منذ اندلاع الحرب الأهلية السودانية في إبريل 2023، غدا السودان ساحة للتنافس الإقليمي، يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، كما أنه يشكل امتدادا للعمق الاستراتيجي الإيراني نحو إفريقيا والبحر الأحمر، وأيضا موضع رهان في علاقات واشنطن مع المنطقة. ولهذا كله، فإن الحرب على إيران لم تلقِِ بظلالها على السودان من الخارج فحسب، بل اخترقت بنيته السياسية الداخلية، وأعادت تشكيل حسابات الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي، حتى كتابة هذه السطور، في إدارة ملفات التحالف والسلطة، كما تؤثر وبشكل يومي على تفاعلات الإسلاميين السودانيين الداخلية، فضلا عن كونها مؤثرة على علاقات جميع الأطراف السودانية بعضها ببعض.

على المستوى الأمريكي، لم يكن السودان إلا ملفا في منتصف قائمة طويلة من أولويات الساعة الأولى الفوضوية، بيد أن الحرب على إيران حولت هذه المعادلة تحولا جوهريا، إذ وجدت واشنطن نفسها في خضم المعركة معنية بمآلات الشراكات الإقليمية، ومحتاجة إلى تحديد مواقفها من الفاعلين متعددي الولاء.

في هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية وكتيبة البراء بن مالك منظمتين إرهابيتين، مستندة صراحة إلى الصلة التي تقول بها واشنطن بين الكتيبة السودانية البراء بن مالك والحرس الثوري الإيراني. وقد جاء التوقيت دالا، فقبل أيام قليلة من القرار الأمريكي، كان قائد الكتيبة ناجي عبد الله قد ظهر في مقطع مصور، وهو يرتدي الزي العسكري، معلنا استعداده لإرسال مقاتلين إلى إيران؛ دعماً لها في وجه أي تدخل بري أمريكي- إسرائيلي.

وقد وضعت هذه الخطوة البرهان في معضلة بالغة الدقة: فهو من جهة يعتمد على الكتائب الإسلامية؛ لمواجهة قوات الدعم السريع، ومن جهة أخرى بات ملزما بتقديم رأس هذه الكتائب للأمريكيين، دليلا على حسن نيته وبعده عن طهران.

في المحصلة، أفرزت الحرب على إيران نمطاً متناقضاً في العلاقات السودانية- الأمريكية: زيادة في الانخراط الأمريكي مع غياب الاتساق الاستراتيجي. فواشنطن تضرب بيد، وتمد اليد الأخرى، وهكذا وضح للمراقبين، أن أمريكا لا تضع استراتيجية للسودان، بل توظف السودان في صراعها مع إيران.

أما على المستوى الخليجي فإن هناك تحولا قد أحدثته الحرب على إيران في منظومة العلاقات البينية، فقد كانت الرياض وأبوظبي في حالة تنافس مكشوف على مناطق النفوذ في السودان، الأولى تدعم القوات المسلحة السودانية، والثانية تسند قوات الدعم السريع عبر شبكة من الدعم المالي والعسكري والمعلوماتي.

بيد أن صواريخ إيران الباليستية التي استهدفت الكويت والبحرين والأردن وقطر في أواخر فبراير 2026، أجبرت الرياض وأبوظبي على القفز عن تنافسهما مرحليا، وهو تطور أفقد البرهان إمكانية استثمار التوترات بين الرياض وأبوظبي لصالح موقفه التفاوضي.

مع الانخراط الإماراتي المستمر في دعم محور أديس أبابا نيالا، وفي سياق حرب إيران، أوجد التوتر بين الخرطوم وأبوظبي واقعا جديدا، حيث أعفت الحرب الإمارات جزئيا من ضغوط الرأي العام تجاه دورها في السودان. ومن ناحية أخرى، ضخت الحرب زخما إضافيا في الصراع السوداني— الأمريكي حول كيفية معاملة أبوظبي، إذ بات المشرعون الأمريكيون الراغبون في تقليص صفقات الأسلحة مع الإمارات، يتراجعون مرحليا، لاحتياج أبوظبي نفسها للدفاع عن نفسها، ولكن المشكل هنا، كيف يمكن التمييز بين الاحتياج الدفاعي الإماراتي، والانخراط في تسليح الدعم السريع، بما ينعكس على مجمل الأوزان الإقليمية في منطقة حساسة كالقرن الإفريقي والحدود الإثيوبية السودانية.

وهكذا أوجدت الحرب على إيران ثلاثة محاور حساسة في التفاعلات الداخلية السودانية، منها أن الرهان على طهران من جانب الأطراف السودانية الإسلامية بوصفها حليفا موثوقا، أصبح ورطة. فتصريح ناجي عبد الله، وما تبعه من اعتقال، أظهر علنا أن شريحة من الإسلاميين تضع ولاءها الأيديولوجي لإيران فوق مصلحة الجيش السوداني. وهو أمر يعمق الانقسام في صفوف الإسلاميين، وعلى مستوى مواز، فإن احتياج الجيش السوداني العسكري للإسلاميين في وقت مطلوب فيه إدانتهم، بل وتقليص نفوذهم، يجعل قائد الجيش في ورطة حقيقية.

