لم يعد الصراع الدائر في السودان منذ إبريل 2023، والذي يدخل عامه الرابع خلال أسبوعين مجرد حرب داخلية على السلطة، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات إقليمية ودولية متشابكة، ومع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخل السودان مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تضيق خياراته بشكل غير مسبوق، ويتراجع هامش المناورة الذي ظل يعتمد عليه لتفادي الضغوط الخارجية.

في هذا السياق، تبدو التطورات الأخيرة– من تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تصاعد تأثير الحرب الإيرانية، وصولًا إلى التحضير لمؤتمر برلين– وكأنها حلقات في سلسلة واحدة، تعيد رسم موقع السودان في الإقليم والعالم، لا فقط موازين القوى داخله.

السودان في قلب “الصدمة الإقليمية”

أفرزت الحرب ضد إيران، ما يمكن وصفه بصدمة إقليمية مزدوجة، تضرب السودان في مستويين متوازيين: الأول لوجستي- أمني، يتمثل في اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة النقل والتأمين، والثاني سياسي- دبلوماسي، يعكس انشغال القوى الفاعلة في الملف السوداني بأولويات أكثر إلحاحًا.

بالنسبة لحرب تعتمد في جزء كبير منها على شبكات إمداد خارجية واقتصاد حرب عابر للحدود، فإن أي خلل في هذه الشبكات ينعكس مباشرة على موازين القوة، وتزداد حساسية هذا العامل في ظل الحديث عن تقاطعات محتملة بين بعض مكونات المشهد العسكري السوداني والدعم الإيراني، خصوصًا في ما يتعلق بالطائرات المسيرة.

هذا البعد يجعل من الحرب الإيرانية عامل ضغط غير مباشر على الجيش السوداني، الذي قد يواجه صعوبات في الحفاظ على بعض مصادر التسليح، أو يُضطر إلى إعادة تموضعه؛ بحثًا عن بدائل، في مقابل مرونة نسبية لشبكات الإمداد لدى قوات الدعم السريع، وإن كانت بدورها ليست بمنأى عن ارتفاع الكلفة واستنزاف الموارد.

تصنيف الإخوان: ضغط دولي أم إعادة هندسة سياسية؟

في خضم هذا المشهد، جاء قرار الولايات المتحدة إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان على قائمة ”الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص،“ والذي دخل حيز التنفيذ في 16 مارس 2026، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد.

فالقرار الذي يتيح تجميد الأصول وفرض قيودا مالية وقانونية واسعة، يتجاوز كونه إجراءً عقابيًا؛ ليعكس محاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي السوداني، بما يتماشى مع أولويات الصراع الإقليمي، خصوصًا في ما يتعلق باحتواء النفوذ الإيراني.

الأثر الأهم لهذا القرار يتمثل في وضع المؤسسة العسكرية السودانية أمام معادلة صعبة: فهي من جهة تعتمد على تحالفات ميدانية معقدة، لا يمكن تفكيكها بسهولة في ظل الحرب، ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطًا دولية متزايدة لإعادة ترتيب هذه التحالفات، بما يتوافق مع شروط الشرعية الدولية.

هذا التناقض يعكس جوهر الأزمة: دولة تخوض حربًا وجودية، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بالامتثال لقواعد نظام دولي، يعيد تعريف أولوياته على وقع صراع أكبر.

انكماش المسار السياسي وتآكل الوساطة

بالتوازي، تتعرض جهود التسوية السياسية لضغوط متزايدة، فالمسارات التفاوضية المتعددة– من جدة إلى جنيف، مرورًا بالاتحاد الإفريقي و”إيجاد”– كانت تعاني أصلًا من التشتت وتباين الأجندات، قبل أن تأتي الحرب الإيرانية لتزيد من انشغال الفاعلين الدوليين وتقلص الموارد المخصصة للوساطة.

النتيجة المباشرة هي انكماش الحيز الدبلوماسي، وارتفاع احتمالات التصعيد الميداني في المدى القصير، حيث تسعى الأطراف إلى تحقيق مكاسب قبل إعادة تشكل الضغوط الدولية، ومع غياب آليات فعالة للرقابة والالتزام، يصبح وقف إطلاق النار هدفًا بعيد المنال.

