بعد قرابة أربع سنوات من الهدوء النسبي، عادت الصواريخ الحوثية إلى الاتجاه نحو السعودية.

 بدأ التصعيد من صنعاء مع استهداف مدرج المطار؛ لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، تحمل كما قيل معدات ومؤن، وأعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا مسؤوليتها عن الضربة، بينما اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف وراءها. وبعد ساعات، أطلقوا صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مطار أبها، قالت الرياض، إنها اعترضتها من دون خسائر بشرية.

ولا تزال المسئولية السعودية المباشرة عن قصف المطار غير مثبتة علنا. لكن الحوثيين لم يردوا على القوات اليمنية، التي أعلنت تنفيذ الضربة، بل اختاروا الأراضي السعودية هدفا مباشرا لردهم.

في مشهد واحد، عادت إيران والحوثيون والسعودية إلى قلب المواجهة، واهتزت أهم قاعدة صمدت خلال سنوات التهدئة، وهي بقاء المملكة العربية السعودية خارج دائرة النار الحوثية.

فهل يمكن تفسير ما جرى كحادث محدود، يمكن احتواؤه، أم أن صاروخ أبها أعلن نهاية الالتفاف غير المكتوب، الذي حمى المصالحة السعودية– الإيرانية من اختبارها الأصعب في اليمن؟

ما الذي انكسر فعليا؟

لم يكن اليمن يحيا سلاما حقيقيا، حتى يقال إن السلام انهار. كما أن المصالحة السعودية- الإيرانية لم تنهِ الحرب، ولم تنتج تسوية سياسية، ولم توحد الدولة اليمنية. ما تحقق فعلا، كانت آثاره محدودة: توقفت الهجمات الحوثية على المدن والمنشآت السعودية، تجمدت الجبهة الحدودية، وتم فتح مسار تفاوضي، أتاح للرياض الابتعاد تدريجيا عن حرب استنزفتها لسنوات.

لذلك، لا تكمن خطورة صاروخ أبها في حجم الأضرار التي أحدثها، بل في القاعدة التي كسرها.

 فمنذ هدنة 2022 ثم اتفاق بكين عام 2023 استطاعت السعودية، أن تفصل أمنها المباشر عن استمرار النزاع اليمني.

‏ظل الحوثيون قوة مسلحة، تسيطر على صنعاء، واستمر ارتباطهم بإيران، واتسعت عملياتهم في البحر الأحمر، لكن المملكة بقيت خارج دائرة الاستهداف.

هذه هي المعادلة التي تعرضت للاختبار.

وقد يكون ما جرى مجرد رسالة ردع محدودة: أراد الحوثيون القول إن استهداف سلطتهم أو اتصالهم بإيران، سيقابل بتهديد العمق السعودي. لكن تكرار الهجمات سيعني أيضا سقوط قدرة التهدئة على الفصل بين الجبهة اليمنية والصراع الإقليمي، عندها لن يكون السؤال هل فقدت المصالحة السعودية الإيرانية قدرتها الدبلوماسية، بل هل فقدت وظيفتهاالأمنية التي كانت تلعبها؟

الأزمة الحقيقية تكمن في تعدد التفسيرات، فبعض التوجهات ترى أن التصعيد الأخير قد يكون تحولا في أدوات الردع الإيرانية، خاصة بعد الضربات، التي تعرض لها حزب الله وتراجع هامش حركته مؤخرا، وبالتالي، أصبح الحوثيون يمثلون ورقة الضغط الإقليمية الأكثر نشاطا بالنسبة لطهران، مستفيدين من موقعهم على البحر الأحمر وقدرتهم على تهديد الملاحة والسعودية في آن؟ أم أن لحزب الله والحوثيين وظيفة مختلفة داخل استراتيجية “الأذرع” الإيرانية، بحيث لا يمكن الحديث عن إحلال أحدهما محل الآخر؟

اتفاق بكين ما الذي أنجزه؟ وما الذي تركه معلقا؟

‏عندما استأنفت السعودية وإيران علاقتهما في بكين في عام 2023 بدا اليمن الاختيار الأكثر وضوحا لجدية الاتفاق. لكن المصالحة لم تتضمن تسوية معلنة للحرب، ولم تُلزِم إيران بوقف دعم الحوثيين أو تحويلهم لطرف منزوع السلاح.

‏ما أنجزه الاتفاق، كان أكثر واقعية وأقل طموحا، حيث خفض التوتر بين الرياض وطهران ودعم مسار التفاوض السعودي الحوثي، وثبت قاعدة تمنع استخدام اليمن مجددا كمنصة لضرب المملكة، وبهذا المعنى، لم يكن اتفاق بكين اتفاق سلام يمني، بل تفاهم يهدف للاحتواء الإقليمي.

‏تراجعت السعودية فيه عن منطقة الحسم العسكري، واستفادت إيران من بقاء الحليف الحوثي في موقع القوة، بينما التزم الجميع بسقف ‏يمنع عودة الهجمات على الداخل السعودي.

‏لكن الاتفاق ترك ثلاث قضايا بلا حل: مستقبل الدولة اليمنية، وسلاح الحوثيين، وحدود استقلال القرار الحوثي عن طهران.

