أسوأ قراءة ممكنة لأي ثورة نزعها من سياقها التاريخي، أو إضفاء قداسة على أحداثها.
في الحالتين هذا تعسف مع التاريخ.
كل حدث قابل للمراجعة وكل سياسة قابلة للنقد.
الأمر نفسه ينسحب على ثورة “يوليو”، التي لا يتوقف السؤال حولها من حقبة سياسية إلى أخرى.
حدة السجال الممتد شهادة لـ”يوليو” بقوة النفوذ على الرغم من انقضاء الأزمان والرجال.
بمقاييس التأثير في حركة التاريخ، فإنها واحدة من الثورات الكبرى- بتوصيف المفكر اليساري الراحل الدكتور “غالي شكري”.
الثورة الأولى، الفرنسية وقد ألهمت الجيل الأول من حقوق الإنسان- الحقوق المدنية والسياسية.
والثورة الثانية، البلشفية وقد ألهمت الجيل الثاني من حقوق الإنسان- الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
والثورة الثالثة، الصينية وقد ردت اعتبار المارد الآسيوي، وغيرت وجه التاريخ الإنساني.
والثورة الرابعة، “يوليو”، وقد قادت زخم حركات التحرير الوطني في العالم الثالث، وألهمت الجيل الثالث من حقوق الإنسان- حقوق التحرر الوطني والسيادة الوطنية والاستقلال وتقرير المصير.
على الرغم من مرور أكثر من قرنين على الثورة الفرنسية، فإن السجال الحاد حول وقائعها وتحولاتها وأبطالها لم يمنع الإقرار العام بدورها الجوهري في تغيير مسار التاريخ الإنساني.
يُعزى للثورة الفرنسية، أنها أطلقت الأفكار الأساسية في الحقوق والحريات العامة إلى آفاق لم تكن متخيلة بمعايير القرون الوسطى، والعالم بعدها اختلف بصورة جذرية، عما كان قبلها.
في الحصاد الأخير، بقيت قيمها الكبرى، تؤثر وتلهم، وتوارت صفحاتها الدموية، وقصص المقاصل التي أطاحت بالرؤوس والردات التي أعقبتها.
بالقدر ذاته، لعبت الثورة البلشفية أدوارًا، لا يمكن التهوين منها في إلهام فكرة بناء عالم جديد أكثر عدلًا.
على الرغم من أي مثالب قاتلة في بنية نظامها يعزى لتلك الثورة، أنها نقلت الوعي الإنساني بقضية العدل الاجتماعي إلى مستويات غير مسبوقة.
لا يمكن النظر إلى التطورات الجوهرية، التي لحقت بمفاهيم الرعاية الاجتماعية داخل النظم الرأسمالية الغربية دون الإقرار بتأثيراتها.
على منوال مماثل، لعبت الثورة الصينية أكثر الأدوار أهمية في الشرق الآسيوي، حيث الكتل البشرية الهائلة، التي ترزح تحت فقر مدقع وحروب بلا نهاية مع الأفيون والذباب.
نجح الصينيون في الانتقال من الثورة إلى الدولة، ومن التخطيط المركزي الصارم إلى الانفتاح الاقتصادي المحسوب، بأقل كلفة سياسية ممكنة، وأسسوا واحدة من أكثر التجارب استقرارًا ونجاحا بزخم التراكم.
يعزى لثورة “يوليو” إلهام فكرة الاستقلال وحق تقرير المصير للشعوب المغلوبة على أمرها، وتجربتها الاجتماعية أهم ملامحها.
قوة “يوليو” في مشروعها، الذي غيّر خريطة مجتمعها، وتجاوز حدودها إلى محيطها العربي والعالم الثالث كله.
بقوة الأثر التاريخي، فإنها ما زالت حاضرة في السجال العام.
قوة أي مشروع في قدرته على بناء أفكار وتصورات وسياسات جديدة، وفق قيمه الرئيسية بالنقد والتجديد والإضافة، وإلا فإنه يدخل في موت سريري لا قَومة منه.
