مع اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران نهاية فبراير الفائت، باتت دوائر حركة إيران الخارجية على المحك، وفيما تتركز هذه الدوائر في ترقب مواقف دول مثل الصين وروسيا، فإن حالة إفريقيا وما يُتوقع من تداعيات للحرب على مجمل علاقاتها بإيران مستقبلًا، تجسد ربما محدودية رهانات إيران، لا سيما أنها ظلت ترتبط في الأساس بمناطق نفوذ صينية وروسية بالقارة.

ورغم التوصل لوقف إطلاق النار تظل هذه السيناريوهات والتوقعات التي أماطت الحرب اللثام عنها، صحيحة وذات جدارة حاضرة تستحق الأخذ بالحسبان، إذ تستمر احتمالات العودة للعمليات القتالية قائمة دائما، فما جرى مؤخرا هو مجرد وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، وبالطبع فإن الخلافات الإمريكية الإيرانية لن تختفي في لحظة لمجرد وقف مؤقت للنار، إذ تظل نيران الصراع متأججة خلف أحبار وأوراق اتفاق التعليق العابر، لحين اتضاح الأمور بشكل أكثر ثباتا وديمومة.

التداعيات المرتقبة على إفريقيا.. نظرة أولية

تتركز المخاوف الإفريقية الأولى من تبعات الحرب الأمريكية- الإيرانية على مسألة الأضرار الاقتصادية الناجمة عن حدوث صدمة اقتصادية شاملة، تتمثل في اضطراب إمدادات الطاقة (سواء بشكل مباشر أم عبر اضطراب أسعار الطاقة في فترة زمنية وجيزة للغاية) وخطوط الملاحة وحدوث تضخم على المدى القصير من اندلاع الحرب.

وحسب تقارير صدرت قبيل الحرب بساعات، فإن الخطر الأساسي الذي يواجه إفريقيا يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والشبكات اللوجيستية التي تعتمد عليها. إذ لا يزال مضيق هرمز أهم نقاط مرور البترول في العالم حتى اليوم (إذ مر عبره حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية US Energy Information Administration (EIA) نحو 20 مليون برميل يوميًا في العام 2024 تمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي من البترول، إلى جانب نحو خُمس تجارة الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي المسال.

 كما سيواجه المستوردون الأفارقة للبترول ضربة تضخم فورية؛ جراء ارتفاع أسعار البترول “شهد27 فبراير بالفعل أعلى مستويات لأسعار النفط في غضون ستة شهور مع تصاعد مؤشرات وقوع الحرب الحالية”، بغض النظر عن الأفق الزمني المرتقب للعمليات العسكرية الجارية.

منذ الساعات الأولى من الحرب، بدأت التداعيات على إفريقيا مع إعلان قوات الحوثيين في اليمن انخراطها في الحرب في صف إيران وشن هجمات في البحر الأحمر، حيث  تضررت الدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر (مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال) من تجدد الحرب، واحتمالات قوية بغلق أو اضطراب العمل في مضيق باب المندب الذي يمر عبره “وعبر قناة السويس شمال البحر الأحمر” قرابة 15% من التجارة البحرية العالمية.

كما ستؤدي الحرب حتمًا إلى إضعاف الكثير من العملات الإفريقية فيما يعرف “بأسواق الأطراف” frontier markets، ولا سيما قائمة البنك الدولي التي تضم 22 دولة إفريقية، تعاني من أزمة ديون مستحكمة، وتؤرقها مخاوف حقيقية من الوقوع في خطر هذه الأزمة.

هناك أيضا ًتوقعات شبه محسومة بعمليات خفض للعملات الإفريقية، تؤدي إلى تضخم تكلفة خدمة الديون بعملتي الدولار واليورو بالأساس، واحتمال غلق سوق السندات باليورو بشكل كامل في وجه الأسواق الإفريقية، مما يؤدي إلى موجة جديدة من تكالب الدول الإفريقية على التمويل الثنائي أو إجراءات صندوق النقد الدولي العاجلة والقاسية لإنقاذ أنفسها.

إضافة إلى الأضرار الآنية التي تلحق بالممرات البحرية الهامة في شرق إفريقيا والبحر الأحمر، فإن آثار الحرب العسكرية والأمنية ستظهر في نقاط مختلفة في إفريقيا، كانت تشهد صعودًا للدور الإيراني في السنوات الأخيرة، مثل تجمع دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) الذي كانت توفر له إيران إمدادات عسكرية وأمنية مهمة أبرزها، المسيرات المتطورة. 

