مفارقة “الهوية الصلبة” في عالم ترامب

يعيش قطاع من جيل زد المصري في قلب مفارقة سوسيولوجية عالمية؛ فبينما يغرق العالم الغربي- بقيادة الظاهرة الترامبية وصعود اليمين المتطرف- في “حروب هوية” شرسة تقوم على استعداء الآخر والتقوقع خلف الجدران القومية والعرقية، نجد أن بيانات مسح القيم العالمي (WVS) في جولتها السابعة، ترصد لدى قطاع من الشباب المصري انفتاحاً لافتاً على العالم، يتصاعد بالتوازي مع تمسك حاد بالهوية الدينية، نحن هنا أمام ما يمكن تسميته “الهوية الواثقة”، فالشاب الذي استرد دينه داخل “ذمته الفردية” لم يعد يشعر بالتهديد من “الآخر”، كما تشعر الجماعات الأيديولوجية المأزومة التي تحتاج إلى عدو تنظيمي لتثبت وجودها.

في عالم ترامب، تُستخدم الهوية كـ”سلاح هجومي” للخوف من المهاجرين والثقافات الأخرى، أما في هذا النمط من التدين الخوارزمي، فإن الهوية تعمل كـ”درع دفاعي”، يمنح الفرد شعوراً بالمركزية الأخلاقية لا بالتفوق العرقي، الشعور بالامتلاء بالمرجعية هو الذي يُتيح الانفتاح على العالم الرقمي والعولمي، دون خوف من “الذوبان”؛ إذ لا حاجة لإغلاق الحدود ذهنياً، حين تمتلك “نظام حماية” داخلياً مستمداً من ذمتك المستقلة، لا من ولائك لجماعة، ومن هنا يصبح الدين “المصدر السيادي” الذي يمنح الشاب القدرة، على أن يكون “عالمياً” في مهاراته، “محلياً مرجعياً” في قيمه- وهي الصيغة التي عجزت عنها الأجيال السابقة المتأرجحة بين التغريب الكامل أو الانغلاق الدفاعي.

الخوارزمية كأداة للفلترة لا للعزل

ضمن سياق حروب الهوية العالمية، يلعب التدين الخوارزمي دوراً حاسماً في كيفية استقبال المد العولمي، فبينما تُبنى خوارزميات اليمين المتطرف في الغرب على “فقاعات الفلترة” (Filter Bubbles) التي تعزل الفرد عن أي رأي مخالف، وتُغذي الخوف من الآخر، فإن الخوارزمية الذهنية لهذا النمط من جيل زد المصري تعمل- نظرياً- كآلية للاختيار والاشتباك لا للحصار، الشاب الذي يمتلك مرجعية صلبة داخل ذمته، لا يخشى الحوار مع الآخر؛ لأنه يتحرك من أرضية ثابتة، فيأخذ ما يتوافق مع “كوده المرجعي”، ويرفض ما يصطدم معه، دون أن يشعر بضرورة الدخول في صراع هوياتي وجودي، وبذلك يتحول الدين من “وقود لحروب الهوية” إلى “ضمانة للاتساق الأخلاقي” وسط عالم مضطرب.

حين تُنتج الخوارزمية توليفات متباينة

غير أن هذا الوصف يصح بالكامل على نمط بعينه من التدين الخوارزمي لا على الظاهرة في كليّتها، وهو ما يقودنا إلى مسألة لا يمكن تجاوزها وهي حدود الأطروحة.

إن أحد أكبر ما تكشفه البيانات الديموجرافية هو أن جيل زد المصري ليس كتلة متجانسة، وأن “التدين الخوارزمي” ليس ظاهرة واحدة، بل طيفا من الأنماط، تتحدد ملامحها بالتقاطع بين المتغير الاقتصادي والجغرافي ونوع المحتوى الذي تُغذيه الخوارزمية التقنية لكل شريحة.

فالشاب في منطقة التجمع الخامس أو الشيخ زايد- وهو النمط الذي تصفه هذه الأطروحة في معظمها- يستقبل خوارزمياً محتوى دينياً، يُركّز على “الروحانية الهادئة” والتوازن النفسي والنجاح المهني، عبر دعاة يُدمجون علم النفس وتطوير الذات بلغة دينية منفتحة، هذا التدين يُنتج فعلاً “هوية واثقة” قادرة على الاشتباك مع الآخر المختلف، وهو ما تعكسه أرقام التسامح في مسح القيم العالمي.

