نحو عقد أخلاقي جديد.. أسئلة ما بعد الانكشاف المؤسسي

قدّمت هذه السلسلة أطروحة مركزية أساسية: أن التحول الديني لدى قطاعات من جيل زد المصري لا يُفهم بوصفه “تديناً أكثر أو أقل”، بل بوصفه تحولاً في بنية العلاقة بين الفرد والمرجعية والمجال العام في زمن اللا يقين الجيو سياسي والمعرفي، وفي اللحظة النيو ليبرالية المتفشية، هذا التحول أنتج ما أسميناه “التدين الخوارزمي”؛ وهو آلية ذهنية وبيئية، تقوم على الاحتفاظ بالمرجعية الصلبة (القرآن والسنة) مع رفض “النسخ التفسيرية” الجاهزة التي تقدمها المؤسسات والتنظيمات، واستبدالها بخوارزمية شخصية للانتقاء والتأويل.

الشرط الأساسي لهذا التحول كان “الانكشاف المؤسسي” في زمن اللا يقين ولحظة السيولة، حيث تآكل متزامن لمصداقية المؤسسة الرسمية والتنظيم الحركي والأسرة كأوعية ضامنة للمعنى والأمان. هذا الانكشاف لم يُحدِث لا دينية، بل أفضى إلى ما أسميناه “الفردية الجبرية”، أي استقلال الاضطرار لا استقلال الاختيار، وحيث يجد الفرد نفسه مضطراً إلى هندسة إيمانه بنفسه؛ لأن الوسيط لم يعد وظيفياً.

غير أن الخلاصة الأهم التي أسعى إلى تأكيدها في هذا الجزء الختامي هي خلاصة يميل الخطاب التحليلي إلى تجاهلها: “التدين الخوارزمي” ليس ظاهرة جيلية متجانسة، بل هو طيف من الأنماط تتحدد ملامحها في تقاطع متغيرات عديدة منها المتغير الطبقي مع المتغير الرقمي، والانتماء الجغرافي مع متغير الجندر، لكن ما رصدناه في معظم هذه السلسلة هو في الغالب نمط الطبقة الوسطى والعليا، المتعلم تعليماً نوعياً، والمتصل رقمياً بجودة عالية، وهو نمط جدير بالتحليل، لكنه يمثل أقلية نسبية داخل جيل تقطن أغلبيته خارج هذا النطاق الطبقي.

الطبقة كمتغير مُهيكِل لا كهامش

حين نأخذ التباين الطبقي بجدية كاملة، تتبدل ملامح الصورة: “التدين الخوارزمي” في نسخته الشعبية- في الأحياء الشعبية والأقاليم، حيث تقطن الأغلبية الفعلية لجيل زد المصري- يختلف نوعياً عن نظيره في الطبقة الوسطى العليا في طبعتها الحضرية، الخوارزمية التقنية تُغذيه بمحتوى مختلف: كبسولات عاطفية سريعة، ويقين قاطع، خطاب مُبسَّط يمنح إجابات فورية لأسئلة وجودية ضاغطة، “ذمة الفرد” حاضرة هنا أيضاً، لكنها تعمل في سياق أزمات بقاء أكثر إلحاحاً وأقل هامشاً للتأمل.

والأهم: “تسييس الكفاءة” بوصفه فعلاً هوياتياً وأداة اشتباك في السوق المعولم، وهو أحد المفاهيم المركزية في هذه السلسلة، هو في جوهره امتياز طبقي، قبل أن يكون ظاهرة جيلية، فالشاب الذي لا يملك كفاءة قابلة للتسييس في سوق رقمي عالمي، لا يغيب عنه التدين الخوارزمي، لكن تديّنه يتجلى في أشكال أقل ظهوراً في البيانات، وأقل توافقاً مع الصورة المُفعمة بالفاعلية التي رسمناها، هو يشتبك، لكن بأدواته هو- وجدانياً، مادياً أحياناً، واجتماعياً- في فضاء محلي لا يصل إلى الرأي العام العالمي.

هذا التباين لا يُفكك الأطروحة، لكنه يُعيد تحديد حدودها بدقة: ما قدمناه هو تحليل لـ”التدين الخوارزمي في نسخته التي تعبر عنها الطبقة الوسطي العليا والعليا، وهو نمط حقيقي وصاعد ومؤثر، لكنه ليس صورة الجيل كله.

وإذا أشرنا سريعا إلي التدين النسائي الذي عمل عليه بعض الباحثين؛ فقد نجد تفشيا للتصوف العاطفي، خاصة عند الفتيات.
أسئلة مفتوحة، لكنه في جوهره أيضا تعبير عن مفهومي عن “استقلال الاضطرار”. فاللجوء للتصوف العاطفي هو نوع من “الهندسة الشخصية للاحتياجات الروحية”، حين تعجز المؤسسات الرسمية (والأسرية أحياناً) عن تقديم إجابات شافية أو احتواء حقيقي.

ومن خلال رصد زينب البقري لهذا النمط، يمكننا تحديد أهم ملامحه في النقاط التالية:

الشيخ كـ “أب بديل” (استعادة الدور الأبوي)

هذا هو الملمح الأبرز؛ ففي ظل اهتزاز صورة الأب التقليدي (بفعل الإخفاقات الاقتصادية أو الفجوة الجيلية)، يتحول الشيخ الصوفي إلى “ملاذ آمن”، يمنح الرعاية والاحتواء العاطفي، العلاقة هنا ليست مجرد علاقة “فقيه بمتعلم”، بل هي علاقة “مربي بمريد” تعوض الفقد الوجداني.

