امتدت تداعيات المواجهة الأمريكية- الإيرانية إلى أحد أكثر الأقاليم حساسية للأمن القومي المصري، القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وكشفت الحرب عن تغيرات في أولويات القوى الدولية والإقليمية، وأعادت تنشيط سباق النفوذ في الإقليم، بما يفرض على القاهرة إعادة تقييم أدواتها وسياساتها، كما أن هذه التحولات تفتح أيضًا فرصًا، يمكن لمصر استثمارها.

وكانت مصر تترقب باهتمام كبير التحولات الجارية في السودان والقرن الإفريقي، ففي خضم هذه التطورات، وحالة عدم اليقين؛ بسبب المناوشات العسكرية الأمريكية- الإيرانية الأخيرة، فإن القاهرة تسعى لتعزيز التعاون الإقليمي في القرن الإفريقي، ووضع نهاية “مقبولة” للحرب في السودان، قوامها الأساسي تنشيط مسار الرباعية الدولية الخاصة بالسودان “أمريكا ومصر والسعودية والإمارات” وتوظيف موقف الإمارات من السودان؛ ليكون أكثر ارتباطًا بسياسة مصر من جهة، وطمأنة أبوظبي إزاء قدرة مصر على حماية مصالحها في السودان على المدى البعيد.

نقطة تحول

وبالرغم من التداعيات الاقتصادية والجيو سياسية الخطيرة، التي طالت القرن الإفريقي؛ جراء الحرب الأمريكية الإيرانية فإن بؤرة اهتمام الميديا الغربية تركز راهنًا على أحد أوجه هذه التداعيات، التي تعني التجارة العالمية والقائمين عليها: أي مسألة القرصنة.

 ورصدت هذه التقارير (في مطلع يوليو الجاري) تزايد عمليات القرصنة. لكن يبدو واضحًا أن تداعيات الحرب تمثل– في مجملها- نقطة تحول جديدة في استقرار الإقليم وأمنه والعلاقات بين دوله، وعلى نحو يؤثر على دول جوار الإقليم أو المتقاطعة معه في دوائر جيو استراتيجية متشابكة ومعقدة، وفي مقدمتها مصر، وبين دوائر التأثير تبرز ملفات الحرب في السودان وأمن البحر الأحمر وسد النهضة.

“أرض الصومال” وتفكيك نظام الأمن الإقليمي في البحر الأحمر

ظهرت التأثيرات في التطورات الأخيرة في علاقات إقليم “أرض الصومال” الانفصالي بجمهورية الصومال الفيدرالية مع إسرائيل، وما يمكن رصده من احتشاد مواقف دولية متزايدة، ترى في “استقلال” أرض الصومال فرصة لتحقيق مكاسب وامتيازات غير مسبوقة في جنوبي البحر الأحمر مثل تايوان والإمارات والمملكة المتحدة وغيرها.

وكان من تلك التطورات تصعيد التعاون العسكري بين تل أبيب وهرجيسا “عاصمة إقليم أرض الصومال الإنفصالي”، وإقدام الجيش الإسرائيلي على تدريب عناصر من أرض الصومال “دون وصول هذا التعاون إلى حد السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة”، حسب تصريحات لوزير الدفاع به محمد يوسف علي (17 يونيو 2026).

كما لا يخفى ارتباط هذا الحراك بدعم إماراتي بالغ الخطورة في السنوات الأخيرة، وحتى يوليو الجاري؛ فقد وردت تقارير تحظى بالاعتبار (Le Monde, July 7, 2026) بمواصلة الإمارات بناء قاعدة عسكرية على أطراف ميناء بربرة “التابع لإقليم أرض الصومال الانفصالي” تستضيف قوات عسكرية “للحلفاء الثلاثة لأرض الصومال: الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة”، واستندت لوموند في تقريرها لصور فضائية تظهر أعمالًا إنشائية ضخمة، تتم في ثلاثة مواقع جنوب مطار المدينة”، ولاحظ خبراء عسكريون ما لا يقل عن 18 خندقا، وصفت “بالهناجر تحت الأرض” تم حفرها في موقع القاعدة، ترتبط بمرافق لتخزين الذخيرة أو خزانات للوقود”.

كما افتتحت هرجيسا “عاصمة جمهورية أرض الصومال” مكتب تمثيل لها في تايوان في يونيو الماضي، الأمر الذي اعتبرته حقا أصيلا لها، واصفة تايوان “بالحليف بالغ الأهمية” لمواجهة النفوذ الصيني في القرن الإفريقي، وفي ظل التقارب الصيني- الإيراني الذي كشفت عنه الحرب الأخيرة في الخليج العربي. وحسب تقارير إسرائيلية (all Israel news, June 22, 2026) فإن “جمهورية أرض الصومال” وتوجهاتها الدبلوماسية  “المنفتحة على علاقات جديدة”، يمكن أن تعيد تشكيل الأمن الإقليمي،  لا سيما أن “إفريقيا تصبح على نحو متصاعد ساحة للصراع على النفوذ، والموارد، والقوة الاستراتيجية strategic power، مما يجعل علاقة إسرائيل المتنامية مع أرض الصومال ذات أهمية قصوى أكثر مما يتصوره كثير من المراقبين”.