ومع ذلك، تظل هناك إمكانية– وإن كانت محدودة– لتشكُل نافذة ضغط دولي في المدى المتوسط، تستهدف تقليص النفوذ الإيراني والروسي على البحر الأحمر، ما قد يدفع نحو تسويات جزئية أو هدن إنسانية مشروطة.

مؤتمر برلين: اختبار واقعي للإرادة الدولية

في هذا السياق، يكتسب مؤتمر برلين المقرر في إبريل أهمية خاصة، ليس فقط كمنصة لجمع المساعدات الإنسانية، بل كاختبار حقيقي لمدى استعداد المجتمع الدولي لإعادة الانخراط الجاد في الملف السوداني.

الإعلان الألماني عن المؤتمر، يعكس تصاعد القلق الدولي من تفاقم الكارثة الإنسانية، في ظل تقارير عن مجاعة وانتهاكات واسعة ونزوح الملايين، كما يشير إلى إدراك متزايد، بأن استمرار الحرب لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل تهديدا إنسانيا واسع النطاق، يتطلب استجابة عاجلة.

غير أن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في حجم التمويل الذي قد يجمعه، بل في طبيعته المركبة، حيث يُتوقع أن يتضمن مسارين متوازيين:
الأول إنساني، يركز على تعبئة الموارد، والثاني سياسي، يسعى إلى جمع الكتل المدنية والسياسية السودانية– مثل “صمود” و”الكتلة الديمقراطية” و”تأسيس”– لمحاولة بلورة خارطة طريق.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في أن المؤتمرات السابقة– في باريس 2024 ولندن 2025– لم تنجح في إحداث اختراق حاسم، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمثل مؤتمر برلين نقطة تحول، أم مجرد حلقة جديدة في إدارة الأزمة دون حلها؟

الإجابة ترتبط بمدى قدرة المؤتمر على الانتقال من منطق “التعهدات” إلى منطق “الإلزام”، عبر آليات متابعة وضغط حقيقية، وهو أمر يظل محل شك في ظل انشغال القوى الكبرى بالحرب الإيرانية.

اقتصاد الحرب وتزايد شهية الفاعلين الخارجيين

على المستوى الاقتصادي، تضيف الحرب الإيرانية ضغوطًا إضافية على اقتصاد سوداني منهك أصلًا، فارتفاع كلفة الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الاهتمام الدولي، كلها عوامل تزيد من حدة الأزمة.

وفي المقابل، قد تدفع هذه التطورات بعض القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة النظر في السودان كمصدر محتمل للموارد أو كشريك اقتصادي بديل، ما يفتح الباب أمام زيادة التنافس على موارده، خاصة إذا ما انتهت الحرب الإيرانية أو طال أمدها.

هذا السيناريو يحمل وجهين: فرصة محتملة لإعادة التموضع الاقتصادي، لكنه أيضًا خطر يتمثل في تحويل السودان إلى ساحة تنافس مفتوحة، تعمق من هشاشة الدولة، بدلًا من دعم استقرارها.

خلاصة: بين ضيق الخيارات وإعادة تشكيل الدولة

في المحصلة، يجد السودان نفسه أمام معادلة مركبة: حرب داخلية مستمرة، وضغوط دولية متصاعدة، وتحولات إقليمية متسارعة، ومع اندلاع الحرب الإيرانية، لم يعد بإمكانه الحفاظ على موقع “الحياد المرن”، بل أصبح مضطرًا لاتخاذ خيارات مكلفة في بيئة عالية الاستقطاب.

في المدى القصير، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار حالة السيولة، مع تصعيد ميداني وانكماش دبلوماسي، أما في المدى المتوسط، فقد تفتح الضغوط الدولية– وربما مؤتمر برلين– نافذة محدودة لإعادة إطلاق المسار السياسي، لكن بشروط أكثر صرامة.

في النهاية، لم يعد السؤال المطروح هو كيف تنتهي الحرب في السودان، بل كيف سيُعاد تشكيل الدولة نفسها تحت ضغط هذه التحولات، فالسودان اليوم لا يقف فقط عند مفترق طرق داخلي، بل في قلب إعادة ترتيب إقليمي، قد يحدد مستقبله لسنوات طويلة قادمة.