أهم قيم مشروع “يوليو”: استقلال القرار الوطني وانتماء مصر العربي والانفتاح على العالم الثالث وقضاياه والعدالة الاجتماعية ومناهضة التبعية في السياسة والاقتصاد.
تختلف المقاربات والسياسات باختلاف العصور.
اكتسبت “يوليو” قوتها من تفاعلها مع حقائق عالمها، تحدت وحاربت واجتهدت في بناء صيغة جديدة لوحدة دول العالم الثالث خارج الخيار، الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، فإما أن تكون داخل المعسكر الغربي الرأسمالي وإما داخل المعسكر الشرقي الشيوعي.
هناك فارق بين التفاعل بالعشوائية والتخبط والتفاعل بالخيارات والأهداف.
استوعب “جمال عبد الناصر” في مشروعه أفضل ما كان مطروحًا من خيارات عصره، دمج التحرر الوطني بالالتزام القومي العربي وبفكرة التغيير الاجتماعي والانحياز للطبقات الفقيرة.
كانت العدالة الاجتماعية صلب قاعدة شرعيته، حيث تعلقت باحتياجات البشر في الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وقبل ذلك الحق في العمل وفي عائد الناتج القومي، أن يكون إنسانًا كريمًا في وطنه وآمنًا على مستقبله.
وكانت توجهاته العروبية أفق حركته في محيطه.
أية توجهات تكتسب قيمتها من مستويات التزامها.
هناك حاجة حقيقية على مستوى الفكر إلى دمج قيم التعددية والديمقراطية السياسية وحقوق الإنسان، لا تحتمل أي التواء في صلب المشروع العروبي.
لا يمكن الحديث عن أي استنساخ لـ”حركة عدم الانحياز”، أو الوحدة العربية على النحو الذي جرى في الخمسينيات.
الاستلهام غير الاستنساخ.
قيم المشروع وحدها هي التي تربط بين الإرث والمستقبل، حتى يكون ممكنًا أن يقف من جديد على أرض صلبة.
“يوليو” لا تمثل نظرية يقاس على نصوصها، بقدر ما تلخص مشروع يقاس على قيمه.
عندما افتقدنا تراكم التاريخ، خسرت فكرة الثورة اتصالها بحقائق مجتمعها وتاريخها، وأفقدت نفسها مرجعيات، ترشد دعوتها إلى العدالة الاجتماعية من واقع تجربة مصرية معاصرة.
لسنوات طويلة كان السؤال الرئيسي: “ماذا تبقى من ثورة يوليو؟”.
السؤال- بذاته- يعني أن نظامها انتهى وتوجهاتها جرى الانقضاض عليها.
مع بداية الانفتاح الاقتصادي عام (١٩٧٤) تردد في السجال العام سؤال العدالة الاجتماعية وطبيعة الانقلابات الجارية في البنية الطبقية للمجتمع، التي نُظِر إليها على نطاق واسع، بأنها قطيعة عند الجذور مع شرعية “يوليو”.
كانت انتفاضة الخبز في يناير (١٩٧٧) ذروة الصدام الاجتماعي، فالسياسات تناقضت وتناحرت، قبل أن تفترق الطرق إلى الأبد بتوقيع اتفاقيتي “كامب ديفيد” عام (١٩٧٨).
في الحملات المتصلة على ثورة “يوليو” أسندت إليها بغير إنصاف وعدل مسؤولية الإخفاقات، التي عانتها مصر من حقبة إلى أخرى.
كان ذلك تعسفا مع التاريخ وجورا على تجربة “يوليو”.
من طبائع الأمور، أن تختلف التقديرات السياسية بشأن الأحداث الكبرى وأدوار الثورات وإرثها في حياة الشعوب، غير أنه لا يصح أن تمضي بعض التقديرات إلى حد إهدار الذاكرة الوطنية.
الحق في النقد يختلف تماما عن التعسف مع التاريخ.