الأمن المصري وتطورات البحر الأحمر وإفريقيا

وتمس هذه التطورات صميم الأمن القومي المصري في دائرتي البحر الأحمر وإفريقيا على حد سواء؛ ففيما تتزايد التهديدات الناتجة عن هذه التطورات، فإن تداعيات ما بعد الحرب على إيران، ولا سيما ما كشفت عنه من احتمالات تكرار نفس سيناريو غلق مضيق هرمز في باب المندب وبأدوات أقل تعقيدًا، وفرت فرصة حقيقية لمصر للقيام بأدوار نشطة للغاية في الإقليم سواء بشكل منفرد أم عبر ترتيبات ثنائية (أو متعددة ربما) مع أطراف مثل السعودية وتركيا؛ لتنسيق الحفاظ على الأمن في الإقليم ومنع وصوله إلى حالة فوضى.

وقد حضرت تلك المسألة، على سبيل المثال، في المحادثات المصرية- التركية التي جرت في شهري يونيو- يوليو (2026) وشهدت خطوات هامة مثل توقيع اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين، وتنسيق المواقف الإقليمية، لا سيما في مواجهة النفوذ الإسرائيلي المتنامي في عدة ملفات، ومن بينها ملف إقليم أرض الصومال الانفصالي، وهو ملف يحظى باهتمام متقارب للغاية من قبل أنقرة والقاهرة،

وكذا تنسيق مناورات على عمليات عسكرية جوية مشتركة (يوليو 2026) بين قوات البلدين، يمكن أن تكون إحدى ساحات تطبيقها دعم سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيه ومواجهته لتطلعات إقليم أرض الصومال الانفصالية.     

إثيوبيا ومسار جديد

بادرت القاهرة في 12 يوليو الجاري، على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بالإعلان عن وصول المفاوضات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي العظيم إلى نهايتها، وأن مصر تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع “عن أمنها المائي في حال إلحاق الضرر به”، ووصف عبد العاطي تشييد إثيوبيا لسد النهضة (وثلاثة سدود أخرى مقترحة)، بأنه عمل أحادي، قامت به إثيوبيا دون أي تشاور مع دولتي المصب “مصر والسودان”، وأكد رفض القاهرة أية خطوات أحادية (إثيوبية) جديدة على النيل الأزرق. 

ولم تبين القاهرة طبيعة هذا الحق الكامل، وهي مسألة كانت ضرورية لعدة اعتبارات منها، استهانة إثيوبيا المستمرة بملاحظات مماثلة، أعلنتها القاهرة في أكثر من مناسبة، وتفاديًا للبس يتعلق بما قد يفهم من تصريح وزير الخارجية، من أن خطوات القاهرة باتت مؤجلة ومشروطة بحال إلحاق الضرر المحقق بمياه النيل، التي تصل إلى مصر؛ ما قد يعني ضمنيًا سحب أفكار التوصل لتسوية قانونية ملزمة (لإثيوبيا في المقام الأول)  في الوقت الحالي، والتعويل على عامل الوقت والتسويف لتأجيل مواجهة الأطماع الإثيوبية في مياه النيل على حساب حصة مصر التاريخية في نهاية الأمر.

وبغض النظر عن المسوغات الدبلوماسية لتصريحات وزير الخارجية المصري، فإن إثيوبيا، التي تستهل ولاية جديدة لنظام رئيس الوزراء آبي أحمد وحزب الازدهار الحاكم بعد انتخابات يونيو 2026 العامة في البلاد، تنتهج مسارًا جديدًا، يقوم على القوة المفرطة في فرض خيارات إثيوبيا الإقليمية، وسيظل ملف سد النهضة الورقة الأكثر ضمانا لنجاح آبي أحمد في تمرير سياساته الداخلية، وبرافعة مواجهته مع مصر (والسودان) في هذا الملف تحديدًا، وتشابكاته التي يحاول نظام آبي أحمد ادعائها مثل دعم السودان وإريتريا (ومن خلفهما مصر) لحركات معارضة مسلحة لنظامه في الداخل، ويمثل ملف السد بجانب  انطلاق الحوار الوطني في إثيوبيا والبدء في عملية مصالحة وطنية، الرافعة لنظام آبي أحمد .

وتتمثل الفرصة أمام مصر في مثل هذه التطورات في توفر قناعة أمريكية بضرورة احتواء أزمة ملف سد النهضة، وفي نفس الوقت الحد من المناورات الأمريكية بالادعاء عدم القدرة على الضغط على أديس أبابا ونظام آبي أحمد للوصول لتسوية قانونية ملزمة تفاديًا لتصعيد إقليمي خطير (قد يرقى إلى صراع عسكري)، يهدد حزمة المصالح الأمريكية الخالصة.

