الحرب ليست فقط الأعمال العسكرية، التي قامت بها كل من إسرائيل وأمريكا ضد إيران 2025 ثم 2026، لكنها حالة حربية إقليمية، بدأت في 7 أكتوبر 2023 بين المقاومة الفلسطينية في غزة وإسرائيل، ثم تمددت في الزمان والمكان، فأحياناً كانت تدور رحاها على عدة جبهات في عدة دول في وقت واحد، ثم تتوقف على بعض الجبهات، بينما تتواصل على غيرها وهكذا، لكنها في كل الأحوال مستمرة دون انقطاع من ذاك التاريخ، حتى كتابة هذه السطور في صيف 2026، شملت الحرب كل من تعتبرهم إسرائيل خطراً عليها سواء في فلسطين أو لبنان أو اليمن أو بعض الأطراف في العراق ثم إيران، وهو محور المقاومة أو الممانعة مخصوماً منه النظام البعثي في سوريا، الذي سقط وحل محله نظام جديد، لا يملك القدرة على المساس بأمن إسرائيل. هذا المحور كان عنوان حالة، تمثلها إيران، وتقودها إيران، وتجسد قدراتها الاستثنائية في توجيه الأحداث في الشرق الأوسط.

هذه الحرب لها مكانة خاصة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر من عدة زوايا:

1ــ الأولى: صمود المقاومة الفلسطينية لأكثر من عامين في مواجهة آلة حرب إسرائيلية مدعومة من أمريكا وعواصم أوروبية مهمة.

2ــ الثانية: أنها حرب إبادة تستهدف استئصال المقاومة كفكرة وكفعل وكمشروع سياسي فلسطيني، وقد سمع العالم فصول الإبادة، وسمح بها، وتركها تمر دون أدنى وخز من ضمير.

3ــ الثالثة: أن العالم العربي والإسلامي كحكومات وسلطات، وقف موقفاً عاجزاً، فلم يحرك ساكناً، وتصرفت إسرائيل، كأن العالم ليس فيه دول عربية ولا حكومات إسلامية.

4ــ الرابعة: الرأي العام الإنساني في عواصم الغرب كانت لديه حرية التعبير عن موقفه المتعاطف مع الحق الفلسطيني، والذي يدين الإبادة الإسرائيلية، وعلى النقيض من ذلك، كان الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي مُكبَّلاً بقيود ثقيلة، تمنعه من التعبير الحر عما في ضميره من غضب وفي مشاعره من عاطفة تؤيد أشقاءه في فلسطين.

5ــ الخامسة: أن الحرب بعد عام من قيامها شهدت سقوط البعث في سوريا وما ترتب على ذلك من إخراج إيران من الملعب السوري، ثم إخراج حزب الله اللبناني، ثم تمكين تركيا كقوة سنية لتملأ فراغ النظام ثم فراغ حلفائه الشيعة سواء في طهران أو جنوبي لبنان.

6ــ السادسة: في تلك الأثناء توسعت جبهات الحرب، حيث دخل الحرب حزب الله اللبناني ثم الحوثيون من أنصار الله في اليمن؛ لإسناد المقاومة، فردت إسرائيل بالحرب على كافة الجبهات العربية في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا، ثم زادت على ذلك بالذهاب إلى الجبهة الإيرانية ذاتها في 2025 .

7ــ السابعة: أن الحرب على إيران جاءت في سياق الصراع على من تكون له الكلمة العليا في تشكيل الشرق الأوسط، حيث أعلنت إسرائيل صراحة، أن حرب الإبادة التي تشنها في غزة، إنما هي مقدمة أو جزء من مشروع سياسي أكبر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بحيث يجري إخلاؤه من كل ما له صلة بفكرة المقاومة من قريب أو من بعيد.

8ــ الثامنة: كما سكتت الحكومات العربية والإسلامية، فيما يخص المقاومة، كذلك سكتت فيما يخص إيران، وذلك في اعتراف ضمني بأن مشروع المقاومة مثل مشاريع إيران فوق طاقة هذه الحكومات أن تتحمل كما هي فوق طاقة الإقليم. فقط تكلمت وتحركت، فيما يخص تهجير أهالي غزة. كذلك تكلمت وتحركت في إطار المساعي الدولية لرفع الأضرار عن الملاحة الدولة كأثر من تداعيات الحرب على إيران.

