شهد الأسبوع الأخير تصعيدا بين السعودية وجماعة الحوثي اليمنية، كسرت الهدنة التي أوقفت المواجهات العسكرية منذ 2022، بدأت الأزمة بخلافات حول رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء، وتاليا تحولت إلى مواجهة عسكرية بهجوم حوثي؛ استهدف مطار أبها السعودي، وهذا التطور يعيد إلى الواجهة تساؤلات بشأن مستقبل التهدئة، وحدود النفوذ الإيراني في اليمن، واحتمالات انزلاقه مرة أخرى إلى قلب الصراع الإقليمي وأطرافه المختلفة.

جماعة الحوثي
مؤيدون لجماعة الحوثي

ويأتي التصعيد في توقيت، تقود الرياض جهودًا لإحياء المسار السياسي في اليمن، وتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية، مع مساعٍ لاحتواء الحوثيين والحفاظ على التهدئة، التي تقلل احتمالات استمرارها التهديدات المبادلة بين الحوثيين والسعودية، وتحركات عسكرية للقوات الحكومية اليمنية، وتوترات قبلية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، ظهرت بداية الشهر، بما يعكس أن الأزمة تتجاوز ملف الطيران، وقد تكون بداية إعادة تشكيل موازين القوى في اليمن.

كما أن الهجوم على مطار أبها مؤشر على اختبار جديد لتوازنات ما بعد الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران، ولمدى قدرة التفاهمات الإقليمية على الصمود، وعلاقة الرياض بالمكونات اليمنية وحدود تدخلها، ولا تقتصر أهمية هذه التطورات محليا، إذ تمتد آثارها إلى أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة العالمية، كما تؤثر على استقرار أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بقناة السويس.

على جانب آخر وإجمالا، ترتبط التطورات في اليمن بالتحولات، التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب على غزة، وما أعقبها من اتساع رقعة المواجهة الإسرائيلية لدول المنطقة لتشمل إيران، بما يعيد اليمن إلى موقعه كإحدى ساحات التنافس الإقليمي، ويجعل مصر من أكثر الدول المعنية بمتابعة مسار هذا التصعيد وتداعياته.

ماذا حدث؟

بدأت الأزمة مساء أمس الاثنين 13 يوليو بعد محاولة هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، في خطوة اعترضت عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة سعوديا، والتي ترى في هذه الرحلات أداة لتعزيز الدعم اللوجستي والعسكري للحوثيين وتمكينهم من المجال الجوي، وإحلال شركات إيرانية باليمن، وهو ما أعلن رسميا في بيان مجلس القيادة اليمني يوم 10 يوليو.

وسرعان ما تحول الخلاف، الذي بدا في ظاهره مرتبطًا بإدارة المجال الجوي وحركة الطيران، إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بعدما شن الحوثيون هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة؛ استهدف مطار أبها جنوبي السعودية، معلنين مسؤوليتهم، ومهددين بتوسيع بنك الأهداف، إذا استمرت القيود على مطار صنعاء.

وفي المقابل، عقد مجلس الدفاع الوطني اليمني اجتماعات طارئة، أقر خلالها حزمة من الإجراءات العسكرية والسياسية والدبلوماسية؛ لتعزيز حماية المجال الجوي، وحمل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الحوثيين مسؤولية التصعيد، مؤكدًا رفض أي رحلات إيرانية غير مصرح بها.

وعلى المستوى الدولي، حذر المبعوث الأممي إلى اليمن، من أن التطورات الحالية قد تنسف سنوات من التهدئة، داعيًا جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار السياسي.

ورغم الإعلان لاحقًا عن استئناف محدود لبعض الرحلات المدنية، فإن الأزمة تمثل أخطر اختبار للهدنة بين السعودية والحوثيين، وتفتح الباب أمام احتمالات عودة المواجهة العسكرية، في ظل ارتباط الحوثيين بالمحور الإيراني، وما سبق أن لوحت به طهران من استخدام مضيق باب المندب كورقة ضغط، على غرار التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز، في إطار صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لماذا وقع التصعيد الآن؟

يصعب فهم التطورات الأخيرة، باعتبارها خلافًا حول رحلة إيرانية لصنعاء إذ يأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من إعادة ترتيب لأدوات النفوذ الإيراني في الإقليم.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التحرك السعودي، باعتباره محاولة للضغط على الحوثيين والحد من توسيع نفوذهم، وحشد قوى يمنية ضدهم، ليكون ملف نفوذهم في طريقه للتفكيك أو الإضعاف عسكريا وسياسيا، كما تجربة غزة وحزب الله في لبنان، ومحاولات تجري لتفكيك قوات عراقية مساندة لإيران، وعد بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في زيارته للولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثلاثاء.