على صعيد مواز، فإن تفاعلات أطراف المعادلة السودانية بات متأثرا بتطورات الحرب الإيرانية ونتائجها، ذلك أن خروج إيران خاسرة من هذه الحرب يعني تراجع قوة مناصريها في السودان، بينما خروجها متماسكة وغير ملبية للشروط الأمريكية، يعني زخما ووزنا لهؤلاء في المعادلة السودانية.

هذه الحالة خلقت فرصة لقوات الدعم السريع، فهي تجد في ارتباط البرهان بالإسلاميين المصنفين إرهابيا ذريعة لإعادة تأطير نفسها أمام الجمهور الدولي، بوصفها بديلا برجماتيا. ليس الأمر لأن حميدتي يتمتع بشرعية حقيقية— فقوات الدعم السريع مسئولة عن جرائم موثقة في دارفور تحت رقابة الأمم المتحدة، وفي التقارير الإفريقية— لكن المناخ الإقليمي يتيح لها في هذه المرحلة أداة جديدة لصياغة خطاب دولي مضاد للبرهان.

ومع حقيقة أن البرهان هو الرجل الأقوى في السودان، لكن هناك حقيقة أعقد أيضا، ذلك أن البرهان يمارس سلطة مقيدة في محيط يضيق عليه من كل جهة. إنه لم يُنتخب، ولم يشرِع لنفسه، ولا يملك شرعية انتقالية متماسكة. سلطته تقوم على ثلاث ركائز هشة هي: الميزة العسكرية الميدانية، والدعم الخارجي المشروط، والمنافسة الداخلية الإسلامية التي يدير تناقضاتها ولا يتحكم فيها.

الحرب على إيران هزت كل ركيزة من هذه الركائز بصورة مختلفة، على صعيد الميزة العسكرية، ذلك أن الحرب على إيران علقت تنفيذ صفقة باكستان التسليحية، إذ آثرت الرياض إعطاء الأولوية لمتطلبات دفاعها الذاتي، تاركة الجيش السوداني في موقف يفتقر إلى القدرات الجوية المتطورة التي كان يعول عليها.

لكن ربما كان الأخطر على مستقبل البرهان هو ما يتعلق بإدارة التناقضات الداخلية الإسلامية. بمجرد أن أعلن البرهان ضد الكتائب الإسلامية وأمر باعتقال ناجي عبد الله، أطلق ديناميكية يصعب إيقافها: فالكتائب الإسلامية، التي تمتلك قدرا من الاستقلالية التشغيلية، قد تعيد تموضعها أو تضيّق دعمها. الجنرال ياسر العطا أكد علنا، أن ست أو سبع كتائب من الإخوان تقاتل إلى جانب الجيش، وهذه ليست طاقة يمكن التخلي عنها بمجرد تغريدة أو اعتقال رمزي.

في ضوء هذا كله، تبرز ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل سلطة الفريق عبد الفتاح البرهان في هذه المرحلة الأولي منها:

البقاء بالتوازن المحفوف بالمخاطر، حيث يستمر البرهان في إدارة التناقضات الإسلامية بالقمع الانتقائي، ويحول السيطرة على ميناء بورتسودان إلى ورقة تفاوضية مع واشنطن والخليج، ويستفيد من الأهمية المتصاعدة للبحر الأحمر في سياق أزمة مضيق هرمز كناقل للنفط الخليجي خصوصا.

المسار الثاني: التفتت الداخلي، فيؤدي التصعيد ضد الكتائب الإسلامية إلى شق في التحالف، الذي تستثمره بالضرورة قوات الدعم السريع والجهات الأجنبية الداعمة لها لإضعاف البنية القتالية للجيش، في هذه الحالة، قد يجد البرهان نفسه في مواجهة ليس عدوا خارجيا فحسب، بل حليفا شبه متمرد.

السيناريو الثالث: فيقتضي بالانفتاح المشروط الذي يجعل التوتر مع الإسلاميين، والضغط الأمريكي، والأهمية الاستراتيجية للشريط الساحلي دافعا للفريق البرهان؛ للسعي نحو تسوية تفاوضية، يتخلى فيها عن الشركاء الإسلاميين، مقابل رفع جزئي للعقوبات واعتراف دولي بحكومة بورتسودان.

وهكذا يبدو السودان إجمالا دولة محاصرة بمعطيين هما: قوة الإهمال الدولي الذي يتيح للحرب الاستمرار دون رادع، وقوة الانخراط الإقليمي المشروط الذي يغذي الحرب بالسلاح والتمويل والأجندات، ذلك أن الحرب على إيران أعادت توزيع الأوزان، بطريقة تجعل التسوية السلمية في السودان— التي كانت نادرة الاحتمال أصلا— أبعد مما كانت.

إجمالا وفي في تقديرنا، ما يحتاجه السودان اليوم تحت مظلة الحرب الإيرانية سياسة دولية متماسكة، تفرق بين ضروريات السودانيين وضروريات الأجندات الإقليمية، وتخصص لهم اهتماما، يستحقه شعب بات لا يأمن على حياته، لا اهتماما يمليه توقيت الأزمات والحروب المجاورة. وهذه أمور تتعلق في نهاية المطاف بمسألة الإرادة السياسية، لقطب يقود العالم بتهور نحو أزمات تتراكم ولا تنتهي.