لم يستغرب الكثيرون، أن يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل ساعات من إعلانه وقف إطلاق النار، إن “حضارة كاملة ستموت الليلة”، وباتت تقلبات الرجل جزءا من المشهد السياسي اليومي في العالم، وليس فقط داخل أمريكا.
والحقيقة، إن ترامب الذي وصف النظام الإيراني، بأنه يمثل: “٤٧ عاما من الابتزاز والفساد والموت ستنتهي أخيرا”، اتفق في نفس اليوم مع نفس النظام على مهلة أسبوعين لوقف إطلاق النار، يفتح خلالها مضيق هرمز، وتجرى مباحثات أمريكية مباشرة مع ممثلي نظام ” الابتزاز والفساد والموت”.
والحقيقة، إن وقف إطلاق النار انطلق من الـ١٥ نقطة التي اقترحها ترامب، ومن الـ١٠ نقاط التي اقترحتها إيران رغم ما بينهم من تباين، فإيران تنازلت بفتح مضيق هرمز قبل التوقيع على اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، كما كانت تردد قبل ذلك، وأمريكا تراجعت عن ضرب المنشآت المدنية الإيرانية، بعد أن عرفت أن ثمن تلك الخطوة سيكون كارثيا على الجميع، وأن إيران ستنتقم من دول الخليج وأمريكا بشكل عشوائي.
وتضمنت خطة الـ10 نقاط الإيرانية، تنظيم المرور عبر مضيق هرمز (تعبير للداخل الإيراني لأنه تم فتحه تم دون شروط)، ووقف الهجمات على إيران ووكلائها، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وتقديم تعويضات لإيران، ورفع العقوبات الدولية وتجميد الأصول، وإصدار قرار ملزم من الأمم المتحدة لضمان أي اتفاق سلام نهائي، كما تضمنت نسخ من البيان، التي وزعتها وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية على نطاق واسع، موافقة الولايات المتحدة من حيث المبدأ على حق إيران في تخصيب اليورانيوم، وهو لم تعلنه أمريكا لا في نقاطها الـ١٥ ولا في إعلان وقف إطلاق النار، رغم إنها أقرت إنها تصلح كأساس للمفاوضات.
أما مقترح ترامب ذو النقاط الـ15 فقد قالت طهران، إنها لا زالت تدرسه، لأنه تضمن تفكيك القدرات النووية الإيرانية والالتزام بعدم السعي مطلقاً إلى امتلاك أسلحة نووية، كما لن يُسمح بتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية. وتمسكت أمريكا بتسليم المخزون البالغ نحو 450 كيلو جراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ونصت مقترحات ترامب على تفكيك المنشآت النووية في نطنز، وأصفهان، وفوردو، وبمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية، صلاحية الوصول الكامل والرقابة داخل إيران والتخلي عن سياسة الوكلاء في المنطقة، ووقف تمويلهم وتسليحهم. وهي أمور تحتاج طهران إلى مبررات قوية لإقناع الرأي العام الداخلي بقبولها؛ لأنها سبق ورفضتها، وكانت سببا رئيسيا وراء اندلاع الحرب الأخيرة.
وقد وضعت أمريكا بندا مرنا في مقترحها، يخص الصواريخ الباليستية، فلم يتضمن حرمان إيران منها، كما حدث مع أنشطتها النووية، إنما طالبتها بأن يكون استخدامها مقتصر على الدفاع عن النفس، بما يعني أن أمريكا أبدت قدرا من المرونة في هذه النقطة، خاصة إنها تعلم أنه من الصعب أن تقبل إيران بتفكيك مشروعها الصاروخي، مثلما يمكن أن تقبل بتقديم تنازل، فيما يخص مشروعها النووي.
إذا نجحت المفاوضات التي ستبدأ غدا الجمعة في إسلام أباد بين الوفدين الأمريكي والإيراني في الوصول إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب، فسيتم رفع العقوبات التي فرضتها أمريكا والمجتمع الدولي عليها، وأيضا إلغاء آلية “سناب باك” التي تتيح إعادة فرض العقوبات تلقائياً، إذا لم تلتزم طهران بالاتفاق.
إن الوصول لاتفاق مؤقت لإطلاق النار جاء نتيجة عجز الأطراف المتحاربة في تحقيق نصر حاسم على الطرف الآخر، وبات من الواضح إن هناك احتياجا من الطرفين لإنهاء الحرب، فإيران تعرضت لخسائر كبيرة في قدرتها العسكرية والمدنية، كما تعرض حليفها حزب الله لخسائر أكثر فداحة؛ لأنه يعيش في بلد ليس لديها قدرات عسكرية كبيرة، كما أنها منقسمة حول حزب الله، وأن أغلب المكونات اللبنانية تعارضه بما فيها جانب من بيئته الشيعية، وهذا على خلاف إيران التي صهرت الحرب المشاعر الوطنية في مواجهة أمريكا وإسرائيل بما فيهم أغلب المعارضين للنظام.
أما أمريكا فهي تيقنت أن الخيار الإسرائيلي بإسقاط النظام أو إبادته وسحقه كما يردد نتنياهو لن يحدث، وإذا حدث ستكون تداعياته أكثر سوءا على المنطقة والعالم من بقاء النظام وتغيير سلوكه وتوجهاته.
أما أمريكا، فإنها تحتاج لإنهاء الحرب سريعا؛ نتيجة الانهيارات التي أصابت الاقتصاد العالمي وحركة التجارة، بعد أن ارتفع سعر النفط بنحو ٤٠٪ بجانب تهديد مصادر الطاقة العالمية، وخاصة في دول الخليج، وهي كلها تداعيات اقتصادية، لن يستطيع رجل “الصفقات والأعمال” ترامب تحملها طويلا.
أن ميزة إنهاء الحرب والوصول لتسوية سياسية مع النظام الإيراني الحالي، حتى لو بقي ضعيفا، أنه سيفتح الباب أمام إصلاحه جراحيا من داخله وعن طريق الشعب الإيراني الذي أثبت على مدار سنوات حيويته وقدرته على مواجهة منظومة المرشد بشجاعة، وستكون أمامه فرصة لبناء نظام جديد قابل للاستمرار والحياة، وليس النظم المصنعة خارجيا على طريقة حكومة كارزاي في أفغانستان وغيرها، لأن التغيير يأتي من خلال الشعوب، ولا يفرض بالقوة من خارجها ومن خارج القوانين والقواعد الدولية، وتدفع ثمنه شعوب المنطقة.
نهاية الحرب وإيجاد مخرج سياسي للصراع مع إيران، سيفتح الباب أمام تحولات كبيرة في المنطقة، فإيران غير المهزومة وغير المنتصرة، ستكون أمام موعد جديد مع شعبها، وأمريكا التي يقودها ترامب باتت في صراع مفتوح مع كثير من حلفائها الأوربيين وغير الأوربيين بما يعني أن التغيرات الدولية والمحلية ستطال الجميع.