القرن الإفريقي.. تعقيدات إضافية

لم تنفصل التطورات الأخيرة في القرن الإفريقي عما يجري في اليمن وإيران، ويرجع ذلك إلى تعقد المشهد بالأساس، وتداخل دوائر التأثير فيما بينها؛ إذ وُجهت اتهامات منتظمة في الشهور الأخيرة لإيران بتمرير أسلحة للحوثيين في اليمن عبر “جماعة شباب المجاهدين”  الصومالية وأنشطتها البحرية المتزايدة في المنطقة، بينما رأت تقارير أخرى، أن دعم الحوثيين لـ”جماعات إرهابية صومالية” يهدد الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي وجنوبي البحر الأحمر.

 وأوردت تقارير ما وصفته بـ”أدلة موثوق بها” على استخدام الشبكات الإيرانية ووثيقة الصلة بالحوثيين للمواني الصومالية لنقل أسلحة إلى شرق إفريقيا، ومؤشرات “على تقديمها مشاوارت وتدريبات”، ونقل أسلحة إيرانية تشمل مسيرات وصواريخ أرض جو وغيرها من الأسلحة المتطورة نسبيًا في بيئة القرن الإفريقي.

 وذكرت أن طرق إمداد الذخيرة والسلاح الإيراني والصيني توسعت منذ مطلع العام الماضي، للوصول إلى جماعات إرهابية ما من شأنه أن يمكن الأخيرة من مهاجمة أهداف في جيبوتي وإثيوبيا وكينيا.

وعلى صعيد متصل، ظهرت تقارير محلية في القرن الإفريقي تجدد مخاوف استهداف إيران لجيبوتي، انطلاقًا من مجال نفوذ الأولى في اليمن، باعتبار جيبوتي هدفًا محتملًا ومكشوفًا تمامًا، وأن أية عمليات عسكرية تؤدي إلى غلق مضيق هرمز لن تمثل صدمة اقتصادية فحسب، لكن صدمة استراتيجية في الإقليم وما ورائه.

 ومع تزايد أهمية طرق الملاحة في جنوبي البحر الأحمر وخليج عدن (وجيبوتي)، وسعي الدول المستوردة لمصادر الطاقة لتأمين إمدادات بديلة وإجراءات معقدة لعسكرة الممرات البحرية، فإن جيبوتي قد تصبح عرضة لاستهداف إيراني، حسب هذه التقارير.    

وعلى خلفية هذه الصلة المعقدة، يمثل التصعيد الحالي في إيران، لا سيما بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربة أمريكية- إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير، وسيناريوهات لجوء إيران لتصعيد أكبر في مناطق الجوار المباشر، فإن القرن الإفريقي بات يترقب تداعيات الحرب على مسارين اثنين، يحكمهما الأفق الزمني لهذه الحرب التي جرى التوصل لوقف إطلاق النار فيها لمدة أسبوعين وليس إنهاء لها.

ومع توقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حسب تقرير لمنصة أكسيوس، أن العملية التي كانت مخططة قبل التوصل لوقف إطلاق النار، كان من المفترض أن تستغرق خمسة أيام، أو حسب الردود الإيرانية على الأرض، كما استدرك في ملاحظة تحمل رسالة تهديد لطهران من أي رد فعل عنيف، الأول حدوث فراغ قوة إقليمي كبير مع التغير المرتقب في بنية النظام الإيراني، ودخول إيران نفسها في مرحلة مطولة من “عدم اليقين” السياسي؛ وهو ما يعزز مسار إحكام إسرائيل قبضتها على المتغيرات الجديدة في الإقليم، وبدء مرحلة ما بعد الاعتراف بكيانات انفصالية (أرض الصومال)، وصولًا إلى فرض ترتيبات أمنية وعسكرية تقودها إسرائيل بشكل مباشر، ومن بينها تعزيز مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر بشروط سيادية. وهذه السيناريوهات والتوقعات تظل صحيحة وذات جدارة تستحق الأخذ بالحسبان، إذ تظل احتمالات العودة للعمليات القتالية قائمة.

 أما المسار الثاني، فيقوم على احتمال استعادة طهران توازنها نسبيًا، وقدرتها على تماسك تعاونها مع حلفاءها في جنوبي البحر الأحمر، وإبقاء الوضع الراهن من القدرة على التأثير مع تراجع طبيعي أو تكتيكي راهنًا.

دبلوماسيًا، علاقات إيران بالقرن الإفريقي، كما في مناطق أخرى في إفريقيا في واقع الأمر، تظل في مستويات دنيا، ترتبط بمجمل سياسات طهران الخارجية ودوائر اهتمامها، وستؤثر الأزمة الجارية على تراجع إضافي وبعيد المدى في مجمل هذه العلاقات، وغياب دور إيراني رسمي في ديناميات هذا الإقليم.