على جانب آخر، تستمر إيران في استخدام أوراق الضغط المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وتعميق علاقاتها مع الحوثين ومحاولة الحفاظ على حلفائها في لبنان والعراق.

وإذا كانت الرياض تبدو حريصة على الحفاظ على مسار التهدئة مع الحوثيين في اليمن، فأنها تعلن رفضها تحول صنعاء إلى منفذ مفتوح للنفوذ الإيراني، خاصة مع عودة هجمات طهران على سفن خليجية في مضيق هرمز.

وهنا تأتى أهمية الضغط على الحوثيين، الذين طوروا من استراتيجيتهم الأمنية، وبرزوا في الحرب على قطاع غزة، باستهداف سفن تمر إلى ميناء إيلات (الملاحة البحرية الإسرائيلية) مع تعطيل جزئي للنقل في البحر الأحمر، وتاليا وبعد ترتيبات دولية وإقليمية، تحولت إلى تهديد الملاحة الجوية الإسرائيلية، عبر هجمات بالمسيرات والصواريخ على مطارات إسرائيل.

وعموماـ تحول الحوثيين في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى أداة إسناد وورقة تهديد وضغط، ضمن أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وإن كانوا يؤجلون انخراطهم لأسباب عدة، بينها تفاهمات مع واشنطن وحسابات الردع بعد ضغوط على مصادر تمويل واغتيالات لقادتهم.

لكن مع تراجع قدرة عدد من حلفاء طهران الإقليميين على التأثير العسكري، يظل قرار الدفع بهم مرتبطًا بحسابات إيران الإقليمية، والمواجهة مع السعودية ذات صلة بالصراع الإقليمي، ولا ترتبط وحسب بالتطورات الداخلية في اليمن أو مساندة الرياض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

ورغم أن الحوثيين لم يصلوا بعد إلى قرار مساندة إيران بشكل مباشر، فان احتمالية استخدام هذه الورقة من جانب طهران تظل أمر وارد كمؤشر على النفوذ والتأثير، في المقابل، فان السعودية ترسل تحذيرا لإيران والحوثيين معا.

وفى الهجوم يسعى الحوثيون إلى اختبار حدود الردع السعودي. فمنذ استئناف العلاقات بين الرياض وطهران بوساطة صينية، ساد انطباع، بأن المواجهة العسكرية المباشرة في اليمن أصبحت أقل احتمالًا، بحكم تحسن العلاقات الخليجية الإيرانية حينها، غير أن الحرب في المنطقة التي أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة، والأحداث الأخيرة المتواترة في اليمن، كشفت أن التهدئة لم تتحول إلى تسوية سياسية مستقرة، وأن أدوات الضغط العسكرية ما تزال حاضرة وقابلة للاستخدام عند تغير موازين القوى.

اليمن يعود إلى واجهة الصراع الإقليمي

لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن التحولات، التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية. والمواجهة الأخيرة تمثل اختبارا للتهدئة السعودية الحوثية، وقد تعيد اليمن إلى موقعه، باعتباره إحدى الساحات الرئيسية للصراع بين إيران وخصومها.

فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، ثم تصاعد دورهم في البحر الأحمر بعد الحرب على غزة، أصبحت الجماعة المنتمية للمذهب الزيدي “إحدى فرق الشيعة” فاعلا إقليميا قادرًا على التأثير في أمن الملاحة الدولية، وهو ما منحها أهمية في الحسابات الإيرانية والإقليمية، وسابقا هاجمت ضمن نمط الحرب الرمادية “أي الوقوف عند وضع بين التهدئة والتفجير”، والمواجهات المحدودة، كلا من السعودية والامارات.

ومن ثم، فإن التفاهمات السابقة والتي هدفت إلى احتواء التصعيد في البحر الأحمر خلال الحرب على غزة، قد تصبح أقل قدرة على ضبط المشهد، إذا اتسعت المواجهة بين إيران وخصومها، أو إذا عاد الخليج ليصبح ساحة مباشرة للصراع.

لماذا يتجاوز التصعيد حدود اليمن؟

تكمن أهمية الأزمة، في أنها لم تعد مرتبطة بالداخل اليمني، وتتعلق بأمن باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس.

وأي تصعيد في محيط المضيق ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة التجارة الدولية، وأسعار التأمين البحري، وسلاسل الإمداد، كما سيؤثر في الدول التي تعتمد اقتصاداتها بصورة مباشرة على استقرار هذا الممر، وفي مقدمتها مصر.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التوتر يمنح القوى الدولية والإقليمية مبررًا لتعزيز وجودها العسكري والأمني في البحر الأحمر، سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهما، وهو ما قد يقود إلى إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في الإقليم بصورة تتجاوز أطراف الصراع اليمني أنفسهم.