‏الواقعة الأخيرة، كشفت هذا الخلل بوضوح فالمصالحة نظمت العلاقة بين دولتين، لكنها لم تنشئ آلية مُلزِمة لضبط الجماعات المسلحة، التي أصبحت صاحبه القرار والمشروع والنفوذ، الذي يتجاوز حدود اليمن.

الحوثي الذي تغير

الحوثيون الذين تواجههم السعودية اليوم ليسوا الجماعة نفسها، التي دخلت الحرب قبل أكثر من عقد.

‏ فقد تحولوا من حركة مسلحة صاعدة إلى سلطة للأمر الواقع، تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة، وتملك مؤسسات أمنية واقتصادية وترسانة من الصواريخ والطائرات المسيرة وقدرة على التأثير في الملاحة الإقليمية.

‏هذا التحول غير طبيعة علاقتهم بطهران إلى حد كبير، فما زالوا جزءا من شبكة نفوذ ضخمة، يستفيدون من دعمها السياسي والعسكري والتقني، لكنهم لا يتحركون بالضرورة كأداة تنفيذ، تنتظر الأمر المباشر للمواجهة.

‏للجماعة أيضا مشروعها المحلي لتثبيت السلطة وانتزاع الاعتراف بها واحترام وحماية مواردها، وفرض نفسها طرفا في أي تسوية.

‏لذلك لا يكفي أن تتفاهم الرياض وطهران؛ كي يهدأ اليمن تلقائيا. فإذا كان قرار التصعيد حوثيا بدرجة كبيرة، تصبح قدرة إيران على الضبط محدودة، وإذا كان منسقا معها، فإن ذلك يعني أن اليمن عاد إلى وظيفته القديمة كساحة ضغط على السعودية. الحوثي إذن لم يعد يُختزل بوصفه الوكيل الإيراني كما كان.

‏صعوبة ضبط التصعيد الآن

اليمن لم يعد ساحة ذات جبهة واحدة أو قرار واحد في مواجهة الحوثي، يقف مجلس قيادة رئاسي، يضم قوى مختلفة، ومجلس انتقالي جنوبي مدعوم إماراتيا، وتشكيلات محلية وقبلية تتباين مصالحها وحساباتها.

‏كما أن السعودية والإمارات لا تتحركان دوما وفق رؤية واحدة لمستقبل اليمن.

‏هذا الانقسام يجعل أي تصعيد أقل قابلية للسيطرة. فقد تبدأ الضربة بقرار محلي، وتُفهم باعتبارها رسالة سعودية، ويأتي الرد الحوثي على المملكة، قبل أن تتدخل إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل بحسب طبيعة الأهداف.

‏ كما أن الساحة اليمنية أصبحت مرتبطة بالبحر الأحمر والمواجهة مع إسرائيل، والضغط على إيران وتنافس على المواني وخطوط الملاحة. لذلك لم يعد من الممكن فصل أي حادث داخل اليمن عن الصراع الإقليمي المحيط.

‏هنا تكمن المشكلة. تعدد القوى وغياب مركز القرار يرفع احتمال أن تقود سلسلة من الردود المحدودة إلى مواجهة لا يملك أحد السيطرة الكاملة عليها.

‏سيناريوهات المستقبل

يفتح التصعيد الأخير مسارات عدة، تتراوح ما بين الاحتواء السريع عبر وساطة عمانية واتصالات سعودية إيرانية، تعيد تثبيت قاعدة الامتناع المتبادل، التي كانت سارية من قبل، وهو المسار الأقل كلفة والأقرب لمصالح الرياض وطهران.

‏المسار الثاني هو الردع المحدود، الذي تتكرر فيه الرسائل العسكرية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. قد يطلق الحوثيون هجمات محسوبة، فيما ترد السعودية بصورة غير مباشرة أو من خلال القوات اليمنية الحليفة لها، وخطورة هذا المسار أنه قد يرفع سقف المواجهة بسرعة كبيرة.

‏أما المسار الثالث، فهو ارتفاع حدة التصعيد من خلال ضربات محدودة، قد تحفز الجبهات داخل اليمن، ثم يدخل الصراع في مواجهة إقليمية أوسع.

‏عندها لن تعود الحرب لنسخة عام 2015، بل لمواجهة أكثر تشابكا بين القوى الحوثية والقوى اليمنية المتنافسة مع تدخلات إيرانية وأمريكية وإسرائيلية وخليجية.

‏الأيام القادمة ستحدد المسار الأقرب من خلال رصد طبيعة الأهداف الحوثية، وحجم الرد السعودي، وسرعة تحرك الوسيط العماني، وموقف إيران من أي هجمات جديدة على المملكة.

السؤال الآن: هل يختبر اليمن اليوم قوة المصالحة السعودية– الإيرانية أو فلنقل أيضاً التفاهمات الأخيرة مع حرب إيران؟ وهل تستطيع الدول أن تضبط جماعات مسلحة شاركت بنفسها في تحويلها إلى قوى إقليمية، تمتلك حساباتها الخاصة؟