وثمة مؤشر أولي على استعداد واشنطن لممارسة ضغوط على نظام آبي أحمد في الفترة المقبلة لإلزامه بخفض تشدد مواقفه الإقليمية، (تكتيكيًا على الأقل)، إذ عقد الكونجرس الأمريكي (Borkena, July 10, 2026) جلسات استماع افتراضية حول ملف حقوق الإنسان في إثيوبيا، في جهد تقوده مفوضية توم لانتوس لحقوق الإنسان  Tom Lantos Human Rights Commission (TLHRC)، وضمت الجلسة أعضاء بالكونجرس وموظفين به ومتخصصين في السياسات الخارجية ومنظمات إنسانية ونشطاء في مجال حقوق الإنسان؛ “لمناقشة أوضاع  حقوقية متدهورة في إثيوبيا”، فيما يذكر بالمقاربة الأمريكية التقليدية في إفريقيا، والتي ربما تمثل قيمة مضافة لجهود مصر الحالية لمحاولة حسم ملف سد النهضة “مرة واحدة وللأبد” في ظل الظروف الملائمة لمثل هذه الجهود بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران ومخاوف تكرارها في مناطق أخرى.

مصر والأزمة في السودان: تحييد الإمارات

يظل موقف مصر من الأزمة في السودان محكومًا برؤية ثابتة تقريبًا بخصوصية العلاقات والمصالح المشتركة بين البلدين؛ لكن متغيرات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، ومن بينها تعميق القاهرة وأبوظبي علاقاتهما في مواجهة التهديدات الإيرانية للخليج، فرضت تحولات ملموسة في موقف مصر من الأزمة في السودان، ومنها عمل القاهرة على تخفيف الرفض السوداني لدور الإمارات في “حل الأزمة”، وهو ما عبرت عنه– على نحو غير مباشر- تقارير عن ضغوط تمارسها القاهرة على الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني لإظهار مرونة أكبر تجاه المبادرات الدولية المطروحة؛ لتسوية الأزمة في السودان، وكذلك في التعاطي مع الإمارات بانفتاح أكبر.

 وقد وفرت تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وإظهار القاهرة قدرة كبيرة على الاستجابة لتحدياتها، فرصة للقاهرة لتعظيم دورها في تسوية الأزمة في السودان. واتضح ذلك في محادثات هاتفية مكثفة، أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية خلال الأسبوعين الماضيين، وركزت في جانب كبير منها على ملفي السودان وليبيا. وجددت مصر خلال المحادثات (الأهرام، 12 يوليو) دعمها “لأمن السودان واستقراره وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، والدعوة لعملية سياسية سودانية، تؤدي إلى تسوية شاملة”.  

واتضح من زيارة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد للعلمين، واجتماعه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي (12 يوليو)، أن ثمة تهديدات تحيط بمذكرة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وهي التهديدات التي تحظى باهتمام إماراتي مفهوم؛ وقد حلت الأزمة في السودان في قلب هذه المحادثات، وعبر الرئيسان عن محوريتها في الدبلوماسية الخارجية لبلديهما، وربما على نحو مشترك.

وربما توفر هذه التحولات في مستوى أعمق فرصة للقاهرة، في الدفع نحو “تحييد” المواقف الإماراتية في السودان، على الأقل من بوابة التعهد بعمل القاهرة على ضمان مصالح الإمارات في السودان في مرحلة ما بعد التوصل لهدنة إنسانية، ومنها ضمان إقصاء أنصار الرئيس المعزول عمر البشير من العملية السياسية، والتوصل لصيغ مقبولة سودانيًا لعودة الاستثمارات الإماراتية في قطاعات حيوية في السودان، وأبرزها المواني والنقل البحري. وهذا مسار له تهديداته عند وضعه في سياق مجمل السياسات الإماراتية في الإقليم (التي تهدد في مجملها وبكل وضوح المصالح المصرية)، وخطورة رهان القاهرة على ممارسة مزيد من الضغوط في السودان لصالح هذه الرؤية، إضافة إلى مسألة بديهية وهي احتمالات مراوغة الإمارات في مواقفها تجاه السودان، وأن تكون سياستها الراهنة بخصوصه قائمة على تحييد مواقف القاهرة، وليس العكس.     

وتكشف التحولات أن القرن الإفريقي يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى، تتداخل فيها حسابات الأمن البحري، والصراع على النفوذ، وأزمات الدولة الوطنية. وبالنسبة لمصر، فإن هذه المرحلة تفرض تحديات مباشرة على أمنها القومي، لكنها توفر فرصة لإعادة بناء حضورها الإقليمي.