“المحاضن الآمنة” والهروب من التفكك

التصوف العاطفي يقوم على خلق دوائر اجتماعية مغلقة (Social Bubbles)، هذه الدوائر تعمل كـ”قوقعة”، تحمي الفتيات والشباب من هشاشة المجتمع الخارجي وتفكك علاقاته، هي ليست مجرد حلقة ذكر، بل “سندا اجتماعيا” بديلا، يوفر شعوراً بالانتماء في زمن العزلة الرقمية.

هيمنة “المحبة” على “التكليف”

يركز هذا النمط على خطاب المحبة المفرطة والجانب الروحاني الوجداني، كمدخل أساسي للدين، بدلاً من البدء بالقيود السلوكية أو الأحكام الفقهية الجامدة، هذا الخطاب يلقى قبولاً كبيراً لدى جيل زد؛ لأنه يلمس “الجوع العاطفي” لديهم، ويقدم الدين كـ”تجربة ذاتية فريدة”، يصعب وصفها أو نقلها للآخرين.

الفردية داخل الجماعة

رغم وجود “الشيخ” كمركز، إلا أن التجربة تظل ذاتية بامتياز. فالفتاة تلتحق بهذا الوسط؛ بحثاً عن خلاصها الفردي وسلامها النفسي أولاً، الخوارزمية هنا “عاطفية”؛ حيث يتم انتقاء التجربة الروحانية التي تُشعر الفرد بالراحة والقبول، بعيداً عن صراعات المجال العام أو تسييس الدين.

التعويض عن “المادية المفرطة”

يأتي هذا النمط كرد فعل على عالم “مغرق في ماديته”، حيث يجد الشباب في الطقس الصوفي (حتى في نسخته الرقمية أو الحديثة) مساحة لـ”تفريغ محتويات الروح” وإشباع التفكير.

تساؤلات المستقبل

إن الأمانة الفكرية تقتضي ألا تُختتم هذه السلسلة بيقينيات استشرافية، بل بأسئلة مشروعة تفتحها البيانات ولا تُغلقها:

السؤال الأول: هل “ذمة الفرد” قادرة على إنتاج بديل هيكلي؟

رصدنا أن التدين الخوارزمي ينتج “فاعلية دفاعية” ممتازة، تصمد في وجه السيولة، ويشتبك في لحظات الاستفزاز الحاد، لكنه لا يُنتج حتى الآن “فاعلية تأسيسية” قادرة على بناء خطابات أو مؤسسات بديلة لما انهار. هل هذا حد بنيوي دائم في هذا النمط من التدين؟ أم هو مرحلة انتقالية تسبق نضجاً مؤسسياً وخطابيا مختلف الشكل؟

السؤال الثاني: كيف ستتطور الفجوة الطبقية في التدين الخوارزمي؟

فإذا كانت الخوارزمية التقنية تُعيد إنتاج الفوارق الطبقية في شكل فوارق في “نوع التدين”، فإن التوسع في الذكاء الاصطناعي وأتمتة المهن سيُعيد رسم خريطة “الكفاءة القابلة للتسييس”، فمن سيملكها ومن سيُهمَّش؟ وكيف سينعكس ذلك على أشكال التدين وعلى قدرة “الذمة الفردية” على الاشتباك الفعّال؟

السؤال الثالث: ما مصير “التدين الخوارزمي” في نسخته الشعبية؟

النمط الشعبي من التدين الخوارزمي، والمُغذَّى بكبسولات عاطفية ويقين حاد، يحمل في طياته مخاطر، لا تحملها نسخته النخبوية: قابلية أعلى للاستثمار من قِبل الشعبويات الدينية، وضعف في أدوات النقد الذاتي، وارتفاع في حدة التعامل مع الآخر المختلف. فهل تملك “ذمة الفرد” في هذا السياق آليات وقاية داخلية كافية؟ أم أن السياق المأزوم، لا ينتج إلا خطابات مأزومة، يقوم الواقع المأزوم باستهلاكها؟

السؤال الرابع: هل “اليتم المؤسسي” إلى زوال؟

بنينا معظم تحليلنا على افتراض استمرار “الانكشاف المؤسسي”، لكن ماذا لو أنتجت مصر في العقد القادم- تحت أي شكل من الأشكال- مؤسسات وسيطة أكثر مصداقية وفاعلية؟ هل سيُفضي ذلك إلى تراجع التدين الخوارزمي؟ أم أن الجيل الذي نشأ على “استقلال الذمة” لن يتخلى عنه حتى حين تتوفر البدائل المؤسسية؟

كلمة أخيرة

لا تدّعي هذه السلسلة، أنها رسمت صورة كاملة لتدين جيل زد المصري، فما فعلته هو اقتراح أداة (“التدين الخوارزمي”) وتطبيقها على نمط بعينه من هذا الجيل، مع محاولة الإقرار بحدود هذا النمط وبالتباينات التي يخفيها.

ما يبقى بعد كل هذا التحليل هو سؤال لا تملك البيانات وحدها الإجابة عنه: هل يمتلك جيل نشأ على “استقلال الاضطرار”، حاملاً مرجعيته الصلبة وخوارزميته المرنة، القدرة على أن يُنتج شيئاً أكثر رسوخاً من الصمود الفردي؟ أم أن الصمود الفردي في زمن السيولة هو في حد ذاته، إنجاز لا يُستهان به؟

الإجابة لا تزال تُكتب.​​​​​​​​​​​​​​​​