أما شاب الأحياء الشعبية والأقاليم- الذي تُمثّله نسبياً أغلبية جيل زد المصري، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نحو 57% من المصريين يقطنون خارج المدن الكبرى- فإنه يستقبل من الخوارزمية ذاتها محتوى مختلفاً في طبيعته: “مشايخ التيك توك” الذين يُقدّمون الدين كبسولات عاطفية سريعة ومشبعة باليقين الحاد، هنا تعمل الخوارزمية أيضاً كـ”ذمة فردية” بالمعنى التقني للمصطلح- أي استقلالية في التلقي بعيداً عن المؤسسة- لكنها تُنتج توليفة أقل انتقائية وأكثر استجابةً للخطاب العاطفي المُبسَّط، وأحياناً أكثر تشدداً في التعامل مع الآخر المختلف.

كلا الشابين يمارسان “تديناً خوارزمياً”، لكن الخوارزمية التقنية تعكس بيئة المحتوى المتاح، وتُعيد إنتاج الفوارق الطبقية في شكل فوارق في “نوع” التدين لا في “حجمه”، وما أحب أن أشير إليه هو أن هذه العمليات التقنية ترتبط ارتباطاً وثيقا بالسياق، فالسياقات غلابة، بمعني أن السياق المأزوم لا ينتج إلا خطابات مأزومة، ويستهلك خطابات مأزومة، بما يزيد من الأزمات ويفاقمها.

وتزداد الصورة تعقيداً حين نُضيف المتغير الجنسي؛ إذ تُشير بيانات المؤشر العربي، إلى أن الفتيات في الطبقات الشعبية يواجهن “خوارزمية اجتماعية” موازية للخوارزمية الرقمية، تُحوّل الالتزام الديني الظاهري إلى شرط للقبول الاجتماعي لا إلى فعل سيادي مستقل، وهو ما يكشف أن “ذمة الفرد” الحرة قد تكون امتيازاً طبقياً، قبل أن تكون ظاهرة جيلية.

“تسييس الكفاءة” كاشتباك هوياتي ناعم

في مواجهة حروب الهوية التي تحاول وصم “المسلم” أو “الشرقي” بالدونية، يستخدم قطاع من جيل زد “تسييس الكفاءة” كفعل هوياتي مضاد، الشاب الذي ينجح عالمياً في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي مع التمسك بذمته الأخلاقية- كما يظهر في صلاته وسمته وقيمه، يُمارس أرقى أنواع الاشتباك مع عالم ترامب، لا يصرخ بشعارات الهوية بل “يفرضها” عبر التميز. المرجعية تمنحه الصلابة الأخلاقية لرفض الذوبان، والخوارزمية تمنحه المرونة التقنية للتفوق.

بيد أن هذا النمط- مثله مثل “الهوية الواثقة”- لا يتسم بعدالة التوزيع داخل الجيل ذاته؛ فـ”تسييس الكفاءة” يفترض امتلاك كفاءة قابلة للتسييس في سوق عالمي، وهو شرط يتحقق أساساً في شريحة المتعلمين تعليماً نوعياً والمتصلين رقمياً بجودة عالية، أما الشاب الذي يحمل شهادة حكومية في سوق عمل ضيق وغير رسمي، فإن “تديّنه الخوارزمي” قد لا يجد تعبيراً في “تميز مهني”، بل في أشكال أخرى من الاشتباك، أقل ظهوراً في البيانات وأقل توافقاً مع الصورة المُفعِمة بالأمل التي ترسمها هذه الأطروحة.

ختاما، يظل التدين الخوارزمي- بوصفه ظاهرة تُعيد صياغة العلاقة بين الهوية والمرجعية والانفتاح- من أبرز ما تكشفه بيانات هذا الجيل في مواجهة صعود الهويات الانغلاقية عالمياً، لكن الإنصاف التحليلي يقتضي الإقرار بأن ما ترصده هذه الأطروحة هو في معظمه “التدين الخوارزمي في نسخته الأكثر نضجاً وانفتاحاً”- أي النمط الذي يصنعه التقاطع بين المرجعية الصلبة والطبقة الوسطى العليا والتعليم النوعي والاتصال الرقمي الجيد، لكن ما يجب أن نؤكد عليه أن هذا النمط ليس الوحيد في مصر، بل تجاوره أنماط أخرى، ناهيك أن الامتزاج بين أشكال أخرى من التدين، وهو ما يستحق المتابعة.