مع تصاعد نطاق العمليات العسكرية في السودان، وابتدار قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية هجماتٍ برية في ولاية النيل الأزرق، مصحوبةً بهجمات جوية بالطائرات المسيّرة على ولايتي النيل الأبيض وجنوب كردفان، استهدفت المستشفيات والمراكز الحيوية في المدن، بنية التهجير القسري للمواطنين. وهو أمر يُظهر تعاظم قدرة الميليشيات في نظم الإمداد العسكري واللوجستي، وذلك بالرغم من أن الموجات السابقة قد وُوجهت بالتضييق السياسي والحصار الحقوقي، وانكشفت مساراتها قَبل استهدافها من قِبل الجيش السوداني.
إلا أن الأحداث الماضية أظهرت تجدداً في مسارات الإمداد، لتبدو أكثر تعقيداً ومرونة بالنسبة للميليشيات، ويبدو أنها اختارت هذا التعقيد— رغم صعوبته— بنية الحفاظ على استمرارية هذه المسارات على المدى الطويل، وتعقيد أساليب التعامل معها عبر الرصد، إضافةً إلى التشويش والتضليل، بما يصعّب التعامل معها من قِبل الجيش السوداني. وهو أمر اكتسبت فيه الميليشيات خبرة أكبر خلال الحرب السودانية التي تدخل عامها الرابع دون أفق لإيقافها.
معسكرات إثيوبيا
اعتمد تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية (تحالف تأسيس) على الحدود البرية الشاسعة بين السودان وإثيوبيا من الاتجاه الشرقي، إضافةً إلى الحدود الأخرى بين السودان ودولة جنوب السودان من الاتجاه الجنوبي، وهي مناطق تفتقر فيها الحكومة السودانية إلى النفاذية تاريخياً، وهو ما يعود إلى فترة الحرب الأهلية بين السودان والحركة الشعبية بقيادة الراحل جون قرنق قبل انفصال دولة جنوب السودان.
واعتمدت المعسكرات في جنوب غرب إثيوبيا على مطار أسوسا كنقطة إمداد لوجستية، وقد أظهر رصد رحلات الطيران والأقمار الصناعية وجود طائرات شحن عسكرية إثيوبية، تقلع من مطار بولي وتهبط في مطار أسوسا. كما أظهر الرصد رحلات من مطارات في دولة الإمارات باتجاه مطار بولي قبل وصولها لاحقاً إلى مطار أسوسا.
ومن جانب آخر، أظهرت صور الأقمار الصناعية معسكرات على هيئة خيام في مواقع متفرقة بجنوب غرب إثيوبيا، على بعد يتراوح بين 20 إلى 50 كيلو متراً من الحدود السودانية الإثيوبية. وقد ساهمت الحدود البرية المفتوحة بمرونتها في تمكين الميليشيات المتحالفة من السيطرة على مدينة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، بوصفها منطقة حيوية، تربط مدناً مهمة وصولاً إلى عاصمة الولاية الدمازين.

وقد أكد مصدر محلي سهولة العبور من داخل الأراضي الإثيوبية إلى السودان عبر استئجار دراجة نارية من القرى الحدودية، وصولاً إلى مدينة الدمازين، ومنها إلى جنوب كردفان دون اللجوء إلى المعابر الرسمية مثل يابوس وغيرها. وأضاف مصدر محلي آخر بوجود تحذيرات مشددة داخل معسكر اللاجئين السودانيين بمدينة أسوسا بعدم التصوير أو إظهار أي مظاهر احتفال عقب سيطرة المليشيات على مدينة الكرمك.
كما يصعب التمييز بين معسكرات المليشيات ومراكز التعدين المنتشرة في المنطقة، حيث تتخذ المعسكرات مظاهر مشابهة لمراكز التعدين ومعالجة الذهب، وهو ما يكشف عن شبكات مصالح مترابطة بين إثيوبيا والإمارات والميليشيات، توفر بيئة اقتصادية قائمة على نشاط التعدين الأهلي والشركات متعددة الجنسيات، وهو نمط مشابه لما هو قائم في دارفور وجنوب كردفان.