9ــ التاسعة: أن الموجة الثانية من الحرب على إيران، التي بدأت في 28 فبراير 2026، بدأت إسرائيلية أمريكية إيرانية، لكنها تطورت لتشمل كافة دول مجلس التعاون الخليجي دون استثناء، ولأول مرة منذ غزو العراق للكويت في أغسطس 1990 تشهد سماوات العواصم الخليجية النيران القادمة من إيران، نيران على كل العواصم، وليست الكويت فقط، ومن إيران وليست من العراق.

العاشرة: الحربُ تبلورت في نهاية المطاف في: تحييد قدرات المقاومة الفلسطينية عن أن تمثل مصدر أذى كبير لإسرائيل إلى أجل غير قصير، تصدير فكرة الحرب حتى لا تكون فقط ثلاثية: إسرائيل وأمريكا وإيران، ولكن تُضاف له ست دول مرة واحدة: البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية وعُمان. الحرب لها عدة معاني مجتمعة في وقت واحد: حرب ضد فكرة المقاومة في أي شكل كانت، حرب ضد فكرة المشروع الفلسطيني، حرب لخلق شرق أوسط، وفق ما يخدم الأمن الإسرائيلي، حرب لتقليص قدرات إيران وتخفيض طاقتها على ممارسة الأذى سواء ضد إسرائيل أو أمريكا أو حلفائهما في المجال الحيوي الإيراني.

وقد ترتب على كل ما سبق، ما لم يكن يخطر بالبال قبل ذلك وهو: استشعار دول إقليمية لها علاقات دبلوماسية قديمة مع إسرائيل مثل تركيا ومصر، أن خطر إسرائيل- كما ظهر منذ خريف 2023- يزداد بصورة تفوق القدرة على التسامح معها أو تجاهلها أو غض الطرف عنها، خطر من النوع الفائق لكل ما تمثله الصهيونية من خطر، منذ كانت فكرة تائهة، حتى صارت دولة تعلن- بكل صراحة- أنها تنوي إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وفق أغراضها الأمنية والسياسية، وهذا الإعلان من طرف إسرائيل- بغض النظر عن قدرتها على تنفيذه- يُزعج مصر، مثلما يُزعِج تركيا، مثلما يُزعِج كل من لديه ألف باء غريزة سياسية فطرية سليمة لم ينحرف بها الضلال، ولم تتشوه بطراوة الرجال. إسرائيل- بالعدوانية- التي ظهرت بها في الأعوام الثلاثة الأخيرة خطر على الجميع، خطر كامن أو ظاهر، خطر حال أو متوقع، خطر في كل الأحوال، وربما هذا الإدراك هو ما دفع بالعلاقات بين تركيا ومصر؛ لأن تغير مسارها إلى وقف التباعد، ثم المزيد من التقارب، ثم التعاون بما في ذلك التعاون العسكري.

من هنا تستطيع القول إن ملامح شرق أوسط جديد بدأت تبزغ، ليس شرقاً أوسط على هوى إسرائيل، وليس الشرق الأوسط الذي تمتعت فيه إيران على مدى ربع القرن الأخير بنفوذ واسع حيث طوقت المشرق العربي بأكمله بين جناحيها، وليس الشرق الأوسط الذي تقوده عواصم الخليج بالإعلام والمال ترغيباً وترهيباً. بل شرق أوسط كاشف لحدود القوة الصهيونية. كما هو شرق أوسط تحتاج فيه إيران سنوات طوالاً، حتى تستعيد أنفاسها وتعيد ترتيب أوضاعها في الداخل بالدرجة الأولى، فبعد أن تضع الحربُ أوزارها، سوف تُفاجأ نخبة الحكم في إيران، أنها تدخل أكثر من امتحان؛ لتجيب على أكثر من سؤال، وكلها أسئلة بعضها أعسر من بعض. السؤال: هل تدرك تركيا ومصر حجم الفراغ الذي سوف تكشف عنه الأيام القادمة؟ وهل لديهما رؤى فردية أو مشتركة لكيف يمكن التعامل معه؟ وهل تستطيعان بناء تجربة تعاون مشترك، وليس لديهما رصيد تاريخي، يبنيان عليه إذ كان البلدان منذ مطلع القرن التاسع عشر يذهبان في طريقين متناقضين؟

هذا موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.