إيران والساحل الإفريقي.. خطوات للوراء   

سعت إيران، منذ العام 2022 لمواكبة للتطورات السياسية المتلاحقة في إقليم الساحل الإفريقي، ولا سيما في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وعلى سبيل المثال وقعت إيران (مايو 2025) مذكرة تفاهم مع وزارة الداخلية في النيجر “لتقوية التعاون الأمني” بين البلدين، تلاه تكوين لجنة خبراء مشتركة “لتيسير تبادل الاستخبارات وتنسيق استراتييجات العمليات، وقد جاء هذا التطور في التعاون الأمني والعسكري بعد عام واحد من حصول إيران على “300 طن من اليورانيوم مقابل بيع مسيرات وصواريخ أرض جو للنيجر، أو ما وصفه مراقبون غربيون “بدبلوماسية الدفاع مقابل المعادن”.   

حققت طهران مطلع العام الجاري العديد من الخطوات الهامة لتعميق صلاتها بدول إقليم الساحل على كافة المستويات تقريبًا، ولا سيما مع بوركينا فاسو؛ فقد أعلنت طهران وواجادوجو عن خطط طموحة لتوسيع التعاون الدفاعي بين البلدين، مع تأكيد طهران على محورية إفريقيا في استراتيجية إيران الخارجية والأمنية (22 فبراير 2026)، مع تأكيد مسئولين من الجانبين على مبادئ السيادة ومقاومة الضغط الخارجي والاستقلال الاستراتيجي.

 كما رأت طهران خلال محادثات مهمة، شهدتها بين وزيري الدفاع الإيراني والبوركيني، أن التغيرات التي يشهدها إقليم الساحل، ولا سيما تحالف دول الساحل، تمثل استجابات عميقة لضغوط العهد الاستعماري.

و أبرزت المحادثات اهتمام إيران المتزايد بقطاع المعادن في إفريقيا بالتزامن مع سعي دول الساحل لشركاء جدد عقب قطع علاقاتها الوثيقة مع القوى الغربية.

كما حضرت إيران في قلب مساعي مالي لتعميق استراتيجية التطلع شرقًا Look East، فقد ركز لقاء رئيس الوزراء الجنرال عبد الله مايجا مع سفير إيران الجديد محمود خاني (23 فبراير 2026) على إحداث توسع كبير في التعاون السياسي والأمني والتكنولوجي، كما أبرز الاجتماع إمكانية تكوين “مفوضية إيرانية- مالية مشتركة للإشراف على مشروعات الدفاع ونقل التكنولوجيا، ومساعي إيران لتوسيع علاقاتها (كمًا ونوعًا) مع اتحاد دول الساحل، بحيث تكون الأولى حليف أمني وتقني في الإقليم.

وقوع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، بعد نحو أسبوع واحد فقط من تراكم هذه التطورات، أدى إلى توقف مباغت ريثما تتضح الأمور في إيران.

كما تمثل مواقف الصين (وروسيا بدرجة أقل) من الحرب وتعمق استراتيجية الصين بعدم إثارة غضب واشنطن، والتخلي “الناعم” عن الشركاء (فنزويلا ثم إيران)، وقدرة واشنطن على إعادة ممارسة أقصى درجات القوة التدميرية؛ لتحقيق غايات سياساتها الخارجية، إشارة خطيرة لدول الساحل على طبيعة الهوامش المتاحة لها في “التنافس الصيني الأمريكي في الساحل”، وأن تمتين علاقاتها مع الصين (أو إيران وروسيا) ليس الضمانة المثلى لمواجهة مع “الغرب”، وأن خيار “التطلع شرقًا” الذي تتبناه دول الساحل ومالي تحديدًا، يظل مسألة مرتبكة وغير مكتملة.

إضافة إلى ما سبق، فإن طبيعة العلاقات الإيرانية مع دول الساحل التي تظل في مراحل مبكرة وقائمة على منافع تكتيكية بين أطرافها، يكشف عن تراجع شبه محسوم في مسارها في المرحلة المقبلة بشكل ملموس.

 كما يمكن تأكيد أن مجمل سياسات دول الساحل الخارجية ستتأثر جديًا بمآلات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران “والتي لم تنته بعد إنما جرى تعليقها دون معرفة مدى التزام إسرائيل”، وربما تدفعها لخيارات أكثر واقعية في علاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب.

في الختام، تمثل الحرب الأمريكية في إيران، مع ارتباط ذلك بالمدى الزمني للحرب ومخرجاتها الآنية واحتمالات صمود النظام الإيراني مع تجاوز الحرب أسبوعها الخامس، تمثل ضربة مؤلمة للوجود الإيراني في القارة الإفريقية، مضافًا لذلك أن هذا الوجود كان في حدوده الدنيا في واقع الأمر، ومن ثم، فإنه يتوقع تطورات سلبية للغاية في علاقات إيران الإفريقية، وكذا في حماسة دول إفريقية بعينها نحو توطيد علاقاتها مع طهران، أو حتى مساندتها في أزمتها الحالية “التي لم تتضح معالم نهايتها الحقيقية بعد”، فيما وراء بعض العبارات العامة في بيانات الإدانة إن وجدت.