وأظهر رصد الأقمار الصناعية أيضاً عمليات توسعة وتطوير مستمرة في مطار أسوسا، إلى جانب منشآت تشبه حظائر الطائرات المسيّرة، مشابهة لتلك التي كانت في مطار نيالا بجنوب دارفور، ما يرجّح استخدامها في الهجمات التي استهدفت ولاية النيل الأبيض خلال مارس وإبريل 2026.
ويُضاف إلى ذلك قدرة الميليشيات على استغلال العامل البشري في جنوب السودان عبر تداخل الحدود، خاصة في أقصى شمال شرق جنوب السودان، ما مكّنها منذ أواخر يناير وبداية فبراير من السيطرة على بلدات ومواقع للجيش السوداني. ويكمن التعقيد في صعوبة تعامل الجيش السوداني مع هذه المعطيات، نظراً لطبيعة الجغرافيا الممتدة والتداخلات السياسية والأمنية الحساسة في كل من إثيوبيا وجنوب السودان، إضافة إلى ضعف النفاذية التاريخية للحكومة السودانية في تلك المناطق، في ظل بيئة من الفقر والعداء للسلطة المركزية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية التي توفرها الحدود المتقاطعة للسكان المحليين.
مسار قديم متجدد
في السابق، اعتمدت الميليشيات على مسار إمداد عسكري، يرتكز على مطار الكفرة، ويمر عبر الحدود الثلاثية بين السودان وليبيا ومصر، إضافة إلى مسار آخر قديم يعتمد على الحدود التشادية السودانية المفتوحة. وبالرغم من تعرض هذين المسارين لضغوط دولية أدت إلى الحد من نشاط مطار الكفرة، الذي أظهرت صور الأقمار الصناعية أعمال إنشاء وصيانة فيه، إلا أن المشهد تغيّر ليصبح أكثر تعقيداً.
فقد بدأ تشغيل مطار معطن السارة في ليبيا بديلاً عن مطار الكفرة، مع اعتماد مسارين متفرقين، يتجاوزان الحدود الثلاثية: المسار الأول، يمر من ليبيا إلى تشاد وصولاً إلى قاعدة كرب التوم العسكرية في شمال دارفور، التي تسيطر عليها الميليشيات منذ أكثر من عام؛ والمسار الثاني ينطلق من مطار معطن السارة إلى تشاد ثم إلى جنوب دارفور.
ويعتمد المساران على النقل البري لمسافات طويلة، نتيجة الاستهداف المستمر من قبل الجيش السوداني لمطار نيالا في جنوب دارفور، ما يرجّح فقدانه القدرة التشغيلية أو صعوبة إصلاحه. ويعزز ذلك تقارير تشير إلى شروع الميليشيات في إعادة تأهيل مطار اليوناميد بمحلية أم كدادة في شمال دارفور، وتحويله إلى مطار عسكري، حيث قامت بتهجير سكان قرية “قَوِية” شرقي أم كدادة، بالتزامن مع أعمال الحفر وتوسعة المدرج وبناء حظائر وخزانات وقود، وسط انتشار عسكري كثيف.

وبطبيعة الحال، لا يمكن تنفيذ عمليات عسكرية دون إمدادات الوقود، الذي يتوفر في ليبيا لتشغيل هذه المسارات في غرب السودان، وهو ما يمثل تعقيداً إضافياً أمام الحكومة المركزية في السودان في محاولاتها لشل قدرات الميليشيات، خاصة في ظل تصاعد أزمة الطاقة عالمياً، إلى جانب تعقيدات أخرى مرتبطة بالنفط في جنوب السودان وخطوط إمداده التي تمر عبر السودان.