إلى أين تتجه الأزمة؟

أمام هذا الوضع، تسود حالة من عدم اليقين، وإن كانت السيناريوهات الأكثر تداولًا تنحصر في ثلاثة مسارات رئيسية.

السيناريو الأول، يتمثل في احتواء التصعيد، والاكتفاء برسائل عسكرية متبادلة، ثم العودة إلى التهدئة، وهو السيناريو الأقل تكلفة، وربما الأكثر ترجيحًا، خاصة إذا نجحت وساطات في تهدئة التوتر على مستويين، الأول الصراع بين السعودية وإيران، وثانيا، إدارة الصراع بين طهران وواشنطن والعودة إلى بنود مذكرة التفاهم.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على عودة المواجهة السعودية– الحوثية بصورة محدودة، عبر ضربات متبادلة؛ تستهدف منشآت حيوية دون حرب شاملة، مع استمرار الضغوط العسكرية والسياسية على الحوثيين، واستثمار أزماتهم الاقتصادية والإدارية (قيود تجارية وشل حركة المساعدات) لإضعاف نفوذهم، خاصة في ظل اضطراب اجتماعي وغضب قبلي ضدهم، ومعها الوصول لتسوية لوضعهم يضمن تناسب الدور مع القوة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحًا والأكثر خطورة، فيتمثل في تحول اليمن مجددًا إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة، يصبح فيها الحوثيون جزءًا من استراتيجية الرد الإيراني، بما قد يفتح المجال أمام تدخلات أوسع، وشن هجمات واسعة على الحوثيين (مع ضغط مستمر على فصائل العراق وحزب الله)، ويمنح ذلك إسرائيل دورًا أكبر في ترتيبات البحر الأحمر، خاصة في ظل تنامي علاقاتها مع بعض دول شرق إفريقيا.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

تمس التطورات الأخيرة المصالح المصرية بصورة مباشرة، سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا. فأي اضطراب في باب المندب ينعكس فورًا على حركة الملاحة في قناة السويس، ويدفع جانبًا من السفن إلى تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد الضغوط على واحد من أهم مصادر النقد الأجنبي. وكانت القاهرة قدرت خسائر القناة بأكثر من عشرة مليارات دولار منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر بالتزامن مع الحرب على غزة.

كما أن التحدي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، إذ إن توسع الصراع قد يفرض ترتيبات أمنية جديدة في البحر الأحمر، خاصة مع تنامي أدوار قوى من خارج الإقليم، وهو ما قد يؤثر في المصالح الجيو سياسية المصرية ودورها التقليدي في أمن البحر الأحمر.

ولهذا، عملت القاهرة خلال السنوات الماضية على تعزيز التنسيق مع السعودية والأردن والدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، انطلاقًا من رؤية تقوم على أن أمن الممر ينبغي أن يظل مسؤولية دوله، مع توسيع دائرة التنسيق مع شركاء إقليميين مثل تركيا وقطر وباكستان في الملفات المرتبطة باستقرار البحر الأحمر وحركة الملاحة.

ما هي أولويات القاهرة الملحة والتصور الاستراتيجي؟

من منظور المصالح المصرية يمكن طرح مجموعة من الأولويات أمام القاهرة، أولا منع انتقال التصعيد إلى مرحلة أوسع، عبر مواصلة التحرك الدبلوماسي مع السعودية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران، بما يحد من فرص استخدام الساحة اليمنية كورقة ضغط إقليمية، وإيصال رسالة واضحة أن القاهرة متضررة من هذا التصعيد، ولن تستمر في دفع فاتورة الصراعات الإقليمية.

هذا التدخل السريع، لا يمنع قاعدة وتوجها استراتيجيا، يجب أن تتبناه القاهرة وتعلنه لكل الأطراف، من أن تحقيق استقرار دائم في البحر الأحمر، لن يكون ممكنًا في ظل استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، واستمرار الهجمات في غزة رغم الهدنة، واستمرار الوضع المأساوي للقطاع، مع بقاء مستوى التصعيد في لبنان مرتفعا، وهي ملفات أصبحت مترابطة بصورة متزايدة، ومصدر الخطر فيها مشترك.

ومن ثم، فإن مواجهة تداعيات الأزمة لا تقتصر على احتواء التصعيد الحوثي، وإنما تتطلب أيضًا تنسيقًا أوثق بين مصر والسعودية ودول البحر الأحمر، إلى جانب دعم مسار سياسي، ينهي الأزمة اليمنية، وأنه لا بديل عن ذلك، والحل في عملية تفاوض تنهي النزاع بين اليمنيين، بحيث تكون إدارة البلاد بأيديهم دون تدخل من أطراف إقليمية، تُذكي الصراع، وقسمت البلاد إلى ثلاث مناطق حكم، فحل المعضلة اليمينة يساهم في الاستقرار، والحفاظ على أمن الملاحة، ويمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.