تفوق محمد صلاح كلاعب وكقائد حقيقي للمنتخب المصري، ولولا بعض المنغصات من مدرسة الوطنية بالصريخ والصوت العالي داخل المنتخب وخارجه لاستطاع الرجل أن يتفوق أكثر، وأن يكون تأثيره المحلي والعالمي أكبر مما هو عليه الآن.
ولأن البعض اعتبر أن روح صلاح الرياضية وإصراره على احترام خصومه، حتى لو تجاوزوا، والحكام، حتى لو أخطأوا، انتقاص من وطنية الشعارات الزائفة، التي لم تنجز في ملف واحد سواء كان رياضيا أو غير رياضي، وإن البعض وجد ضالته في ترديد جمل من نوع تراجع مستوى صلاح مع المنتخب، وثبت عمليا في كأس العالم إنه غير صحيح، رغم أن تراجع مستوى أي لاعب لفترة طبيعي ومفهوم وحدث أحيانا مع محمد صلاح أثناء لعبه مع ليفربول حين لم يكن موفقا في مباريات عديدة، ولكن مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن أي لاعب مهما كانت موهبته الكبيرة يحتاج لمنظومة نجاح رياضية ليقودها، ولذا لن نندهش حين قال لاعب المنتخب المصري كريم حافظ تعليقا على مباراة أستراليا إنه كان من المفترض أن أتواجد في الدفاع للتأمين مع محمد هاني، “لكن محمد صلاح طلب مني التقدم إلى الناحية اليمنى، وقال لي إنه قد يمرر لي الكرة لأُسدد. وفي الوقت نفسه كان حسام حسن من خارج الملعب يطالبني بالعودة. وبالفعل تقدمت وصنعت الهدف، ولو لم يطلب مني صلاح ذلك لما تقدمت وصنعت الهدف”. وهو تصريح تلقائي وواقعي ويعكس إمكانات صلاح الفنية وقدراته كقائد للمنتخب.
ولأن أداء صلاح كان رائعا في كأس العالم الأخير ولم يقل عن كبار اللاعبين العالميين في فرقهم الوطنية (هاري كين وميسي وهالاند) وكان دوره أساسيا في صعود مصر لدور ١٦ ولولا التغييرات الخاطئة لحسام حسن في آخر ربع ساعة من مباراة الأرجنتين وأخطاء التحكيم لكان لصلاح دور رئيسي في فوز مصر وتأهلها ربما إلى المربع الذهبي لأنها كان يمكن أن تفوز على سويسرا.
صحيح أن البعض وفق المثل المصري: “ما لقوش في الورد عيب، قالوا: يا أحمر الخدين” مسكوا في جانب آخر يتعلق بعقود احترافه وثروته لأنهم اعتادوا أن يروا نماذج ثراء بالفهلوة والمحسوبية والفساد ولم يفهموا أن وراء هذا التحقق المالي لصلاح جهدا وعرقا وانضباطا وموهبة استثنائية لا يتحملها إلا القليلون وخاصة في ملاعبنا المصرية.
تفوق محمد صلاح لأن الملاعب العالمية صقلت موهبته، وهو نتاج واقع رياضي لا تعرفه منظومتنا الرياضية التي لم تنجح عبر تاريخها الطويل أن تقدم لاعبا محليا بمستوى صلاح.
إن أحد أسرار تفوق محمد صلاح إنه نسف العُقد الطبقية في مجتمعنا والتي تفرض مائة قيد على أي شاب من أسرة متوسطة أو بسيطة لكي يصعد في السلم التعليمي والوظيفي وفي الحضور الاجتماعي إلا أصحاب مدارس الربح السريع وغسيل الأموال، ويكفي أن ترى كيف علم صلاح نفسه بنفسه وكيف تعلم اللغة الإيطالية حين كان في نادي روما وأتقن الانجليزية بعد أن ذهب إلى بريطانيا، وقبله المجتمع الغربي بلحيته وشكله “غير الخواجة” لأن موهبته أصيلة وحقيقية وليس مدعيا.
علاقة صلاح بالغرب هي عكس الخطاب الذي يتبناه البعض عن المؤامرات الوهمية وعن أننا شعوب غير قابلة للتقدم والإنجاز، فجاء واحد من الشعب العادي وحقق انجازا عالميا حين أتيحت له الفرصة في أن يصبح داخل منظومة حديثة بها قواعد وقوانين واحترام للكفاءة والموهبة.
إن محمد صلاح المصري الأصيل والمتدين التدين السمح المستنير، موهبته صقلتها الملاعب العالمية وليس الملاعب المصرية وهو نتاج واقع رياضي واجتماعي وسياسي لا نعرفه في بلادنا وهو يقدم صيغة في الرياضة وأيضا رسالة سياسية تقول: كيف لا تتخلى عن أصولك الوطنية والدينية وتكون في نفس الوقت جزءا من العالم ونجما عالميا، فلا تكفره ولا تخونه ولا تنظر إليه على إنه يستهدفك ويتآمر عليك لكي تخفي سوء أداءك أو أخطائك.
صحيح أن صلاح مصري قلبا وعقلا، ولكنه لم يتربَ في منظومتنا الكروية الحالية بكل ما فيها من سلبيات، وأن موهبته الكبيرة مثل آلاف غيره ولدت في مصر وهاجرت خارجها لتجد من يرعاها وينميها، في حين بقي آلاف الموهوبين والأكفاء داخل مصر خارج دائرة الضوء والاهتمام حتى لو كان يُحسب لتجربة المنتخب الحالي أن بحثت عن بعضهم، وقدمتهم في كأس العالم.
إن سر تفوق محمد صلاح هي حفاظه على “الوصفة السحرية” أن تكون وطنيا أو محليا وفي نفس الوقت حداثيا، أي أن تكون معتزا ببلدك وثقافتك وتاريخك حتى لو انتقدت جوانب سلبية فيها، وفي نفس الوقت قادر على التواصل مع العالم والتأثير فيه ونيل احترامه حتى لو انتقدت جوانب كثيرة غير عادلة في منظومته.
تفوق صلاح هو تفوق لصيغة لا تتطلب بالضرورة أن تعيش في الغرب، فيكفي أن في تاريخنا نماذج لمدربين وطنيين عظام مثل الراحل محمود الجوهري أو حسن شحاتة متعه الله بالصحة والعافية، وقدموا نماذج لمدربين محترفين لم يعتبروا الصريخ والمظلومية والمؤامرات الدولية هي أسباب الهزيمة، ولم يسبوا ويشتموا عقب أي خسارة، بل إن التجاوز في حق العملاق حسن شحاتة جاء على يد لاعب احترف لفترة محدودة في بعض الأندية الأوربية واستبعد، حين احتج على خروجه أثناء أحد مبارايات المنتخب الوطني.
تفوق صلاح تفوق شامل في موهبته وقدراته كلاعب وفي دوره كقائد حقيقي للمنتخب، وأيضا كنموذج مصري وعربي للنجاح الوطني والعالمي.






