بلادهم بأنفسهم. دون حاجة لتدخلات الخارج أو اعتداءاته.
إن إقدام أي دولة على مواجهة أمريكا وإسرائيل في ساحة الحرب، وليس الشعارات يعد مخاطرة كبرى، تتطلب ليس فقط قدرات علمية وعسكرية صلبة، إنما أيضا جبهة داخلية تتمتع بقدر كبير من التماسك في مواجهة أعدائها الخارجيين، فرغم الانقسام السياسي الموجود حول النظام القائم، ولكنه لم يصل إلى خلاف على الوطن، ولم تعتبر الغالبية العظمي من المعارضين والقوى الإصلاحية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على بلدهم فرصة؛ لتصفية الحسابات مع النظام والعمل على إسقاطه، إنما ما حدث هو العكس، فقد دافعوا عن بلدهم (رغم رفض الكثيرين للنظام) في مواجهة العدوان الخارجي، وبدلا من أن نشاهد هروبا أو نزوحا من إيران أو عودة المظاهرات المعترضة على النظام استغلالا للحرب، شهدنا مظاهرات داعمة للنظام في مواجهة الهجوم الأمريكي وعودة شخصيات عامة كبيرة إلى البلاد مثل المخرج الإيراني العالمي جعفر بناهي، (Jafar Panahi) الذي فاز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في ٢٠٢٥. وحكم عليه بالسجن لمدة عام، ومع ذلك اختار العودة لبلده أثناء الحرب رغم المخاطر.
أما ورقة القوة الثانية لدى إيران، فهي أوراقها التفاوضية التي تشمل قدرات صناعية وعسكرية وعلمية، سمحت لها بالصمود، ولكن أيضا قدرتها على “اختراع” أوراق قوة مهمة بصرف النظر عن ضررها لدول العالم مثل ورقة مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران أمام الملاحة الدولية، وفرضت شروطها على مرور السفن ورغم أنها تعلم أن مضيق هرمز ورقة بلا مستقبل، وأنها ستضطر إلى التنازل عنه في أي صفقة متوقعة مع الولايات المتحدة، فهو ليس من الأوراق التي يمكن أن يساوم فيها العالم مع طهران، أو يصل لحلول وسط، مثلما يحدث في ملفات أخرى، كالانتقال مثلا من صيغة “صفر تخصيب” إلى القبول بالنسب المقررة دوليا (حوالي ٥٪)، أو بدلا من نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى أمريكا، يُنقل إلى الصين أو روسيا، أو يُدفن في داخل إيران تحت رقابة مفتشي الطاقة الذرية، أما المضيق، فهو إما سيفتح بالكامل وإما يظل مغلقا، ما دامت بقيت أجواء الحرب، ومع ذلك، نجحت إيران في توظيف ورقة المضيق لصالح تحقيق بعض المكاسب في ملفات أخرى.
أما نقاط الضعف، فهي كثيرة، بعضها يتعلق بالوجه القمعي للنظام والقيود التي فرضها على الحريات العامة والشخصية، والأذى الذي سببه لمعارضين وشخصيات فنية وأدبية كبيرة، والبعض الآخر (أو معظمها) يتعلق بأدائها الخارجي والتناقض بين إيران، التي تقول إنها تدافع عن استقلالها الوطني، وتدعم المستضعفين في العالم، وترفض سياسات الهيمنة الأمريكية والجرائم الإسرائيلية، وفي نفس الوقت مارست تدخلات في شؤون الدول الأخرى، وساهمت في إشعال حروب ومواجهات أهلية في أكثر من بلد عربي؛ بسبب دعمها لميليشيات وتنظيمات مسلحة.
لقد امتلكت إيران مشروعا وطنيا مستقلا، يعمل على امتلاك سلاح نووي ولديه طموح إقليمي، ويمتلك أدوات قوة وقاعدة صناعية وعلمية وأيضا قدرة على الصمود والرد، ولكنه لم يترك لشعوب المنطقة فرصة تقييم هذا المشروع دون تدخلات منه بالاتفاق أو الاختلاف الحر معه، إنما حاولت أن تفرضه بالقوة على بعض دول المنطقة عبر نموذج تصدير الثورة تارة أو عبر الميليشيات المسلحة تارة أخرى.
ورقة الوكلاء والأذرع، التي اعتبرتها طهران ورقة قوة هي في الحقيقة “ورقة ضعف”؛ لأنها أفقدتها دعما شعبيا كبيرا، كان يمكن أن يمثل حائط صد حقيقي في وجه التدخلات الأمريكية، بدلا من الاعتماد على تنظيمات مسلحة، أثارت غضب الكثيرين على السياسات الإيرانية، وأضعفت من فرص دعم دول المنطقة، وأغلب الشعوب لإيران في حربها ضد أمريكا.
إذا توقفت الحرب، فإنها قد تفتح الباب أمام تغيرات كبيرة في داخل إيران وخارجها، قد تكون للأفضل، وربما تشهد إصلاحات جراحية في نظامها السياسي وفي توجهاتها الخارجية، وهو ما سنراه في المستقبل المنظور.






